يفترض أن تكون شخصية المسلم إيجابية، مقبلة على الحياة، متفاعلة معها، وذلك لأنه مطالب باستيفاء شروط الخلافة في الأرض والسعي في مناكبها عبادةً لله، وإعماراً للأرض، واستفادة مما فيها من ثروات وخيرات لا يصل إليها إلا بالعمل والعمل الجاد.
قال تعالى: هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا (هود: 61).
وجاءت مطالبة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتقن الإنسان عمله، بقوله: إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه.
فالإتقان سمة أساسية في الشخصية المسلمة، وهي التي تحدث التغيير في السلوك والنشاط، فالمسلم مطالب بالإتقان في كل عمل تعبدي أو سلوكي أو معاشي؛ لأن كل عمل يقوم به المسلم بنيّة العبادة هو عمل مقبول عند الله يُجازى عليه سواء كان عمل دنيا أم آخرة.
وتبدأ عملية الإتقان في تعلم المسلم للصلاة وأدائها بأركانها وشروطها التي تدرّب المسلم على الإتقان المادي الظاهري، بل على الإتقان الداخلي النفسي المتمثل في مراقبة الله عز وجل والخوف منه، فهل وصلنا إلى ذلك في مجتمعنا ليتم الإتقان في أمور الحياة كلها؟ فردية أو جماعية؟ وهل سبب تخلفنا وتأخرنا يرجع إلى فقدان هذه الخاصية؟ وما قيمة الشعائر والوسائل التعبدية التي لا تغير في سلوك الإنسان ونمط حياته ووسائل إنتاجه؟
إننا نفتقد التربية الأسرية والمدرسية والاجتماعية التي تجعل عمل الإتقان في حياتنا مهارة داخلية تعبر عن قوة الشخصية التي تكسب الإنسان الاتزان والثقة والاطمئنان والتفرد إلى جانب اكتساب المهارة المادية والحركية.
ونحن مطالبون بترسيخ هذه القيمة التربوية الحياتية في واقعنا وسلوكنا؛ لأنها تمثل معيار سلامة الفرد وكمال شخصيته، كما أننا مطالبون ببذل الجهد كله في إتقان كل عمل في الحياة يطلب منا ضمن واجباتنا الحياتية أو التعبدية.
فالإتقان يكسب الأمة الإخلاص في العمل لارتباطه بالمراقبة الداخلية، كما أنه يجرد العمل من مظاهر النفاق والرياء، فكثير من الناس يتقن عمله ويجوّده إن كان مرَاقباً من رئيس له، أو قصد به تحقيق غايات له أو سعى إلى السمعة والشهرة.
الإتقان هدف تربوي، وظاهرة سلوكية تلازم المسلم في حياته، والمجتمع في تفاعله وإنتاجه، فلا يكفي الفرد أن يؤدي العمل صحيحاً بل لا بد أن يكون صحيحاً ومتقناً، حتى يكون الإتقان جزءاً من سلوكه الفعلي.
والإتقان في المفهوم الإسلامي ظاهرة حضارية تؤدي إلى رقي الجنس البشري، وعليه تقوم الحضارات، ويعمر الكون، وتثرى الحياة.
ولعلنا نلحظ أن من أسباب التخلف في المجتمعات الإسلامية افتقادها خاصية الإتقان كظاهرة سلوكية وعملية على صعيد الأفراد والمجتمعات، وانتشار الصفات المناقضة للإتقان كالفوضى والتسيب وعدم المبالاة بقيمة الوقت واختفاء الإحساس الجماعي والإهمال والغش والخديعة.
وقد انعكس هذا في فقدان المسلمين للثقة في كل شيء ينتج في بلادهم مع ثقتهم في ما ينتج في غير بلاد المسلمين.
وصفة الإتقان وصف الله بها نفسه لتنقل إلى عباده، قال تعالى: صُنْعَ اللهِ الذِي أَتْقَنَ كُل شَيْءٍ إِنهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (النمل: 88).
ولقد عُبر عن الإتقان بكلمة الإحسان أيضاً، غير أن الإتقان عمل يتعلق بالمهارات التي يكتسبها الإنسان؛ بينما الإحسان قوة داخلية تتربى في النفس، وتترجم إلى مهارة يدوية.
فالإحسان أشمل وأعم دلالة من الإتقان، ولذلك كان هو المصطلح الذي ركز عليه القرآن الكريم واهتمت به السنة النبوية.
وقد وردت كلمة الإحسان بمشتقاتها المختلفة مرات كثيرة في القرآن الكريم، منها ما ورد بصيغة المصدر اثنتي عشرة مرة، بينما وردت كلمة المحسنين ثلاثاً وثلاثين مرة، وبصيغ اسم الفاعل أربع مرات، واللافت للنظر أنها لم ترد بصيغة الأمر إلا مرة واحدة للجماعة: وَأَحْسِنُوا إِن اللهَ يُحِب الْمُحْسِنِينَ (البقرة: 195).
والإحسان ثلث الدين، وهو عمل الحسن أو الأحسن كأننا نرى الله، فإن لم نصل إلى ذلك فعلى الأقل الإيمان بأنه يرانا، وهذا هو تعريف الرسول صلى الله عليه وسلم للإحسان بأن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، ثم قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم.
والإحسان في أمور الدنيا يشمل الحياة كلها؛ إذ إن الحياة لا تنمو ولا تزدهر، والحضارات لا تبنى ولا تتقدم إلا بالإحسان، إحسان التخطيط وإحسان التنفيذ وإحسان التقدير.
والمسلم مطالب بأن يكون الإحسان هدفه وغايته؛ لأن الله يأمر بالعدل والإحسان قولاً وعملاً.
* أمين الفتوى في وزارة الأوقاف السورية