حرص الإسلام على بناء شخصية المسلم على قيم وأخلاقيات رفيعة حتى تستقيم حياته، ويؤدي رسالته في الحياة، ويسهم بفاعلية في بناء ونهضة مجتمعه، ويواجه بقوة وصلابة كل التجاوزات الأخلاقية عملا بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

والإسلام في بنائه الأخلاقي للإنسان جاء بكل ما هو راقٍ ومتحضر، وسما بأخلاق أتباعه فوق كل الصغائر، ورسم للإنسان حياة راقية تغلفها كل المعاني الإنسانية .

ونحن من خلال هذا الباب نسبح في بحر الأخلاق والقيم الإسلامية الرفيعة لنذكر الأجيال الجديدة من أبناء المسلمين أن رقيهم وتحضرهم وإنسانيتهم العالية تكمن في أخلاقيات الإسلام، وأن ما نعاني منه الآن في معظم مجتمعاتنا العربية والإسلامية من انفلات أخلاقي وبلطجة سلوكية سببه الرئيسي ضعف الوازع الديني، واختفاء قيم وأخلاق الإسلام من حياتنا .

إحسان الظن بالناس وعدم التسرع في اتهامهم دون أدلة وبراهين إدانة واضحة سلوك الأتقياء أصحاب الأخلاق العالية والنفوس الطيبة . . أما هؤلاء الذين لا ينظرون إلى الآخرين إلا من خلال منظار أسود، الأصل عندهم في الناس أنهم متهمون، بل مدانون ومذنبون ومتآمرون، فهم من الذين غضب الله عليهم ووعدهم بسوء العاقبة نتيجة ما يقترفون من معاصي وذنوب وظلم للآخرين .

خلع المنظار الأسود

الدكتور مبروك عطية، الأستاذ في جامعة الأزهر والداعية الإسلامي، يقول: للأسف كثير من الناس الآن لا يتخلقون بأخلاق القرآن، ولذلك تجد معظمهم يسارعون إلى سوء الظن والاتهام لأدنى سبب فلا يلتمسون المعاذير للآخرين، بل يفتشون عن العيوب، ويتصيدون الأخطاء ويحولون الخطأ إلى خطيئة ومن الخطيئة كفر، وإذا كان هناك قول أو فعل يحتمل وجهين: وجه خير وهداية، ووجه شر وغواية، رجحوا احتمال الشر على احتمال الخير .

ويضيف: لقد نسى هؤلاء أو تناسوا أن من أهم الأخلاقيات التي جاء بها دينهم الإسلامي: إحسان الظن بالآخرين، وخلع المنظار الأسود عند النظر إلى أعمالهم، ومواقفهم، فلا ينبغي أن يكون سلوك المؤمن واتجاهه قائما على تزكية نفسه واتهام غيره، فسوء الظن سلوك حذر منه الله ورسوله، فالحق سبحانه وتعالى يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ .

وأما السنة فقد ورد فيها قول الرسول، صلى الله عليه وسلم: إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا ولا تجسسوا . وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم المسلمين حسن الظن، فقد جاءه رجل يقول إن امرأتي ولدت غلاما أسود، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هل لك من إبل؟ فقال: نعم . قال: فما ألوانها؟ قال: حمر . قال هل فيها من أورق يعني فيه سواد قال: إن فيها لأورقا . قال فأنى أتاها ذلك؟ قال: عسى أن يكون نزعه عرق . قال: وهذا عسى أن يكون نزعه عرق، وأما السلف رضي الله عنهم وأرضاهم، فقد نأوا بأنفسهم عن هذا الخلق الذميم، فتراهم يلتمسون الأعذار للمسلمين، حتى قال بعضهم: إني لألتمس لأخي المعاذير من عذر إلى سبعين، ثم أقول: لعل له عذراً لا أعرفه .

من الكبائر

يشير الدكتور إسماعيل الدفتار، الأستاذ في كلية أصول الدين في الأزهر، عضو مجمع البحوث الإسلامية إلى أن سوء الظن ينقسم إلى قسمين، كلاهما من الكبائر، وهما:

- سوء الظن بالله: وهو أعظم إثماً وجرماً من كثير من الجرائم، لتجويزه على الله تعالى أشياء لا تليق بجوده سبحانه وكرمه .

- وسوء الظن بالمسلمين: وهو أيضاً من الكبائر، فمن حكم على غيره بشر بمجرد الظن حمله الشيطان على احتقاره وعدم القيام بحقوقه وإطالة اللسان في عرضه والتجسس عليه، وكلها مهلكات منهي عنها .

وواجب المسلم أن يحسن الظن بالله تعالى، لأن سوء الظن بالله محرم، فهو أرحم الراحمين، وأكرم الأكرمين .

أما حسن الظن بالمسلمين فهو أمر واجب أيضاً لأن سوء الظن بالمسلمين حرام خاصة الذين يكون ظاهرهم العدالة والصلاح .

