يعد إخفاء حقيقة ما يتقاضاه أحد الزوجين من راتب عن الآخر، نهاية حقيقية للثقة المفترض أن تكون متبادلة بينهما . وسواء كان هذا الإخفاء مبرراً أو لا، هل عرفت الزوجة أن من تخفي عنه راتبها هو من وهبته نفسها، وتعيش في كنفه، وأنجبت منه؟ وهل فكر الزوج الذي يخفي حسابه السري عن زوجته، أنها سره الوحيد، والقادرة على تحمل المسؤولية في حال غيابه إذا أو أصابه مكروه؟
كثيرة هي الحجج والأسباب الذي ساقها الزوجان لإخفاء راتب كل منهما عن الآخر، فالزوج يتهم زوجته بالبذخ وعدم الحرص على تأمين مستقبل الأبناء . وترد الزوجة بأن راتب الزوج كبير وليس بحاجة إلى راتبها .
يقول محمد عتيق، مدير تسويق بشركة أدنوك: إخفاء أو كشف الأسرار بين الزوجين يعتمد بالأساس على مدى العلاقة والتفاهم والثقة بينهم، وفي حال كانا على درجة عالية من التوافق، يكون من السهل عليهما تجديد متطلباتهما والتزامات كل منهما . أما في حال وجد الزوج زوجته مسرفة وتزيد من سقف طلباتها تبعاً لحجم راتبه، فمن الأفضل أن يخفيه عنها حفاظاً على ماله ومستقبل أبنائه .
ويضيف: أعرف بعض الأصدقاء ممن يخفون عن زوجاتهم حقيقة رواتبهم ليريح كل منهم رأسه من الطلبات المبالغ فيها والطموحات الزائدة، التي قد تطيح بمدخراته أو تجعله يستدين لتلبية متطلبات زائدة عن الحد .
ويؤكد أن بعض الأزواج يفضل عدم الإفصاح عن مساعدته لأهله، لأن زوجته لا يروق لها ذلك، مما يضطره لعمل ذلك في الخفاء .
وعن تجربته الشخصية يقول: أنا على درجة عالية من التفاهم مع زوجتي، وإن كنت أخفيت عنها في البداية مساعدتي لأهلي، لكنها فور علمها بذلك رحبت ودفعتني إلى المزيد .
ويقول: أعرف من بين الأصدقاء من يطلع أهله على أدق خصوصياته وأسراره وراتبه، ويخفي ذلك عن زوجته، لأنه يعرف أنها في حال علمت ذلك ستقوم الدنيا ولم تقعد . ولأن كل زوج يعرف زوجته، يكيف كل منهم حياته بحسب ما يراه مناسباً لاستمرار الحياة من دون خسائر .
يؤكد علاء محمود موظف في بتسهيل للمعاملات بالشارقة، أن الزوج ليس مجبراً على الكشف لزوجته عن كل ما يتقاضاه من أموال، سواء في العمل أو التجارة . لكنه في المقابل، مطالب بتوفير كل سبل العيش الكريم لأسرته وأبنائه .
كثيراً ما يصطدم الإنسان بعثرات يحتاج فيها إلى المادة، وبدلاً من أن يمد يده إلى الغير فمدخراته موجودة وبعيدة عن يد الجميع .
ويضيف: أخفي عن زوجتي بعض المال، لكنها تعرف رقم حسابي وأرقامي المصرفية، لكنها لا تعلم عن مدخراتي شيئاً وأنا الوحيد المتصرف فيها .
وحول إخباره البعض بحقيقة راتبه ومدخراته لأهله وإخفائها عن الزوجة يقول: هناك زوجة تدفع الرجل إلى ذلك التصرف، لأنها باختصار لا تكون أهلاً للثقة، مما يضطره للبوح لأهله، تحسباً إذا حدث له مكروه أو ظروف طارئة . باعتبارهم الأقرب بالنسبة له عن زوجته .
ويشدد على أن الزوج في مثل هذه الحالات يشعر بعدم وجود شريك له في الحياة أصلاً، يرعى مصالحه ويخطط معه للمستقبل، بل على العكس كلما فكر في البناء وجد زوجته تهدم وتحاول بعثرة ما يجمعه لأبنائه .
