ميزانية الأسرة من الأمور المهمة لاستقرارها، لكنها تتحول أحياناً إلى الصراع بين الزوجين، خاصة عندما يرغب كل منهما في الاستحواذ على حق إدارتها ووضع أولويات الصرف، معتقداً أنه الأكثر كفاءة في الأمور المالية، ويتطور الأمر في بعض الأسر إلى تبادل الاتهامات بالتبذير والتخريب. في هذا الملف نتطرق إلى ميزانية الأسرة، ومن الأجدر بإدارتها الزوج أم الزوجة أم كلاهما معاً؟ وما هي أولويات الصرف التي تختلف من بيت إلى آخر، والأسباب التي يمكن أن تخرب هذه الميزانية وتدخل الأسرة في دوامة الأزمات المالية؟

أقساط القروض في المقدمة

"أولويات الإنفاق" قائمة لا غنى عنها

أولويات الإنفاق من ميزانية الأسرة تختلف من وقت لآخر، ومن مكان لآخر ووفق ظروف كل أسرة، فنجد أسرة تخطط ميزانيتها في أولوياتها واحتياجاتها الأساسية اليومية، وأحياناً يحتل التفكير في المستقبل والادخار بنداً أساسياً، وفي حالات أخرى نرى بعض الأسر تكون أولوياتها مجرد كماليات غير متوقعة، ولكنها جزء من منهج حياة اعتادته.

يتحدث نبيل مجدي، رئيس قسم الحاسب الألي بشركة الوطنية للتوريدات عن تطور الأولويات في حياة أسرته تبعاً للظروف المتعاقبة قائلاً: في البداية كانت أولوياتي كرب أسرة هي احتياجات بيتي وأطفالي وإعاشتهم وتوفير مبلغ للزمن، ومع الوقت أصبحت مصاريف الدراسة وأقساط المدارس لها الأولوية التي أعمل لها ألف حساب منذ بداية العام، وبعد تخرجهم والتحاقهم بالعمل لم يعد يشغلني سوى ابني الصغير وإكمال تعليمه، فأصبح البند الأول الذي نحرص عليه أنا وزوجتي هو إرسال المصروفات الشهرية لابننا الذي يدرس الآن في نيوزيلندا، وبعدها تأتي كل الأمور الأخرى بما فيها احتياجاتي ومصروفات معيشتنا.

وتتحدث منى أحمد ربة بيت عن أولويات ميزانيتها الشهرية قائلة: الاحتياجات الأساسية من الأولويات الشهرية في ميزانية كل بيت، ولكن بالنسبة لأسرتنا هناك أولوية تسبقها هي بند الأدوية لوالد زوجي الذي نقيم معه في منزله، فمصروفاته الشهرية ومصروفات علاجه من الأولويات التي نقتطع من راتب زوجي قبل أن نبدأ في عمل الميزانية وتقسيم الراتب على البنود الأخرى من احتياجاتنا.

سالم علي، موظف بشرطة الشارقة قال: أقساط القروض لأنها أولوية على أي بند آخر من الممكن تخفيضه، أو التحامل على أنفسنا كأسرة والتقليل من مصروفاتنا، ولكن التأخر في سداد القروض له عواقبه الوخيمة، لهذا أول ما نفكر فيه أول كل شهر هو تسديد القروض، ثم بعد ذلك تأتي باقي الأقساط، ونرتب أنفسنا على أن يكفينا المبلغ المتبقي للمعيشة خلال الشهر.

ويتحدث محمد أحمد، مدير محلات الثريا للبصريات عن أولويات ميزانيته التي يعتبرها محددة ولا تحتاج إلى طويل تفكير لوضعها قائلاً: الأولويات عندي معروفة ومحددة، وبمجرد استلام الراتب يتم تقسيمه على الأولويات الأساسية بدءاً ببترول السيارة لي ولزوجتي، ثم إيجار البيت والكهرباء وخلافه، ثم مصروفات المعيشة، والبند الأخير تقريباً يستهلك الجزء الأكبر من دخلنا ويبقى الجزء المحدد للادخار تحسباً للمستجدات الطارئة.

