شد الرحال بحثاً عن فرصة عمل وحياة كريمة، ولم يبلغ من العمر اثنتي عشرة سنة، حتى اعتمد على نفسه، واشتد ساعده وبلغ مبلغ الرجال، وعمل وكد ليوفر لنفسه وأسرته ما يسد حاجتهم . حط الرحال بأسرته في دبي ومنها إلى العين ومنها إلى أبوظبي، ولم يخطر في بال إسماعيل البلوشي أنه على موعد مع التاريخ، إذ أصبح مقهوي المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه مؤسس دولة الإمارات العربية المتحدة، ومن خلال عمله وقربه من المؤسس أصبح شاهداً على العصر، وشهد الكثير من الأحداث ووقف على الكثير من الأمور التي غابت عن غيره، وأصبح ناقلاً حياً لسيرة تلك الشخصية العظيمة وراوياً لأجزاء من سيرة قائد، وكاتباً لصفحات من كتاب تاريخ المؤسس وهذه الدولة التي أسسها لتبقى شامخة مدى الأيام .

أنا إسماعيل بن كريم بن بادي البلوشي قدمت من منطقة مكران في بلوشستان وعندما ساءت أحوال المنطقة هناك، قال الناس: يا الله تحركوا . . توجد هناك منطقة فيها خير وفيها فرص الحياة والعمل الممتاز وهي أبوظبي ودبي . فكنت ممن جاء من تلك المنطقة وكان عمري حوالي اثني عشرة سنة، وتركت والدي هناك وجئت بحثاً عن فرصة عمل مناسبة تعيلني وتعيل والدي، وركبنا في لنج (سفينة) من بندر عباس إلى دبي، ودفعنا عشرة روبيات نول (أجرة)، ووصلنا ونزلت في فندق قادر بديرة، وبت ليلتي هناك وفي الصباح توجهت إلى البريمي ومنها إلى مدينة العين، وجلست قرب مسجد غريب، وفور وصولي العين توجهت إلى قصر الشيخ خالد بن سلطان آل نهيان رحمه الله في المويجعي في شارع البصرة، لأنني سمعت أن لديه الكثير من فرص العمل، وعملت مقهوي عنده، وكان عنده الكثير من الخدم وكان عنده خادم يقال له عتوق، فقال له الشيخ: عتوق علّم الصبي يسوي القهوة، وعلمني عتوق صنع وتحضير القهوة، وكيف تحمس القهوة وكيف تقليها على حطب غاف أو سمر أو أرطا، وأحياناً على فحم نشتريه من دكاكين الإيرانيين بسوق العين، ومن ثم نضع القناد في القهوة .

مدينة العين

لم يكن في العين أي شوارع، وكانت المنطقة كلها رمالاً حيث يوجد حالياً دوار الساعة ومسجد الزرعوني، وكنت أسير مشياً على الأقدام من مسجد غريب حيث أسكن إلى قصر الشيخ، وكذلك من قصر الشيخ إلى السوق، وكانت توجد سيارات جيب للتوصيل ولكننا كنا نخاف ركوبها، خشيت أن تنقلب أو تصطدم بشيء فنصاب أو نموت، وكان السوق عبارة عن كبره (حجر من الخشب)، أكثر تجاره من العجم، أذكر من تجار السوق وأصحاب الدكاكين رجلاً يسمى عبدالخالق، وابن عبود عمل في بلدية العين لاحقاً، ويحيى، وكانوا يبيعون مختلف البضائع من مواد غذائية ومواد استهلاكية يحتاج إليه الناس في معيشتهم وبعض الأدوات البسيطة، وكان عبدالحسين خنجي والد عبدالغفور يبيع المواد الغذائية، وكنا نشتري جونية (شوال) القهوة ذات العشرين كيلوغرام بسبع روبيات وعشر روبيات، وكانت هناك جوتني فيها عشرون كيلوغراماً وجواني فيها أربعون كيلوغراماً، وكانت جونية العيش (الأرز) ذات تسعين كيلوغراماً بخمس عشرة روبية، وتأكل منها طوال أيام السنة، وكان إدامنا اللحم، وكانت الأغنام رخيصة وكان الشيخ خالد يشتريها بالجملة وكنا نذبح منها للإدام، ولم تكن تأتينا الأسماك وكذلك الدجاج كان بأعداد قليلة، وكانت تأتينا الأسماك المجففة والمملحة، وكانت البضائع في تلك الأيام رخيصة، وأذكر أنني اشتريت أول وصولي إلى العين كندورة (ثوب) وسفرة (الشماغ) ودوشق (الفراش) وشادر (اللحاف) ونعال بعشر روبيات، حيث قال لي: باثنتي عشرة روبية فقلت له: غالي فقال لي: ادفع عشر روبيات فدفعتها .