وتؤيد رانيا الحداد، معلمة لغة إنجليزية بمدارس دبي الدولية، أن يكون للمرأة ذمتها المالية المنفصلة، لكنها في الوقت نفسه لا تؤيد إخفاء راتبها عن الزوج، معتبره ذلك نوعاً من الخيانة الزوجية، التي من الممكن أن تأخذ أكثر من شكل ومنها إخفاء الراتب، لأن من تخفيه عن زوجها من السهل عليها أن تخفي أشياء أخرى .
وتقول: يجب أن يكون هناك اتفاق مسبق بين الزوجين على ميزانية البيت، فهناك أسر يكون الزوج مسؤولاً عن مصروف البيت كاملاً، وهناك أسر تعتمد على الشراكة بين الطرفين . أما أن يدس أحد راتبه عن الآخر فهذا يعني أن الثقة انعدمت وأصبح لكل طرف أشياؤه الخاصة داخل البيت، الذي من المفترض أن يعمه روح المودة والصراحة .
وتضيف: لكل قاعدة استثناءات، فمن الممكن أن تخفي الزوجة راتبها الحقيقي عن زوجها، لأنه طماع ودائم الاستيلاء على أموالها . وهو ما يجيز لها أن تحتفظ لنفسها بنصيب من راتبها . والحال نفسها في حال إذا كانت الزوجة مسرفة ولا تحافظ على مال زوجها، ولا تحسب للأيام حساباً وتزيد من مطالبها تبعاً لزيادة راتب الزوج . هنا من حق الزوج أن يوقف تلك المهزلة ويخفي عنها ما يحفظ له بيته وماله .
وعن رأيها في مساعدة أحد الطرفين للأهل أو الأصدقاء سراً خوفاً من غضب الآخر تقول: لم الإخفاء ما دام ليس هناك شيء خطأ؟
يقول فهمي الجابري، مدير علاقات عامة بشركة خاصة، إن إخفاء ما يكسبه الزوج أو الزوجة عن الآخر، بمثابة فيروس قاتل يضرب في عمق الحياة الزوجية، وهو تكريس واضح لغياب الثقة التي يجب أن يتحلى بها الزوجان .
ويضيف: لا أعتقد أن إخفاء الزوج راتبه عن زوجته فكرة صائبة، لأنها ستقابل بالمثل من الزوجة، وندخل في صراع بين طرفين المفترض أن يكونا على قدر كبير من التوافق والتفاهم .
ويؤكد أن المصارحة والشفافية بين الزوجين من الأمور المهمة، وأنه حتى إن كانت الزوجة مسرفة أو مبذرة، فيجب على الزوج أن يجلس معها ويصارحها بحقيقة مخاوفه، وما يخطط لمستقبله ومستقبل أبنائه، وإن لم تقتنع فيمضي في مخططه بوضوح تام من دون إخفاء لراتبه، حتى يجبرها على السير معه في حياة مشتركة .
تقول تهاني عبد الرزاق، 54 عاماً، معلمة سابقة، إنها طوال فترة عملها لم يسألها زوجها عن راتبها على الإطلاق، وفي بداية كل شهر يحضر لها راتبه لتتولى الإنفاق على الأبناء وتدبير حال المنزل . ولشعورها بالمسؤولية كانت تضع راتبها كاملاً في المنزل من دون أن تحتفظ لنفسها منه شيئاً، فتدفع فواتير مرافق البيت، وأقساط مدارس الأبناء . ولا تسأل إن كان هذا من راتبها أو راتب الزوج .
وتتعجب عبد الرازق من الزوجات اللائي يخفين حقيقة راتبهن عن الزوج، وعدم مشاركته مسؤولية الإنفاق على البيت، وهي أمور وصفتها بالمتعة التي تشعر السيدة بقيمتها في بيت الزوجية .
وعلى العكس من قصتها مع زوجها، تروي تهاني قصة إحدى صديقاتها، التي يضطرها بخل زوجها إلى إخفاء جزء من راتبها، لصرفه على أبنائها واحتياجات المنزل، التي تراها ضرورية ويراها الزوج تافهة، مثل فاتورة الانترنت التي يحتاجها الأبناء في الدراسة، إضافة إلى بعض الإكسسوارات الشخصية المهمة للمرأة . وتضيف: رغم معارضتي لإخفاء الزوجين راتبه عن الآخر، إلا أنني في مثل هذه الظروف، أرحب وأنادي به .