وتضع مريم عبدالله، موظفة في جهاز حماية المنشآت القروض وأقساطها في مقدمة قائمة أولوياتها قائلة: أقساط القروض هي البند الأول، ويأتي بعدها رواتب العمال والخدم بالبيت ثم المصروفات للحاجات الأساسية واحتياجات المنزل، ويأتي السفر والرفاهية في نهاية القائمة، خاصة بعد الارتفاع في الأسعار فإذا تبقى من الميزانية شيء يمكن أن أذهب مع أسرتي لرحلة ترفيهية بالخارج وإذا لم يتوفر نحمد الله لأننا وفينا بالتزاماتنا الأساسية.

والحال متشابه بالنسبة لأسرة طالب مسعود، سائق ببلدية الشارقة الذي يقول: الاحتياجات الأساسية بعد ارتفاع الأسعار أصبحت هي الأولوية لدي، فهمّي الأساسي مع بداية كل شهر تقسيم راتبي على احتياجات بيتي وأولادي الأساسية التي تكفي بالتدبير والتخطيط حتى نهاية الشهر.

وتلتقط زوجته منى محمد ربة بيت طرف الحديث قائلة: السفر لايزال من ضمن الأشياء التي أحاول باستمرار تجنيب جزء من دخلنا من أجله، لأننا عودنا أبناءنا على السفر كل عام خاصة في الإجازات الطويلة، ولهذا أحاول مع زوجي تدبير الأمور لإبقاء جزء لمصروفات الإجازة، فإذا نجحنا ولم تستجد أشياء طارئة تستنفذ الميزانية نسافر مع أولادنا في رحلة ترفيهية.

وعلى الرغم من أن ياسر مجدي، نائب مدير قسم الموارد البشرية بمكتب الإمارات للمقاولات لم يلتزم بعد بمصروفات أسرة، إلا أنه مقبل على حياة زوجية وتجهيز بيت، لهذا اختلفت أولوياته التي أصبح يضع ميزانيته الشهرية بناء عليها ويقول: ارتبطت بخطوبة العام الماضي، وأصبحت مطالباً بتجهيز بيت الزوجية لإتمام الزواج، وأصبح هذا الأمر من أولوياتي، وهو توفير تكاليف إعداد سكن الزوجية ومصروفات الزواج، وأصبح بند الترفيه الذي كان من أولوياتي.

وعلي عيسى تاجر وأسرته مثل أي أسرة ترتب أولوياتها في الميزانية بدءاً من الأهم فالمهم ويقول: أية أسرة لديها الاحتياجات الأساسية من الأكل والشرب والملابس وإيجار السكن وخلافه، وهذا هو أول شيء يجب توفيره، ولكن هناك التزامات أخرى لا تقل أهمية وتعتبر من الأولويات مثل أقساط القروض، فهي بطبيعتها تفرض نفسها على الميزانية كأولوية لا يمكن تجاهلها تحت أي ظرف. وتتفق معه زوجته منى إبراهيم ربة بيت قائلة: الأساسيات يجب توفيرها لأن البيت لا يستمر من دونها، ولكننا نضطر إلى التقليل من ميزانية هذه الأولويات من أجل التزامات أخرى نحن مطالبون بها مع قدوم كل شهر مثل الأقساط وخلافه.

وسمية عبدالمنعم قالت: التجارب السابقة علمتني أعطاء أولوية للطوارئ، وأن أكون جاهزة لها فقد كان كل همنا أنا وزوجي أن يكفي دخلنا حاجاتنا الأساسية ويسمح بوجود بعض الكماليات.

أولويات برجوازية

من الأسر من يضع في رأس قائمة أولوياتها أموراً كمالية ومسائل ترفيهية، لكنها مع التعود صارت من الضروريات التي لا يمكن الاستغناء عنها، كما في حالة أسرة محمد سليمان الذي يقول: نحن نسافر مرتين في العام، وأحيانا إذا سمحت الظروف تصبح ثلاثاً، ولكننا لا نتنازل بأي شكل من الأشكال عن السفر في إجازة نصف العام والإجازة الصيفية إذ أصطحب زوجتى وأولادي لرحلة بالخارج، وهذا أمر نعد له مسبقاً لتكون ميزانية السفر جاهزة في وقتها وحدث في إحدى السنوات أن هذه الميزانية اضطررنا إلى إنفاقها في ضروريات، ولم أجد أمامي وسيلة سوى الاقتراض للسفر وتسديد الأقساط في ما بعد، فهذا الأمر مهم جداً لأسرتي وأعتبر نفسي مسؤولاً عنه لأنني أنا من عودتهم عليه وأصبح من أولوياتنا كأسرة.