العقابية

كانت توجد عند الشيخ خالد في مدينة العين منطقة شاسعة وواسعة تسمى العقابية، وكان فيها أكثر من ثمانين مزرعة نخيل فيها أنواع النخيل المختلفة، التي كانت تزود الشيخ وأهله بما يحتاجون إليه من رطب وتمر طوال أيام السنة، وأذكر أنني كنت راكباً مع الشيخ خالد في سيارته ولم يكن عليها أرقام، ووجدنا شرطياً دخل منطقة العقابية، فقال لي الشيخ خالد: انزل وأخبره بأن هذه المنطقة تخص الشيخ خالد بن سلطان فلا يدخلها مرة أخرى، فذهبت وأخبرته فقال: إن شاء الله، ورحل، وكنا نخرف من هذه النخيل ونحضره للقصر، ولم يكن أيامها لدينا ثلاجات لحفظ الرطب، وكنا نضع الماء في الكوز (آنية فخارية) ونلف عليها جواني ونرشها بالماء لتبرد الماء الذي فيه ومن ثم نشربه بارداً، وكنا نحضر المياه للقصر من الفلج وكنا نحمله على ظهور الحمير، ونضعه في جريكن (صفيحة)، وكان لدى الشيخ خالد عدد من الإبل، وقال لي ذات مرة: تعرف تحلب الناقة؟ فقلت له: لا يا طويل العمر، فنادى رجلاً وأمره أن يعلمني حلب الناقة، وكنت أمسك له الطاسة وهو يحلب حتى تعلمت الحلب، وكان يقول لي: احلب حتى تظهر طبقة كبيرة من الرغوة في الطاسة أعلى الحليب، وصحبت الشيخ خالد في الكثير من رحلات القنص، وكان يحب أن يقنص في منطقة الباطنة بعمان، وكنا نسير إليها بسيارة لاندروفر خاصة بالشيخ وكنا نقضي سبعة أو ثمانية أيام هناك، وكنا نصيد الحبارى والأرانب والكراويين، وكان معنا من الصقاقير عتيق العبد وسلطان حرقوص وعمور المطوع، وهذا توفي رحمه الله، وواحد يسمى بوسنيدة، وبقيت في خدمة الشيخ خالد بن سلطان رحمه الله مدة ثماني سنوات .

قصر المنهل

قصدت أبوظبي ذات مرة لزيارة أصدقاء لي من البلوش يعملون في قصر المنهل وهو القصر الذي يقيم فيه الشيخ زايد رحمه الله آنذاك، وهناك أخبرني الأصدقاء بأنهم يبحثون عن مقهويين مهرة، فقلت لهم أنا في عمل القهوة زين، فأخذوني إلى السيد عبد الله الهاشمي وهو مسؤول عند الشيخ زايد رحمه الله فقال لي: تعرف تسوي قهوة؟ فقلت له: نعم يا سيدي، فقال لي: هات دلة وصب، فأحضرت الدلة وصببت له، فقال لي: أوه هذا يصلح حق الشيوخ، خذوه إلى قصر المنهل عند الشيوخ، فأخذوني للعمل مقهوي في قصر المنهل للشيخ زايد رحمة الله عليه، وأذكر أن هذا كان قبل وفاة الشيخ خالد بن سلطان بسنة (توفي عام 1976)، وحين عملت في قصر المنهل كان الشيخ خالد على قيد الحياة ولكن الأمور كانت ميسرة ولا تحتاج إلى جواز سفر ونقل إقامة وكفالة وغيرها من أمور معقدة في يومنا الحاضر، وأذكر أننا جلسنا في قصر المنهل مدة أربع أو خمس سنوات، ومن ثم انتقلنا إلى قصر الشيخ مبارك قرب الدائرة الخاصة وبقينا هناك، ومن ثم انتقلنا إلى قصر البطين الذي فيه حالياً سمو الشيخ حمدان بن زايد آل نهيان، وبقينا هناك حوالي ست او سبع سنوات، ومن ثم انتقلنا إلى قصر البحر، وكان وقتها البحر يدخل في مساحات شاسعة من القصر، وبعد ذلك أحضروا سفناً فيها خراطيم كبيرة ذات فوهات واسعة تصب الرمل على الأرض وكنا نستغرب من أين تأتي بالرمال فقيل لنا إنها تسحب الرمل من قاع البحر وتصبه على سطح الأرض فتدفن البحر، وبعد ذلك قام الشيخ زايد يرحمه الله بزارعة النحيل وأشجار الفاكهة وخاصة الهمبه (المانغو) وهي ثمار فريدة وذات حجم كبير وطعم لذيد، وقد شارك رحمه الله شخصياً بزراعة النخيل وأشجار الفاكهة، وكان رحمه الله يحب الزرع والخضرة كثيراً، وأذكر أنه ذات مرة قام مهندس زراعي عمل جديداً في قصر البحر قام بقطع زور بعض النخيل وهي خضراء، ومر الشيخ زايد ورآه يقطع الزور، فوقف ونزل من السيارة وتوجه إلى المهندس وقال له: هل تحب أن يقطع أحد أذنك، فقال له: لا يا طويل العمر، فقال له الشيخ زايد: هل ستشعر بألم إن قطعت ؟ قال: نعم، فقال له الشيخ زايد: إذن لماذا تقطع زور النخل وهي خضراء لم تيبس كي لا تؤذيها وثاني مرة لا تقطع أي شيء بدون شورنا وأمرنا . وكان رحمه الله لا يحب أن يعمل أي إنسان أي شيء بدون شور وأمر ولا تستطيع أن تفعل أي شيء بدون أمره وشوره، وكان يعطينا التعليمات ويحبنا أن نمشي عليها وننفذها كما أمر رحمه الله دون نقص أو زيادة أو نتصرف من أنفسنا .

