حفلت الفتوحات الإسلامية لبلاد الشام بكثير من المواقف التى أظهرت بطولات مختلفة أسهمت بدور مهم فى هزيمة جيوش الروم، وقد ظهرت تجليات العدل فى سلوك المسلمين فى كل سكناتهم وتحركاتهم. ولعل موقفهم من الجزية التى فرضت على أهل حمص يكشف الكثير من الأبعاد العميقة للدين الإسلامى.
شرحبيل الحميري
عندما اتجه الجيش الإسلامي من بعلبك إلى حمص، كان يقف على أبوابها الروم للقتال ومعهم قوة كبيرة عند بلدة تسمى (جوسيه). وقد واجههم المسلمون ببسالة وشجاعة. وبث فيهم القائد العظيم خالد بن الوليد الحماس، قائلاً: (يا أهل الإسلام الشدة، الشدة.. ) فانطلقت أسياف المسلمين تعمل في رقاب الروم، فهُزم الروم هزيمة نكراء، وفروا إلى داخل الحصن، فتتبعهم المسلمون. وكان أحد المسلمين واسمه شرحبيل الحميري أحد أشجع فرسان المسلمين وقد طارد مجموعة من الروم، فابتعد عن جيش المسلمين، حتى وصل في مطاردته إلى نهر صغير، فوقف على أطراف النهر يسقي فرسه، ثم جاءه 30 فارسا روميا على الضفة الأخرى. وعندما رآهم ضرب فرسه ليعبر لهم النهر، فعبره وهجم على الفرسان الثلاثين، حتى تمكن من قتل أحد عشر فارسا منهم، وفر بقية الروم. ودخل شرحبيل الحميري وقتل شهيداً بعد ذلك أحد الأديرة، فأُلقيت عليه حجارة حيث لم يستطع أحدٌ أن يقاتله سيفًا بسيف، وقُتل شهيدا .
الانسحاب من حمص
يقول الدكتور راغب السرجانى فى دراسته فتح بعلبك وحمص أن المسلمين تمكنوا من تحقيق النصر على القوة الرومية فقد حاصروا 18 يوما، ثم أعلن أهل حمص الاستسلام للمسلمين، وقبول المعاهدة، ودفع الجزية وسلموا حمص للجيش الإسلامي، وتخلت بذلك الحامية الرومية مرة ثانية عن مدينة من أقوى المدن الشامية التي ظلت حصينة لفترة طويلة. وبعد أن دخل المسلمون مدينة حمص، قدموا معاهدة لأهلها، كما فعلوا مع أهل بعلبك، وطالبوهم بدفع الجزية، التي بلغت 170 ألف دينار في السنة. وكانت القوات الإسلامية بعد فتح حمص تتوزع في أماكن مختلفة، فأبو عبيدة بن الجراح في حمص، وخالد بن الوليد بقواته في دمشق، وشرحبيل بن حسنة مقيم في الأردن، وعمرو بن العاص في فلسطين. وعندما وصلت أنباء استعدادات الروم إلى أبي عبيدة بن الجراح جمع القادة يشاورهم ويستطلع رأيهم، وانتهى الحوار الى ضرورة انسحاب القوات الإسلامية من المدن التي فتحتها إلى موقع قريب من بلاد الحجاز، وأن تتجمع الجيوش كلها في جيش واحد، وأن يبعث أبو عبيدة بن الجراح إلى المدينة يطلب المدد من الخليفة عمر بن الخطاب.وقبل أن يتحرك أبو عبيدة بجيوش المسلمين، دعا حبيب بن مسلمة- عامله على الخراج- وقال له: اردد على القوم الذين كنا صالحناهم من أهل البلد ما كنا أخذنا منهم، فإنه لا ينبغي لنا إذا لم نمنعهم أن نأخذ منهم شيئا، وقل لهم: نحن على ما كنا عليه فيما بيننا وبينكم من الصلح، لا نرجع فيه إلا أن ترجعوا عنه، وإنما رددنا عليكم أموالكم إنا كرهنا أن نأخذ أموالكم ولا نمنع بلادكم.... (أي لا نحمي بلادكم).
معركة اليرموك
بعد أن أخلى المسلمون مدينة حمص، جاءت قوات الروم، فدخلت حمص، ثم تحركت جنوبا خلال وادي البقاع إلى بعلبك، ولم تتجه إلى دمشق حيث يقيم المسلمون؛ وإنما اتجهت إلى الجنوب.ورأى المسلمون الذين كانوا يراقبون تحركات الروم أن في مسارهم هذا حركة التفاف تستهدف حصار المسلمين وقطع خط الرجعة عليهم، فاجتمع أبو عبيدة بقادته يتباحثون الأمر، فاتفقوا على الخروج من دمشق إلى الجابية، وهناك ينضم إليهم جيش عمرو بن العاص الرابض بفلسطين، وفي الوقت نفسه ينتظرون مدد الخليفة عمر بن الخطاب. وتقدمت مجموعات من جيش الروم إلى نهر الأردن باتجاه المسلمين في الجابية، وخشي المسلمون أن يحاصروا بقوات الروم المقيمة في الأردن وفلسطين والأخرى القادمة من أنطاكية، فيقطعوا خطوط إمداداتهم، ويحولوا بينهم وبين منطقة شمال الأردن والبلقاء التي تربطهم بالحجاز، ولهذا قررت الجيوش الإسلامية الانسحاب إلى اليرموك.
بدأ خالد بن الوليد في تنظيم قواته وقسم الجيش إلى كتائب. ويتفق المؤرخون على أنه أول من استحدث تنظيم الجيوش على هذا النحو، وأضحى عمله فتحا في العسكرية الإسلامية؛ فقد اختار رجال الكتيبة من قبيلة واحدة أو ممن يعودون بأصولهم إلى قبيلة واحدة، وجعل على كل كتيبة قائدا منهم ممن عُرفوا بالشجاعة والإقدام، ثم جمع الكتائب بعضها إلى بعض وجعل منها قلبا وميمنة وميسرة، وكان على رأس كتائب القلب أبو عبيدة بن الجراح ومعه المهاجرون والأنصار، وعلى كتائب الميمنة عمرو بن العاص ويساعده شرحبيل بن حسنة، وعلى كتائب الميسرة يزيد بن أبي سفيان. وانتهت المعركة بإحراز المسلمين نصراً مؤزراً على الروم.