سالمة الجابر تتحدث عن أولوية تضعها في عين الاعتبار هي و زوجها قائلة: اعتدنا على تجديد أثاث بيتنا بالكامل وعمل إصلاحات شاملة منذ زواجنا وهذا أمر لا نتخلى عنه ونضع له ميزانية سنوية تزيد مع زيادة الأسعار، وهذا الأمر يتفق معي زوجي فيه ومن الأمور المهمة جداً في الميزانية السنوية ولها أولوية حتى أكثر من رفاهيتنا الخاصة، فنحن نفضل أن نضع المبلغ في تجديد بيتنا عن أي أمر آخر، وهي عادة تعودنا عليها ولم نتخل عنها منذ سبع سنوات.

المستجدات الطارئة تلتهم الراتب

تضع الأسرة الميزانية ثم تتجاوزها بسبب تعدد أبواب الإنفاق التي لم تكن في الحسبان. هذه المستجدات قد تكون أحياناً مجرد ظرف طارئ، وأحيانا تكون لمبالغة أحد أفراد الأسرة في متطلباته، ضارباً بعرض الحائط مبدأ الميزانية لا تسمح.

حول الطوارئ التي تربك الميزانية استطلعنا آراء البعض.

حسن سلامة مدير مشروعات في شركة أطلس للتطوير المعماري قال: كل بيت معرض لمستجدات طارئة تخرب الميزانية وتدفع رب الأسرة لتجاوزها، سواء كانت ميزانية الشهر أو حتى الميزانية السنوية التي تكون محملة بالكثير من الالتزامات، وهذا أمر شبه اعتيادي عندى شخصياً، فأنا أحدد مبلغاً معيناً لمصروف الشهر، ثم أفاجأ ببند صرف لم أضع له أي حساب كعطل مفاجئ لأحد الأجهزة في البيت مثلاً، أو مرض أحد الأولاد فأضطر للخروج عن إطار الميزانية لمواجهة الطارئ الجديد.

أما حسن حسين صاحب شركة حسين موسى للإضاءة فقال: أي ميزانية على وجه الأرض معرضة للتقلب حتى ميزانيات الدول، فما بالك بميزانية البيت، وأعتبر نفسي أحد الموعودين بهذه المسألة، فكل شهر تقريباً يجد جديد ومفاجئ ينسف الميزانية التي وضعتها، آخرها على سبيل المثال الشهر الماضي تعرضت سيارة ابنتي لحادث كلفني فوق الميزانية ثلاثة أضعافها لإصلاحها، ومثل هذه المواقف متنوعة وتجعل الالتزام بميزانية معينة كل شهر مسألة تشبه الحلم بعيد المنال.

رضا الجوهري مندوب مبيعات في شركة للأجهزة الكهربائية تحدث عن بنود تخريب الميزانية التي لا تنتهي قائلاً: هناك أشياء متكررة وتحدث شهرياً مثل مشتريات إضافية لزوجتي أو زميل يطلب مبلغاً من المال، أو زيارة مفاجأة تستلزم دعوة على الغداء أو العشاء أو عيد ميلاد صديق وغيرها الكثير، ولكن ما أحاوله هو ألا أبتعد عن حدود الميزانية كثيراً، ولا أتخطاها بمبلغ كبير، ولكن لا أذكر أنني وضعت ميزانية ووجدت في نهاية الشهر أنني التزمت بها تماماً. وتكمل زوجته عبير عزام قائلة: البيت نفسه تحدث فيه أمور طارئة تجور على الميزانية، كشيء ضروري يستجد فجأة أو عطل في أحد الأجهزة، وكلها أمور مستجدة، ولكنها متكررة وشبه شهرية وترفع الحد الأقصى للميزانية في الغالب.