والإنسان المسلم يحظى بفضل ربه عندما يحسن الظن بربه، فإن أحسن الظن بإجابة الدعاء عندما يدعو ربه استجاب الله دعاءه، وإذا أحسن الظن بربه عندما يتوب إلى الله، يقبل الله توبته . فقد قال النبي، صلى الله عليه وسلم: يقول الله تعالى: أنا عند حسن ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه وإن تقرب إليّ شبرا تقربت إليه ذراعا، وإن تقرب إليّ ذراعا تقربت إليه باعا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة .

ومن ثمرات حسن الظن بالله تعالى أن الله عز وجل يغفر ذنوب عبده إذا أخطأ وأراد أن يتوب ويرجع إلى الله تعالى، حتى لو عاد للذنب مرة بعد أخرى ما دام في كل مرة كان صادق العزم وأراد أن يتوب وأقبل عليها .

وهكذا نرى أثر حسن الظن في دنيا الإنسان وفي آخرته ففي الدنيا يثمر حسن الظن تفريج الكروب، وفي الآخرة يثمر حسن الظن غفران الذنوب، وبمدى حسن ظن الإنسان في رحمة ربه يتطلع الإنسان إلى فضل الله تعالى وكرمه ويتوقع، بل يوقن أن الله سبحانه قريب منه ويحقق له ما يريد، وكما يكون حسن الظن بالله تعالى، فإن حسن الظن بالناس أيضاً مطلوب، فلا يظن الإنسان سوءا بإخوانه، وقد نهى القرآن الكريم عن ظن السوء بأهل الخير فقال الله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً منَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسوا وَلَا يَغتَب بَّعْضكم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ .

صيانة أعراض الناس

يرى الدكتور الدفتار أن صيانة أعراض الناس والمحافظة على حرماتهم وسمعتهم وكرامتهم من فرائض الإسلام وواجباته الأساسية حتى تقوى صلات الأفراد، وحتى يكونوا كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا وبذلك ينمحي من بينهم كل سبب من أسباب الفرقة وينتفي كل ما يزرع في النفوس العداوة والبغضاء، ولكي يتم ذلك أوجب الإسلام على المسلم أن يحسن الظن بإخوانه المسلمين، فلا يحل لأحد منهم أن يتهم غيره بفحش أو ينسب إليه الفجور أو يسند إليه الإخلال بالواجب أو النقص في الدين أو المروءة، أو أي فعل من شأنه أن ينقص من قدره أو يحط من مكانته ما لم يكن هناك سبب يوجب تهمته .

وقد أمر الله بالتثبت ونهى عن تصديق الوهم والأخذ بالحدس والظن، فقال: وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً .

أي لا تقل إني سمعت والحال أنك لم تسمع، ولا رأيت والحال أنك لم تر، ولا علمت والحال أنك لم تعلم، ولا تتبع الظن في أي قضية من القضايا فتصدق ما لا يتفق مع الواقع ولا مع العلم الصحيح، بل استعمل الوسائل الموصلة إلى الحقيقة، فإنك مسؤول أمام الله عن ذلك كله .

والظن المأمور باجتنابه هو التهمة التي لا دليل عليها، واتهام الغير بدون دليل موقع في الإثم، ومفضٍ إلى العقوبة، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول محذراً من الظنون: حسن الظن من حسن العبادة .

فإن تظاهر إنسان بمعصية، أو اشتهر بتعاطي الريب أو جاهر باقتراف السيئات أو دخل مداخل السوء، فلا لوم على من أساء به الظن، لأن الظن هنا أصبح حقيقة، وما دام ذلك كذلك يكون بعضه من تمام الإيمان . فقد روي عن عمر أنه قال: من دخل مداخل السوء فلا يلومن من أساء به الظن .

وإذا كان الإسلام أوجب حسن الظن بالإنسان ما لم يصدر عنه ما يوجب سوء الظن به من قول أو فعل فإن على الإنسان أن يكون حذرا إذا عرضت له معاملة مع أحد من الناس فيقدم سوء الظن حتى تستبين له الحقائق، كي لا يقع في شرك الدجالين المخادعين، الذين لم يظهر ما في طواياهم . فالمؤمن كيس فطن .

الدكتور يسري عبد المحسن، أستاذ الطب النفسي، يؤكد أن سوء الظن يكون مصاحبا في كثير من الحالات لما يعرف بالشخصية الظنانية أو الشكاكة وهي لا تعتبر حالة مرضية حقيقية ولكنها سمة من سمات الشخصية، ويقول: من أفضل وسائل علاج الشخصية الظنانية محاولة توسيع دائرة المعارف والأصدقاء، لأن في ذلك وسيلة فعالة لأن الإنسان يكون أكثر اندماجا مع الآخرين، وهذا يجعله يتقبل الحوار معهم بصورة أفضل، لأنه يشاهدهم يتحاورون فيما بينهم ويقبلون بعضهم بعضا . وذلك يجعله أكثر قناعة بأن نفس هذا المبدأ ينطبق عليه.