زوجي يفرغ مخباه لي بداية كل شهر، هذا ما بدأت به أم مريم حديثها، وتقول: أنا متزوجة منذ 25 عاماً، وزوجي يأتيني بالراتب كاملاً لأتولى الإنفاق على البيت وملتزمات الأبناء . وهو ما اتفقنا وتعودنا عليه في بداية حياتنا الزوجية . ولأنه دائم السفر في عمله يترك لي مسؤولية البيت كاملاً، وهو ما يجعلني أفعل كل ما في وسعي لأكون جديرة به كزوجة، وعند حسن ثقته بي . وتضيف: لولا الثقة المتبادلة بيننا لما ترك لي بطاقته المصرفية ورقمها السري، لأتولى بنفسي سحب الراتب وتلبية احتياجات البيت .
وعن رأيها في الأزواج والزوجات الذين يخفون رواتبهم عن بعضهم البعض تقول: أرى أن السبب في ذلك هو سوء الاختيار من الأساس، فالمرأة الطماعة أو الزوج البخيل يكشف للطرف الآخر من الأيام الأولى للتعارف . حتى وإن تجمل أحد الطرفين على الطرف الآخر . فالسؤال عن الزوج والزوجة في أوساطه الاجتماعية يكشف المواقف والخصال .
يهدم الأسرة
يقول د . إبراهيم عبد العزيز اليوسف، الداعية والواعظ الديني، إن الحياة الزوجية تقوم أساساً على دعائم الثقة والسكينة والمودة والرحمة، إذ قال رب العالمين: ومِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً، وقد يحل الإسلام أن يخفي الإنسان رزقه عن عدو يتربص به أو خوفاً من السرقة أو الحسد وخلافه . لكن في مثل هذه الحالات وبرغم من عدم حرمة هذا الإخفاء شرعاً من قبل كل من الزوجين على الآخر . إلا أن العرف الاجتماعي مٌحكم ويرفض ذلك، لدواعي صلاح الأسرة واستقرارها .
وقد يجيز الشرع أن يخفي الزوج على زوجته حقيقة راتبه، في حال وجدها مسرفة ومبذرة، وهو ما يحرمه الإسلام وقال تعالى وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ، وقال جل ذكره: وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ . فإذا وجد الزوج زوجته تبعثر أمواله التي تعب وعرق في تحصيلها، يجوز له أن يخفي عنها حسابه البنكي، وأرقامه السرية وكل شيء بمقدوره أن يحفظ له ماله وقوت أبنائه . كما أنه يحق له إخفاء ماله وتجارته عن الزوجة، إذ وجدها تعطي أهلها من هذا المال من دون علمه .
إذا بخل الزوج على زوجته بالمال، يحق للزوجة أن تأخذ ما تيسر لها وفقاً لحاجتها . وخير دليل على ذلك أنه عندما ذهبت زوجة أبي سفيان تشكو بخله لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وطلبت الرخصة أن تأخذ قدرا من ماله من دون علمه، فأذن لها بما لا يزيد عن قدر حاجتها .
ويضيف: ما يحق للزوج يحق للزوجة أيضاً ولها أن تخفي راتبها وأموالها عن الزوج، إذا ثبت لها أنه طماع، مثل الأزواج الذين يقدمون على الزواج من زوجات ميسورات الحال، ويعيش حياته مبتزاً مستحلاً لهذا المال . وهو ما يحرمه الشرع لأن الأصل في قوامة الرجال على النساء بالإنفاق، وقال تعالى الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ .
وحول قضية إخفاء الزوج أو الزوجة للراتب، وإطلاع أحد أفراد الأسرة يقول اليوسف: الإنسان حر في ماله ويختار من يشاء ليخبره عن أسراره وما يدسه عن الناس، ويحق للإنسان أن يكتم ذهبه، أي ماله، وذهابه أي سفره، ومذهبه أي معتقده في حال حورب فيه ووجد في الإفصاح عنه خطر عليه .