وإذا كان الطارئ الذي يجد على الميزانية يكون خارجاً على الإرادة فإنه في حالة خالد سيف يرجع لطلبات أحد أفراد الأسرة، وعن المستجدات المتعمدة التي تسبب خللا في الميزانية وأي أفراد الأسرة عادة يكون أكثر تسبباً في حدوثها يجيب: زوجتي طبعاً وهي بارعة في فتح بنود شهرية تجعل الميزانية في خبر كان، فمرة عيد ميلاد ابنة صديقتها وطبعاً يجب إحضار الهدية، ومرة أخرى قطعة الذهب التي اشترتها قريبتها وأعجبتها، أو تغيير التلفزيون بشاشة بلازما جديدة، وغيرها عشرات المتطلبات، وهذه البنود المفاجئة لم أعد أعتبرها مستجدات طارئة، ولكنها مستجدات أصبحت اعتيادية بالنسبة لي، فتركت موضوع وضع الميزانية هذا وأتبع الآن مبدأ الصرف حتى ينتهي الراتب.

مازالت أصابع الاتهام تشير إلى الزوجات، وهذا ما يؤكده عادل شفيق قائلاً: استطعت تحديد مبلغ لأغلب الالتزامات في الميزانية، إلا اشتراك الهاتف المحمول لزوجتي لم أستطع أن أضع له ميزانية محددة أبداً، فقد تأتي بفاتورة في شهر بمبلغ وفي الشهر التالي بالضعف، وحواراتنا لا تتوقف عند هذا الأمر وهي تسوق الأعذار برغبتها في التواصل مع أهلها باستمرار، ورغم تعاطفي إلا أن اشتراك المحمول أصبح بنداً مزعجاً بالنسبة لي، لأنني لا أستطيع أن أحكمه كبند في الميزانية، لهذا أضع ميزانية مفتوحة وفي نهاية الشهر فقط أستطيع أن أحدد قدرها.

وكما يتهم البعض الزوجات بأنهن السبب في إرباك ميزانية البيت فالعكس يحدث أحيانا كما تقول ميرا حسني، موظفة في بنك أبوظبي التجاري التي تشير إلى زوجها على أنه أحد أسباب تخريب الميزانية قائلة: زوجي من هواة الخروج المستمر، غير أنه لديه عادات لم يتخل عنها، ولم استطع أن أقنعه حتى الآن بضرورة الالتزام بميزانية محددة كل شهر، خاصة أنه هو من يدير الميزانية بنفسه وأجده كثيراً عائداً للبيت ومعه وجبات جاهزة قام بشرائها للغداء أو للعشاء رغم أنني أكون بالفعل قمت بطهي الطعام في البيت، وأجد في هذا إسرافاً وزيادة في المصاريف بلا داعي. وفي لهجة إقرار بالذنب يتحدث زوجها محمد نمر الموظف في شرطة أبوظبي قائلاً: بالفعل هذه إحدى عاداتي، وأنا في الحقيقة لم أنجح حتى الآن في وضع ميزانية شهرية محددة ليس لهذا السبب فقط، ولكن لأسباب أخرى تجعل الاعتماد على ميزانية ثابتة أمراً صعباً، فالسيارة مثلاً باب مفتوح لزيادة المصروفات إذا تعطل فجاة وتحتاج إلى إصلاح، وغيرها من الأشياء الطارئة.

وإذا كانت الميزانية تختل أحياناً بسبب أحد الزوجين فإن الطامة الكبرى تكون عندما يتفقان معاً على مبدأ الإسراف فلا يوقف أحدهما من اندفاعات الآخر الإسرافية.

كان كما في حالة يوسف عبدالقادر المحاسب في بنك دبي الإسلامي الذي يقول: أنا بطبيعتي مسرف وكنت أطمح عندما أتزوج أن تكون زوجتي صاحبة الفضل في ترويض هذه العادة، ولكن للأسف هي أكثر مني إسرافاً، وعندما نخرج معاً للتسوق نتسابق في الشراء، وفي إحدى المرات قررنا عمل قائمة بمشترياتنا، ولكننا لم نلتزم بها فعندما نرى المعروضات ننسى معها الميزانية التي لا تمثل في حياتنا أمراً واقعاً على الإطلاق، فنحن نسمع عنها فقط، ولكننا لم نطبقها يوماً.

