ورث المسلمون تقنيات الري من الشعوب السابقة، وحافظوا عليها كما هي أو عدلوها وحسنوها وأنشأوا غيرها، يعود الفضل في التقدم الذي حققه المسلمون في الهندسة المدنية إلى تقدمهم في الرياضيات والعلوم الأخرى، وهو ما أدى إلى إحداث نقلة نوعية دائمة في علم المياه والآلات المستخدمة في بناء أجهزة الري، وهذا ما يحدثنا به محمد الكرخي (يسمى أحياناً الكرجي)، الرياضي المهندس من بغداد القرن الحادي عشر، في كتابه «أنباط المياه الخفية» الذي خصصه لموضوع إخراج المياه الدفينة إلى سطح الأرض، كما تطرق في هذا الكتاب إلى وصف أدوات المسح الطبوغرافي وأساليب كشف مصادر المياه والتعليمات المتعلقة بحفر قنوات مائية تحت الأرض.
كانت هذه المسالك المائية أو القنوات تحفر تحت الأرض لمنع ضياع الماء بالتبخر، وأقدم القنوات تلك التي كانت في مصر وبلاد فارس وبفضل تطور علم الفلاحة وبدء زراعة المزيد من المحاصيل غدا بناء القنوات ضرورة ملحة، خصوصاً في بيئة الشرق الأوسط الجافة، ثم وصلت إلى قرطبة في إسبانيا فوفرت الماء للمدن والمنازل.
في بلاد فارس وأفغانستان اليوم مئات بل آلاف من الآبار المرتبطة بهذه الأقنية الباطنية، وكانت تبنى لمواجهة الطمي والتكهف وانهيار الأسطح، كما كفلت تدفقاً مستمراً من الماء على طول مسافات كبيرة عبر الصحارى القاحلة والأراضي الجرداء إذ كانت تظهر القناة في بعض المناطق الصخرية الصلدة كجدول جارٍ يختفي لدى تغير جيولوجية الأرض، كان في صحارى الجزائر شبكة من الأقنية تحت الأرض تعرف باسم فجارات، واستخدم المزارعون هنا ساعات مائية لضبط حصة كل فرد في المنطقة، كانت تؤقت ليلاً ونهاراً كمية الماء المخصصة لكل مزرعة.
وما زالت الأقنية تؤثر في حياة المزارع في أجزاء من إيران على الرغم من وجود السدود الكهرمائية وأنظمة الري الحديثة، وما زال التزود بالموارد المائية الثمينة في شمال شرقي شيراز بواسطة آبار يصل الماء إليها عبر أقنية حفرت تحت الأرض.
وبسبب ندرة الماء في هذه البيئات الحارة الجافة، كان لا بد من ضبط الاستهلاك وتنظيمه كما هي الحال اليوم، ولعبت السلطات آنذاك دوراً حاسماً في هذا الصدد فأنجزت الدولة في العراق أعمالاً هيدروليكية ضخمة كالسدود، في حين ركز السكان المحليون جهودهم على أعمال أقل كلفة، فاعتمدوا على آلات رفع الماء من الأنهار والقنوات المحلية.
كانت إدارة مياه النيل في مصر حاسمة لكل مظاهر الحياة، وأكد كل من النويري والمقريزي، وهما مؤرخان مصريان عاشا في القرن الرابع عشر، دور السدود وصيانة المسالك المائية لنهر النيل، فأيام حكم الأيوبيين والممالك كانت عملية حفر الأقنية وتنظيفها وصيانة السدود تقع على عاتق السلاطين وملاك الأراضي الشاسعة، وجرى الأمر على غرار ذلك في العراق مثلاً إذ تكفلت السلطة المركزية بتوفير البنية التحتية وتركت للشعب رعاية المنشآت الصغرى، وكان الأمراء والموظفون المميزون من المهندسين المختصين يعينون للإشراف على مثل هذه الأعمال، حيث عرفوا بلقب «أسطى» ورئيس الأعمال، وكان في مصر في عهد المماليك موظف خاص يسمى «كاشف الجسور» يفتش عليها في كل إقليم من أقاليم مصر.
لم يكن ليسمح بهدر الماء بل تنظم استخدامه قوانين صارمة لمنع الهدر. وفي إسبانيا كان الماء ينقل من قناة إلى قناة ليستخدم أكثر من مرة، أما النزاعات المائية وخروقات قوانين الماء فكانت تفضها محاكم، قضاتها من مزارعين ذوي دراية، كانت تسمى محاكم الحياة تعقد أيام الخميس عند باب الجامع الرئيسي، وما زالت هذه المحاكم تعقد في مدينة بلنسيا بعد عشرة قرون، ولكنها الآن تعقد عند باب الكاتدرائية.
يشير ابن العوام أحد علماء الفلاحة في القرن الثاني عشر إلى تقنية الري بالتنقيط، يقول في «كتاب الفلاحة» إلى أن هذه التقنية تقتصد الماء وتمنع السقاية المفرطة لأي نوع من المزروعات، ومن الطرق التي وصفها طريقة الدفن الجزئي لآنية ملأى بالماء عند قاعدة الأشجار فيها ثقوب ذات أحجام محددة لضبط معدل تسرب الماء، وهذه التقنية تستخدم الآن على نطاق واسع في أنحاء العالم.
لم يكن يعيق المسلمين شيء عن استخراج الماء لوفرة المهندسين والميكانيكيين، وان كان مصدر الماء في مكان ضيق محشور، فإن استخدام الآلات المتقدمة كآلات رفع المياه والمضخات قد أحدث ثورة في المجتمع.