أذكر أنه في أول مرة أدخل على الشيخ زايد رحمه الله أصابتني رهبة شديدة من هيبته، وكنت خائفاً وأذكر أنني دخلت عليه حاملاً الدلة بيد والفناجين في يد أخرى وتقدمت إليه مع عبد الله أحمد الخميري المقهوي الخاص للشيوخ آنذاك، وكان عبد الله الخميري يصب على الشيوخ، وأنا ومقهويين آخرين ننتظر تناول الشيخ زايد الفنجان لكي نصب لبقية الحضور الذين يلون الشيخ عن يمينه ويساره وكنت أسمعه يسأل الحضور عن أخبارهم وأحوالهم ويستمع لأحاديثهم والقصائد الشعرية التي يلقونها عليه، فقلت إن هذه والله لهي الجنة، ولماذا هذا الخوف والرهبة من هذا الرجل الطيب الذي يأنس به الجميع، وشيئاً فشيئاً زالت تلك الرهبة والخوف من الحضور في مجلسه وكان رحمه الله يحس بنا وبأي عامل جديد لديه فلهذا كان يلاطفنا ويمازحنا ويسألنا عن أحوالنا ويأخذ أخبارنا وعلومنا كي يزيل حاجز الرهبة التي كانت تحول بيننا وبينه وتجعلنا في حالة من الإرباك الشديد في التعامل معه، وكان رحمه الله لا يريد هذه الحالة، بل يريد من كل واحد يعمل معه أن يعمل بأريحية وبطبيعته دون خوف أو رهبة، وبعد مدة وجيزة قال لي عبد الله الخميري: أنت رجل شاطر وسنجعل صب القهوة على الشيوخ بالزام (المناوبة) يوم أنا ويوم أنت، وهكذا تقربت إلى الشيخ زايد وقمت بصب القهوة له شخصياً حتى أصبحت من مقهوييه الخاصين .

حليب البوش

بعد أن يشرب القهوة يأمر بإحضار الحليب، حليب البوش مع الحلبة، وكنا كل ليلة نقوم بتفوير الحلبة ووضعها في آنية خاصة وفي الصباح مع قيامنا بتحضير القهوة، نقوم بوضع دلة قهوة وغوري حليب بالحلبة ودلة زعتر، وكان الشيخ زايد لا يحب الشاي ويستعيض عنه بالزعتر والقرفة، وكنا نضع في غوري الحليب سعة لترين مقدار فنجان من الحلبة حسب تعليماته رحمه الله، وبعد ذلك أمرنا رحمه الله بوضع الزنجبيل في الحليب، حيث كنا ننظف الزنجبيل وندقه ونطحنه ونضعه في غوري سعة لتر واحد ونفوره، ومن ثم نضع مقدار فنجان في غوري الحليب سعة لترين، وبعد ذلك أمرنا بوضع عسل أصلي مقدار فنجان إلا قليلاً وخلطه بالزنجبيل ومن ثم كبه في الحليب، وكان رحمه الله لا يحب السكر أبداً ولا يستخدمه في أي شرب يشربه أو أكل يأكله، وكان يأمرنا بصب هذه المشروبات على ضيوفه، وكان يقول لنا: مقهوي حد من الربع ما شرب؟ فنقول له فلان وفلان، فيقول للجميع: يا الربع اشربوا تراها فيها الفائدة . وكان من لم يشرب يشرب فيستطيبها ونصب له مرة ومرتين حتى يشبع، وقد سمعت من الشيخ زايد رحمه الله أن هذه الأمور وهي الحلبة والزنجبيل والقرفة والعسل مثل الأعشاب والأدوية الطبيعية التي تحمي وتقي الإنسان من أمراض وعلل كثيرة، وأن ليس لها أضرار إن لم يكن لها فائدة تذكر يجنيها الإنسان .

