لم ينس ابراهيم ابنه، بل كان يفد اليه لماماً، ويزوره غبا، ليطمئن على حاله، ويقر عيناً بمرآه. فلما شب وأطاق السعي والعمل، رأى ابراهيم في نومه أنه يؤمر بذبح ولده ورؤيا الانبياء حق، واحلامهم صدق.

فتنة إثر فتنة، ومحنة تتلوها محنة: شيخ هرم، جالد الأيام، وعرك الدهر، واحنته السنون، قد كان طوال حياته يأمل الولد، حق إذا بلغ من الكبر عتياً، رزقه الله بغلام وحيد، قرت به عينه، واشرقت له نفسه، ثم أمر بأن يسكنه بوادٍ غير ذي زرع، ويتركه وأمه في مكان قفر، ليس به حسيس ولا أنيس. وامتثل لأمر الله، وتركهما هناك ثقة بالله، وايماناً به، واطاعة لأمره فجعل الله لهما من ضيقهما فرجاً ومخرجاً، ورزقهما من حيث لا يحتسبان، ثم يؤمر بذبح الولد العزيز، الذي هو بكره ووحيده، ان هذه لمحنة تنوء بها الجبال الراسيات، ولكن العظائم كفؤها العظماء، فعلى قدر ابراهيم، وعلو منزلته، وعلى مقدار ثبات يقينه، وكمال ايمانه يكون ابتلاؤه واختياره.

استجاب لربه، وامتثل لأمره، وسارع الى طاعته، وارتحل حتى لقي ابنه، ولم يلبث ان القى اليه بتلك الرغبة التي تدك الجبال، وتنتزع القلوب من الصدور فقال: يا بني: إني أرى في المنام أني اذبحك، فانظر ماذا ترى؟ عرض عليه الأمر: ليكون ذلك اطيب لقلبه، واهون عليه من أن يأخذه قسراً، وبذبحه قهراً.

فبادر الغلام بالطاعة، واسرع الى الاجابة، فقال: يا أبت افعل ما تؤمر، ستجدني ان شاء الله من الصابرين.

بر عظيم، وتوفيق من الله اعظم، وايمان وثيق، ونفس راضية بما أراد الله وقدر.

ثم أراد ان يخفف عن ابيه لوعة الثكل، ويرشده الى اقرب السبل الى قصده، فقال: يا أبت، اشدد وثاقي، واحكم رباطي حتى لا اضطرب، واكشف عني ثيابي، حتى لا ينتضح عليها شيء من دمي، فينقص اجري، وتراه امي، فيشتد حزنها، واشحذ شفرتك، واسرع امرارها على حلقي ليكون اهون علي، فإن الموت شديد، ووقعه أليم، واقرأ على أمي السلام. وان اردت ان ترد قميصي عليها فافعل، فإن ذلك فيه تسرية لهمها وسلوة لها في مصابها، وهو ذكرى لوليدها، تشتم منه عبيره وتتنسم فيه اريجه، وتعود اليه حين تبحث حولها فلا تجدني، وتفتش عني فلا تراني.

قال ابراهيم: نعم العون أنت يا بني على أمر الله، ثم ضمه الى صدره، واخذه يقبله، وتباكيا وانتحبا.

ثم اسلم ابراهيم ابنه، فصرعه على شقه، وأوثقه بكنافه، وامسك السكين واخذ يصوب النظر اليه مرة، ويحدق في ابنه مرة أخرى، ثم تدفقت عبراته، وتتابعت زفراته رحمة به، واشفاقاً عليه. وأخيراً وضع السكين على حلقه، وأمرها فوق عنقه، ولكنها لم تقطع، لأن قدرة الله قد ثلمت حدها، وفلت من غربها.

من كتاب قصص القرآن

للمرحوم محمد أحمد جاد المولى