والأمر لا يتوقف عند الزوج أو الزوجة، فهناك طرف ثالث يلعب دوراً ليس باليسير في أغلب حالات نسف الميزانية وهم الأبناء، يقول سليمان عبدالسميع تاجر: لدي ولدان وبنت وطلباتهم بئر لا ينضب فهم بارعون في ابتكار الاحتياجات وإقناعي بأنها ضرورية، والقائمة طويلة بدءاً من بند الملابس. وكأب بدافع الأبوة والعاطفة ألبي طلباتهم لأنني أقدر أنهم شباب ويحبون أن يكونوا مثل زملائهم وطبعا تخرب الميزانية.

ويتحدث د. علي سليمان أستاذ علم الاجتماع عن ثقافة الإنفاق ومبدأ الشفافية بين أفراد الأسرة كعامل أساسي في مواجهة المستجدات الطارئة لضبط الميزانية قائلاً: هذه المشكلات المالية موجودة بشكل عام في كثير من البيوت، لكن لو بحثنا لوجدنا أن أغلب البنود التي تفتح للخروج عن الميزانية هي في الكماليات التي يفوق الصرف عليها أحياناً ما نصرفه في شراء الضروريات، وهذا راجع للمستجدات العصرية في أساليب الحياة والرفاهية الزائدة التي اعتادها أفراد الأسرة، فهناك أسر اليوم تقوم بالاقتراض من البنوك وتشتري الكثير من الكماليات عن طريق الديون والأقساط، كما انتشر اليوم السفر في الصيف عن طريق القروض مع تزايد هوس الشراء والامتلاك الذي يسود بالتدريج فيسيطر على الأزواج والزوجات، والموضوع نفسه يتكرر مع الأبناء.

والأسرة التي ترغب في تجنب الأعباء الزائدة يكون الأهل فيها قدوة للأبناء في هذا الشأن في عاداتهم الشرائية، ويحرصون على تعويد أبنائهم على حدود في الإنفاق منذ صغرهم، ويُحدد لكل ابن مبلغ كل شهر لا يزيد عليه في طلباته، ومن المهم اتباع مبدأ الشفافية في دخل الأسرة فيجب أن يكون الأبناء على علم به.

إدارتها فن يتقنه البعض

مسؤولية تقبل القسمة على اثنين

عندما تتحول ميزانية الأسرة إلى صراع بين الزوجين فهذا أول المؤشرات على فشلها، وهنا يثار تساؤل أي الزوجين أكثر حكمة في وضع ميزانية البيت وإدارتها، هل هو الزوج بحكم كونه المسؤول الأول مادياً عن الأسرة، أم الزوجة بحكم معرفتها باحتياجات البيت، أم أن المشاركة بينهما هي النموذج المثالي؟

يتحدث طارق شافعي، مهندس كهرباء بشركة نيوأنلسز للصناعة، مشيراً إلى حياته الشخصية كنموذج يراه الأفضل من وجهة نظره، قائلاً: ضبط ميزانية الأسرة هذه الأيام ليست أمراً سهلاً ويحتاج إلى حكمة وتخطيط خصوصاً مع ارتفاع الأسعار في مختلف نواحي الحياة، بدءاً من إيجار السكن لأسعار السلع والخدمات، والأمر يحتاج إلى تعاون ومشاركة في تدبيرها ولكن كل في حدود اختصاصه ففي رأيي تقسيم الاختصاصات مطلوب، وهذا هو ما أفعله كرب أسرة فأترك أمر وضع قائمة الاحتياجات الأساسية للبيت لزوجتي، لأنها بحكم كونها ربة البيت تعرف مستلزمات الأولاد أكثر، وبعد وضع القائمة بمعرفتها أنزل معها لشراء المطلوب، وأحياناً عندما أراجع القائمة أجد أن بعض الأشياء يمكن الاستغناء عنها في هذه الحالة أسألها وإما أن تقنعني هي بأهميتها فنشتريها أو أقنعها بعدم جدواها فنلغيها، أما الالتزامات السنوية المعروفة والمحددة كأقساط مدارس الأولاد والسيارة والإيجار فهي معروفة ولا تحتاج لتدبير، ولكن نحتاج لترتيب ميزانيتنا طوال السنة حتى نوفرها كي لا نواجه مشكلة في الوفاء بها.

