في ظل الارتفاع المتزايد للقيمة الإيجارية للشقق والحوانيت والمخازن والعنابر والمصانع والآلات والمعدات، ونحوها، قد يعن لمن استأجر عينا منها أن يتنازل عن منفعتها للغير لعدم حاجته إلى هذه المنفعة في زمان بعينه، كالشقق والفيلات والشاليهات في المصايف والمشاتي، أو الشقق أو البيوت في المناطق السياحية أو نحوها، أو لعدم تفرغه لإدارة الآلات أو الانتفاع بالمعدات والمصانع، ونحوها، وذلك بتأجيرها بعوض أعلى من الذي استأجرها به، وقد اختلف الفقهاء في حكم إجارتها بأكثر مما استؤجرت به، فيرى فريق من الفقهاء جواز إجارة مستأجرها لها بأكثر مما استأجرها به، ويكون الفضل جائزا للمستأجر، سواء أذن له المؤجر في ذلك أو لم يأذن له، وهو قول جماعة من التابعين وتابعيهم، وإليه ذهب المالكية والشافعية، وهو أصح الروايتين عن أحمد، وإليه ذهب الظاهرية، لأن عقد الإجارة يجوز برأس المال، فجاز بزيادة عليه، قياسا على بيع المبيع بعد قبضه من بائعه، وكما لو أحدث المستأجر عمارة في العين التي استأجرها لا يقابلها جزء من الأجر، ولأن المستأجر قد ملك منافع هذه العين بعقد الإجارة، فجاز له التصرف فيها بشتى وجوه التصرف المشروعة المتصورة في هذه المنافع، وليس هذا من ربح المتصرف ما لم يخل في ضمانه، الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن المنافع مضمونة من المستأجر بقبضه العين التي يستوفي المنفعة، بدليل أنه لو لم ينتفع حتى مضت المدة ضمن الأجرة، فلم يكن تصرفه هذا من قبيل ربح ما لم يضمن، ويرى فريق آخر أن المستأجر إن أحدث في العين المستأجرة زيادة تقتضي الزيادة في الأجرة من أجلها، جاز له أن يكريها بزيادة، وإلا لم يجز له الكراء بالزيادة، فإن أجرها بزيادة على ما استأجرها به، دون أن يحدث في العين ما يقتضي الزيادة في أجرتها، تصدق بالمقدار الزائد من الأجرة، وهو قول بعض التابعين وأبي حنيفة ورواية عن أحمد، لما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ربح ما لم يضمن، فإن أجرها المستأجر بزيادة على ما استأجرها به دون أن يحدث زيادة فيها، فقد دخل في ربح ما لم يضمن، إذ العين المؤجرة ليست من ضمان من استأجرها بالزيادة، وإنما هي من ضمان مالكها (المؤجر)، وربح ما لم يضمن منهي عنه، بخلاف ما إذا عمل فيها المستأجر عملا، لأن الربح حينئذ يكون في مقابلة العمل، ولأن إجارة العين بأكثر مما استؤجرت به إن لم يكن في مقابلها زيادة في العين، فإنه يكون من قبيل بيع المنفعة بربح، فيمنع قياسا على الربح في الطعام المبيع قبل قبضه، ويرى فريق من الصحابة والتابعين كراهة إجارة العين المستأجرة بأكثر مما استؤجرت به كراهة تحريمية، لحديث عمرو بن شعيب السابق، والزيادة في أجرة العين المستأجرة، داخلة في ربح ما لم يضمن، وهو منهي عنه، إذ المنفعة لا تقبض إلا باستيفاء، فهي قبله غير داخلة في ضمان المستأجر، ولذا فلا يستحق الأجرة عليه إلا باستيفاء المعقود عليه، ولأن هذه الزيادة في الأجرة كالربا، وقد كرهها عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، ولم يعرف له في الصحابة مخالف، فيكون إجماعا منهم على عدم جوازها، وبالموازنة بين مذاهب الفقهاء في هذه المسائل، وما استدلوا به على مذاهبهم، فإني أميل إلى ما ذهب إليه المالكية والظاهرية ومن وافقهم، في جواز إجارة المستأجر العين المستأجرة قبل قبضها أو بعده، من المؤجر أو من غيره، بمثل ما استؤجرت به أو بأقل أو بأكثر، لما استدلوا به على مذاهبهم فيها، ولأن المنفعة قد انتقلت إلى ملك المستأجر، فيكون تصرفه فيها تصرفا من مالك منفعة العين، ولو روعي في ذلك محل المنفعة وهو العين المؤجرة، وذلك لأن المستأجر لا يتصرف في العين، وإنما يتصرف في المنفعة وهو مالك لها، فإذا تصرف فيها لمماثل للغرض الذي استؤجرت من أجله، سواء كان الغرض سكنا أو تجارة أو حفظ متاع أو إدارة أو نحو ذلك، ولا يحتاج المتملك لشيء إلى إذن الغير في التصرف فيه حتى يجوز تصرفه فيه، إذ لا حاجة إلى هذا الإذن، فإن تملك المستأجر هذه المنافع قد صيره مأذونا له في التصرف فيها، وإخراجها عن ملكه بكل وجوه التصرف المباحة، ولأن منافع العين تدخل في ضمان المستأجر بمجرد قبضه العين، فإن عطل المحل وفوت منافع العين المستأجرة بدون استيفاء، لزمه أجرة هذه المنافع التالفة، لأنها فاتت بإرادته والعين مقبوضة له، فإذا فات محل هذه المنفعة فإنه يتلف من مال المؤجر، لزوال محل المنفعة، فيضمنها مالكها ضمان عقد، ولما كانت المنفعة مقبوضة للمستأجر جاز له استيفاؤها بنفسه أو بنظيره، وإيجارها والتبرع بها، إلا أن قبض هذه المنفعة مشروط ببقاء محلها سالما عن الهلاك، فإذا تلف هذا زال محل الاستيفاء وكان من ضمان المؤجر.
قبسات فقهية
إجارة العين بأكثر مما استؤجرت به
19 أغسطس 2008 02:12 صباحًا
|
آخر تحديث:
19 أغسطس 02:12 2008
شارك