القهوة المسبوعة

كانت للشيخ زايد قهوة خاصة تسمى القهوة المسبوعة، وهي القهوة التي تضاف لها سبعة منكهات ومطيبات، وهي الهال والزعفران والمسمار والقرفة والزنجبيل والحلبة وماء الورد، وأحياناً نضع جوز الطيب فتكون الثامنة، وكنا نغسل قطعاً من ليف النخل ونقطعها صغاراً ونضعها على فم الدلة فتكون مثل الفلتر الذي يصفي القهوة من كافة الشوائب، وكنا كأي بشر نقع في بعض الأخطاء والبعد عن توجيهاته، أو تأخرنا على الدوام أو في تحضير القهوة، كان رحمه الله ينادينا ويقول: تعال تعال شو ياك اليوم تأخر على القهوة فنقول له إن شاء الله يا طويل العمر ما بتأخر وما بنعيدها، فكان يقول: لا تتأخر ثاني مرة ويا الله هات القهوة، وكان رحمه الله ذا صدر واسع ونفس عظيمة جليلة، لا يغضب علينا ولا ينهرنا، ولكنه كان يعطينا النصيحة والتوجيهات، ويعلمنا بأخطائنا ويعلمنا كيف نصححها، .

يتكون إفطار الشيخ زايد من خبز الرقاق وخبز المحلا والبيض الذي يعمل على التاوه ويأخذ إليه مباشرة وهو حار، كما كان يأكل البلاليط والخبيص والخمير، وكان رحمه الله لا يحب الفول والفلافل وما شابه، وكان التمر حاضر في كل طعام الشيخ زايد والحليب أيضاً والعسل، وكان الغداء يتكون من العيش (الرز) المكبوس والبرياني والأبيض مع الصالونة (المرقة)، وعليه تكون ذبيحة كاملة، وإن كان هو مقلاً في أكل اللحم وكان يأكل السمك بأنواع الجش والصافي والبياح، وكذلك يحب أكل الدجاج، وكان يستخدم السمن البلدي في أكله، وكان عشاؤه خفيفاً وكان يحب أكل اللحم المشوي والدجاج وطيوراً صغيرة تسمى السمان تأتي من الخارج، وكان لا يحب أن يأكل وحده، فأحياناً يأكل في الداخل مع أهله، وأكثر الوقت يأكل مع ربعه وضيوفه وما أكثرهم مثل مبارك بن قران وعبد الجليل الفهيم وسالم بن حم وعبد الله بن عتيبة والسيد عبد الله الهاشمي والكثير الكثير ممن لا يحصى عددهم من كثرتهم، بالإضافة إلى الضباط والجنود، وكنا نحن المقهويين نعزل لنا بعض الطعام لنأكله بعد ذلك، ولما ينتبه يمنعنا ويأمر بأن نأكل معه على نفس السفرة، وأذكر ذات مرة كنا في القنص في باكستان، وقمنا نحن المقهويين أنا وعبد الله الخميري وسالم العماني ومراد وأسلم وأخذنا لنا صينية عليها حبارى وأخذناها للخارج وأخذنا نأكل منها، وانتبه رحمه الله وقال: أين المقهويون؟ فقيل له إنهم يأكلون في الخارج، فقال لهم: نادوهم وليأتوا وليأكلوا معنا على نفس السفرة وفي نفس الصينية، فرحمه الله لم يكن يفرق بين شخص وآخر مهما كانت درجته ووظيفته وجنسه، وكنا دائماً نسير ونعود ونأكل ونشرب مع بعضنا بعضاً وكانت حياتنا جميلة وكأننا في الجنة مع المؤمنين والصالحين .