قائد ومستشار

حنان جاد، صيدلانية بشركة لاب يوميدسين للمنتجات الصحية والدوائية، تؤكد أن المرأة الأجدر على إدارة مصروف البيت، وأن دورها يجب أن يكون رئيساً لعدة اعتبارات قائلة: المرأة بحكم أنها ست البيت تعرف عنه كل التفاصيل والاحتياجات، لذا من الأفضل أن تكون الميزانية الشهرية في يديها وتديرها وتتصرف فيها لتغطي كل الاحتياجات، وهذا هو ما أطبقه في حياتي بالاتفاق مع زوجي فقد حددنا المبلغ الشهري المخصص للمصروفات ويكون في حوزتي من أول الشهر، فهو لا يتدخل في الجزء الخاص بالمشتريات اللازمة للبيت بشكل يومي، ولكن هناك شؤوناً أخرى يكون هو فيها القائد وأنا المستشار، وذلك عندما يتطلب الأمر شراء شيء مهم ومكلف مثل تغيير السيارة مثلاً أو الاقتراض من البنك وزيادة الأقساط، أو إجراء تجديدات في المنزل فهو الذي يحدد الوقت المناسب لها عندما يكون بند الصرف متاحاً.

أحلام ترمانيني، مديرة تسويق سابقاً وربة بيت، تقول: تولي مسؤولية الميزانية يكون حسب الاتفاق، فطبيعي أنه لايجب ترك الميزانية عشوائية ولكن لا بد من نظام معين يسير عليه البيت، وعن نفسي أفضل أن يقوم زوجي بتحمل عبء الميزانية فيكون هو القائد، لأنه من واقع خبرتي وجدت أن الرجل أكثر عقلانية، وهذا لا يقلل من شأن الزوجة ودورها في البيت، ولكنه تقسيم للأدوار، والرجل رؤيته أوضح على المدى البعيد، فالمرأة عادة تنظر في احتياجاتها الوقتية، وعلى الزوج أن يسيطر على هذه المسألة ليوازن بين الأمور ويعمل حساباً للمستقبل.

أما زوجها حسام حريري، مهندس مشاريع بشركة تشالنغ لمواد البناء، فقال: نحن مقتنعان أن المرأة عاطفية في قرارات الشراء، والمسائل المالية، والرجل أكثر عقلانية في الموازنة بين المتطلبات الحالية وعلى المدى البعيد، وفي الوقت نفسه تحكمي في الميزانية يحميها من الاستغلال، ولكن هناك أمور هي أجدر مني فيها فمثلاً عندما أشتري شيئاً أنظر لفخامته وشكله، ولكن هي تنظر للشيء الذي ينفعنا ويناسب بيتنا وهي بارعة في هذا الجانب لأنها أدرى بأحوال البيت واحتياجاته أكثر مني من دون شك ولهذا فالمسألة مشاركة بيننا.

سحب الثقة

سهاد محمود، ربة بيت، تعبر عن رأيها قائلة: المرأة هي الأجدر بإدارة الميزانية لأنها أكثر دراية باحتياجات البيت والأسرة، ويفضل أن يكون مصروف البيت معها تدبره بالشكل المناسب لتوفير احتياجات بيتها، والمرأة لديها هذه المهارة وأثبتت أنها جديرة بها، وفي أغلب بيوتنا مصروف الشهر يكون مع الزوجة والأمور تسير على خير وجه وأنا أتكلم عن الأغلبية، ولكن إذا كانت الزوجة مبذرة مثلاً ولا تجيد ضبط الميزانية حسب إمكانات الزوج فمن حقه أن يسحب الثقة منها.

توافقها الرأي والدتها هادي موسى التي تحدثت عن المرأة اليوم وأمس والفرق بينهما وأيهما نجحت أكثر بإدارة ميزانية الأسرة قائلة: الزوجة اليوم أكثر كفاءة ومقدرة في هذا الجانب لأنه في الماضي كانت هذه المسائل بطبيعة الحال في يد الرجل، فهو الذي ينفق على البيت وفقاً لما يراه، وكل دور المرأة أن تطلب وهو يلبي ما يجده ضرورياً، ونادراً ما كانت ميزانية الشهر كله توضع في يد الزوجة، لأن المرأة لم يكن لديها الدراية والثقافة الحالية في الإدارة المالية، صحيح أنها كانت تجيد إدارة شؤون بيتها بالفطرة، لأنها كانت ترضى بأقل القليل وتدبر حالها، ولكنها لم تكن مثل الجيل الحالي واعية، خاصة مع تطور الحياة وبعد أن تعلمت وأصبحت أكثر كفاءة في إدارة شؤون بيتها المالية، إضافة إلى أنها خرجت للعمل، وأصبحت تعرف قيمة المال وجديرة بهذا الدور.

