د. رشاد محمد سالم
ورد ذكر «إبليس» في إحدى عشرة آية من آيات القرآن الكريم، وورد ذكر «الشيطان» في ثمان وستين آية، ويظن كثير من الناس للوهلة الأولى أنهما بمعنى واحد، وأنهما لمخلوق واحد، وليس الأمر كذلك، فكلمة «إبليس» عَلَم على مخلوق خلقه الله، من النار وقام بعمله ما شاء الله أن يقوم، ثم نازع ربه الكبرياء والعظمة، فاستكبر عن طاعته وعصى ربه، فطرده من رحمته ومن وظيفته، فهبط على الأرض يتهدد ويتوعد بإغواء بني آدم، وسيظل كذلك إلى أن تقومَ الساعة، ويبعثَ الله الخلق، ليقرأ كل منهم كتابه، ويعرف مسيره ومصيره.
وأما الشيطان فهو صفة قد يتصف بها إبليس، وقد يتصف بها غيره من الجن أو من الإنس، فكثير من الناس نراهم ويروننا، نعاملهم ويعاملوننا، هم في ظاهرهم من الإنس، ولكنهم في حقيقة تصرفاتهم وأفكارهم ومكائدهم وأخلاقهم يكونون من مردة الشياطين الذين قد يعجز عن مكائدهم وحبائلهم إبليس نفسه.
ويوضح ذلك أن كلمة «إبليس» - التي يرى بعضهم أنها يونانية الأصل - عربية الاشتقاق، فهي من أبلس الرجل إذا انقطع ولم تكن له حجة، وأبلس الرجل: قطع به، وأبلس -أيضًا- سكت، وأبلس من رحمة الله: يئس منها وندم. وقد استخدم العرب هذه المعاني في شعرهم ونثرهم، فقالوا ناقة مبلاس: إذا كانت لا ترغو من الخوف، وفلان أبلس: إذا سكت من شدة الخوف.
وقد استخدم القرآن الكريم هذه المعاني اللغوية لكلمة «أبلس» قال تعالى: «وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ» (الروم: 12).
وإذا قرأت الآيات التي ورد فيها ذكر «إبليس» تجد أن هذه هي صفاته، فهو مطرود من رحمة الله وهو يائس منها، وقد قطع به وأهبط إلى الأرض، وقامت عليه الحجة، قال تعالى: «قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ، قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ، قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ، وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ» (ص: 75-78).
أما كلمة «شيطان» فهي -أيضًا- عربية الاشتقاق والدلالة، لم يخالف في ذلك أحد، إنما اختلفوا في أصل اشتقاقها، فبعضهم قال: إنها من الفعل «شطن» بمعنى بعد عن الحق، من شطنه، يشطنه، شطنًا، إذا خالفه عن وجهته ونيته، وشطنت الدار: بعدت، وتشيطن الرجل: إذا صار كالشيطان وفعل فعله.
وعلى هذا تكون كلمة « شيطان » على وزن «فيعال» لأن النون فيه أصلية. وآخرون قالوا: إنها من الفعل «شاط» بمعنى احترق من الغضب؛ من شاط، يشيط، وتشيَّط إذا لفحتْه النار فاحترق أو هلك وعلى هذا تكون على وزن « فعلان » والنون فيه زائدة.
والاشتقاق الأول «شطن» أقرب إلى وصف أعمال الشيطان التي تهدف إلى إبعاد الناس عن عمل الخير واتباع الحق.
الشيطان -إذن- صفة يمكن أن يتصف بها أي امرئ يعمل عمله، وقد وصف الله بها إبليس حتى التصقت به، فصار الناس يظنون أنها خاصة به، ولكن آيات القرآن الكريم بينت أن إبليس غير الشيطان، وأن الشيطان صفة لإبليس.
تأمل قوله تعالى: (إِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ، وَقُلْنَا يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ، فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ) [البقرة: 34-36].
لعلك تلاحظ أن جملة «فأزلهما الشيطان عنها» توحي بصفات إبليس؛ أي: أزلهما إبليس بكيده وتزيينه ووسوسته..
وهناك - أيضًا - شياطين من الإنس لا يقلون عن شياطين الجن خبثًا وكفرًا وفسادًا. قال تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا)[الأنعام 112]، ( وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِين، وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ) [المؤمنون: 97-98].
* مدير الجامعة القاسمية بالشارقة