زوجة عاقلة

ناصر عبدالتواب، مدرس لغة عربية، أكد أن خير الأمور الوسط قائلاً: أفضل المشاركة في تحمل المسؤولية، فأنا وزوجتي نتشارك في تدبير الميزانية والأمر شورى بيننا سواء في تحديد المبلغ الشهري أو في زيادته حسب التغيرات في الأسعار والاحتياجات، ومن واقع تجربتي المرأة لديها حكمة وتدبير في شؤون البيت وميزانيته، ولكن إذا كانت حكيمة مثل زوجتي فهي التي تمنعني من التذبير أو الصرف على أشياء يمكن الاستغناء عنها، لهذا أعتمد عليها في جزء كبير من إدارة الميزانية وأخذ رأيها، ولكن أسمع أن هناك زوجات ليست لديهن هذه الحكمة، فالزوجة التي ترغب في كل شيء ولا ترضيها أي ميزانية في هذه الحالة يجب أن يكون الرجل هو المتحكم في الميزانية حتى لا تغرق المركب بمن فيها.

وفيما يشبه الرد على وجهة النظر المؤيدة لحكمة الزوجات في إدارة الميزانية يقول مسلم عمير، موظف بشرطة الشارقة، ليست كل الزوجات حكيمات ومدبرات، فالبعض منهن يملن للمظاهر والتقليد، والمرأة عادة مسرفة وإذا لم يقف الزوج أمام هذه العادة وترك لها الميزانية من دون محاسبة فغالباً ما سوف تزيد عليه النفقات في أشياء مثل الملابس والعطور وصالونات التزيين، وأنا لست ضد هذا إن كان بحدود ولكن هناك زوجات لا يستطعن وضع حدود، لذا فوجود الميزانية في حوزتهن إسراف ويفضل أن يكون الرجل هو المتحكم في الصرف ليقيم أهمية الشيء الذي تطلبه الزوجة قبل الشراء.

ماكينة أموال

وفيق السعدي، محلل مالي بشركة الرائدة للأوراق المالية، قال: مشاركة الزوج في إدارة ميزانية البيت أمر ضروري، أولاً لأنه لا يمكن تحجيم دور الرجل في بيته على أنه مجرد ماكينة لسحب الأموال ولا يشارك في طريقة صرفها، وأنا لست مع أن يسلم الزوج كل دخله لزوجته ويأخذ منها مصروفه كما يفعل البعض، فهذا الأمر غير مستساغ عندي ليس فقط للعوامل المعنوية ولكن حتى الأسباب المادية والمصلحة تحتم أن يكون للرجل دور أكبر في إدارة ميزانية بيته والاطلاع على طريقة الصرف فيها وإبداء رأيه في ما هو مهم وغير مهم، ولهذا أفضل أن تكون ميزانية بيتي معي وتشاركني زوجتي في إدارتها.

وعلى العكس لا يجد عمر أمين حرجاً في أن يقول: زوجتي أكثر حكمة مني في إدارة الميزانية ويضيف: المرأة بصراحة أبرع في إدارة شؤون البيت وتدبير المصاريف، وهذا عن تجربة فزوجتي تدير الميزانية منذ زواجنا بنجاح، ولهذا أعطيها مصروف البيت كل أول شهر وهي صاحبة التصرف وحتى الآن ليس هناك مشكلات، وبصراحة هذه راحة للرجل.

السؤال الذي يطرح نفسه: هل يرى البعض أن ترك مصروف البيت للزوجة يقلل من شأن الرجل؟

علي غانم اختصاصي تحاليل بمركز السيوف الطبي، يجيب قائلاً: ليس للأمر علاقة بقدر الرجل أو مكانته في بيته، وأرى أن الأكثر حكمة ومقدرة على التدبير هو من يدير الميزانية سواء كان الزوج أو الزوجة، وهذا لمصلحة الأسرة كلها، والأفضل أن تكون هناك مشاركة وهذا هو النظام الذي أتبعه مع زوجتي، فنحن نتشارك كل كبيرة وصغيرة في مصروفات البيت.

ماهر عيسى، مشرف اجتماعي بمعهد الناصرية، قال: زوجتي هي من تدير الميزانية، وذلك بعد أن رفعت أنا الراية البيضاء بعد بضعة أشهر من زواجنا جربت خلالها أن تكون ميزانية البيت في يدي، فإذا بها تنفذ قبل نهاية الشهر وأضطر لزيادتها، والحقيقة بعد أن تسلمتها زوجتي وجدتها أبرع مني في هذا الأمر، يكفي أنها تجعل المبلغ المخصص لمصروف الشهر يكفي حتى نهايته، لأنها تقسم الميزانية على الشهر ولا نحتاج لزيادتها إلا لأمور استثنائية أحياناً.

وتقول نادية طاهر، مدرسة رياضيات بمدرسة أم العرب الثانوية للبنات، زوجي عرض عليّ أن يكون مصروف البيت الشهري في يدي وأدير الميزانية كما أشاء، ولكني فضلت أن يكون المصروف معه وأحدد أنا المطلوب، لأنني فكرت أنه مع تزايد الأسعار المتلاحق ومطالب الأولاد التي لا تنتهي، أن الميزانية سوف تختل وساعتها إذا نفذت قبل انتهاء الشهر أو طلبت منه زيادة يتهمني بالإسراف، وبصراحة هذا الوضع يريحني، كما أنه يحجم من طلبات الأولاد لأنهم إذا عرفوا أن الميزانية معي سوف تزيد طلباتهم.

وعن تأثير عمل المرأة في هذا الجانب ووجود دخل خاص بها، وهل يلعب دوراً في تحديد الاختصاصات في ميزانية الأسرة تقول ثناء رابح مديرة إدارة بشركة القطبين للتجارة: أعتقد أنه يلعب دوراً في شخصية الزوجة نفسها، فالعمل يغير طريقة تفكيرها نحو المادة، ويجعلها أكثر عملية وتقديراً لظروف زوجها ودخله، وكوني امرأة عاملة جعلني إيجابية في المشاركة، خاصة أنني أشارك في مصروف البيت بجزء من راتبي، ومن الطبيعي أن أشارك في إدارة الميزانية مع زوجي بصرف النظر عن من يتولى هذه المسؤولية سواء أنا أم هو، فنحن أسرة واحدة والمصلحة مشتركة.

ود. حميدة خلف أستاذة الاقتصاد المنزلي تحدثت عن فكرة إدارة الميزانية من منطلق المشاركة قائلة: البيت مؤسسة صغيرة لها جانب مالي هو إدارة دخل الأسرة، وهذا يحتاج أن يكون لدى كلا الزوجين ثقافة الإنفاق حتى يستطيعا معا أن يتفقا على أسلوب معتدل ووضع ميزانية تناسب دخل الأسرة، والمشاركة بين الزوجين في هذا الأمر من الأشياء الإيجابية، فيجب أن يكون كلاهما على علم بطريقة الصرف حتى يتعاونا على الموازنة بين دخل الأسرة والمصروفات ليستقر وضع الأسرة المالي ولا تتعرض للأزمات المادية، وليس مطلوباً انفراد أحدهما بالميزانية وعزل الآخر عنها لأنهم أسرة تعيش في بيت واحد والمصلحة مشتركة وحتى لو كانت الميزانية تحت حوزة الرجل فهو في النهاية لن يستطيع إدارة البيت وحده وسيحتاج للزوجة لتحديد احتياجات الأسرة والتعاون معه على تنظيم المصروفات، وبالتالي فالمشاركة أمر مفروض وفي مجتمعنا بالذات المرأة أثبتت كفاءة في هذا الجانب، وأنها جديرة بمسؤولية إدارة ميزانية بيتها أي كان مستوى ثقافتها، فهي تفعل هذا بالفطرة.