قال تعالى: "الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين"، (آل عمران: 183) .
"فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاؤوا بالبينات والزبر والكتاب المنير"، (آل عمران: 184 ) .
"كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور"، (آل عمران: 185) .
"لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور"، (آل عمران: 186) .
"وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلاً فبئس ما يشترون"، (آل عمران: 187) .
"ولله ملك السماوات والأرض والله على كل شيء قدير"، (آل عمران: 189) .
"الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار"، (آل عمران: 191) .
إضاءة: ذكر الواحدي في كتابه (أسباب النزول) أن الآية 183 من سورة آل عمران، نزلت في كعب بن الأشرف ومالك بن الصيْف ووهب بن يهوذا وجماعة منهم أتوا النبي - صلى الله عليه سلم - فقالوا: يا محمد تزعم أنك رسول الله وأنه أنزل عليك كتاباً، وقد عُهِد إلينا في التوراة ألا نؤمن برسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار، ويكون لها دَوِي خفيف، تنزل من السماء، فإن جئتنا بهذا صدقناك، فنزلت هذه الآية .
وفي الآية الكريمة خبر من الله تعالى عن حال هؤلاء المفترين من اليهود الذين جمعوا بين الافتراء على الله و حصر آية الرسل بما قالوه من هذا الإفك المبين، وأنهم إن لم يؤمنوا برسول لم يأتهم بقربان تأكله النار فهم في ذلك مطيعون لربهم، ملتزمون عهده .
وقد عُلِمَ أن كل رسول يرسله الله يؤيده بالآيات القاهرات الدالة على صدقه، ولم يقصرها على ما قالوه، ومع هذا فقد قالوا إفكا ولم يلتزموا به، وباطلاً لم يعملوا به، لذا أمر الله رسوله أن يجيبهم: (قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات) الدالات على صدقهم (وبالذي قلتم) بأن أتوكم بقربان تأكله النار (فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين) في دعواكم الإيمان برسول يأتيكم بقربان تأكله النار، فقد تبين بهذا كذبهم وعنادهم وتناقضهم، ثم سَلى الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "فإن كذبوك فقد كُذب رسل من قبلك"، (آل عمران: 184) أي هذه عادة الظالمين، ودأبهم الكفر بالله وتكذيب رسله . والله أعلم
*السؤال: ما وجه ارتباط هذه الآية بما قبلها؟
-الجواب: يجيب البقاعي عن هذا السؤال فيقول:
(ولما كان القربان من جنس النفقات ومما يتبين به سماح النفوس وشُحّها حَسُن نظم آية القربان هنا رادّاً شبهة أخرى لهم (لليهود) ومُبَينا قتلهم الأنبياء) . والله أعلم .
السؤال: ما سر إعادة الباء في قوله تعالى: "قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم"، (آل عمران: 183) حيث كان من الممكن أن يقال: "بالبينات والذي قلتم"؟
الجواب: لتأكيد نسبة القول إليهم . والله أعلم .

حجة قاهرة

*السؤال: ما سر إيثار التعبير بالمجيء على الإتيان في قوله تعالى: "قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات"؟ (آل عمران: 183) .
-الجواب: لما كان مجيء الرسل ذا شأن وخطر لاصطفاء الله لهم وتمييزهم عن غيرهم من الخلق صار ذلك بمنزلة الصعوبة في الحركة . وكان من الملائم أن يسند الفعل( جاء) إلى الرسل - عليهم السلام -، لأنه مجيء له هدف، وغاية سامية، وحجة قاهرة . وهو مجيء يقطع عن أهل الكتاب أي عذر يمكن أن يتعللوا به في عدم الإيمان . والله أعلم
وعليه يمكن أن نقول: إن أي حرف أو كلمة في القرآن الكريم قد جاءت في مكان دون آخر فلأنه هو المناسب لمقام الآية وسياقها . يقول الخطيب الإسكاني:
"إذا أورد الحكيم تقدست أسماؤه آية على لفظة مخصوصة، ثم أعادها في موضع آخر من القرآن، وقد غير فيها لفظة عما كانت عليه في الأولى، فلا بد من حكمة هناك تُطلب، فإذا أدركتموها فقد ظفرتم، وإن لم تدركوها فليس لأنه لا حكمة هناك، بل جهلتم "، والله أعلم .
*السؤال: ما الغرض من الاستفهام في قوله تعالى: "فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين"؟ (آل عمران: 183) .
-الجواب: الإنكار والتوبيخ . والله أعلم .
*السؤال: ما توجيه الجمع بين قوله: "زحزح عن النار وأدخل الجنة" مع إمكان الاستغناء بالثاني (وأدخل الجنة) عن الأول؟
-الجواب: للإشارة إلى أن دخول الجنة يشتمل على نعمتين عظيمتين هما: النجاة من النار، والفوز بالجنة . والله أعلم .
*السؤال: ما وجه التوكيد في قوله تعالى: "لتبلونّ في أموالكم وأنفسكم ولتسمعنّ "؟ (آل عمران: 186) .
-الجواب: لتحقيق وقوع المبتلى به مبالغة في حثّ المؤمنين على التهيؤ والاستعداد له .
وإنما أخبر الله تعالى عباده المؤمنين بما سيقع من البلاء شفقة بهم، وتخفيفاً عليهم، وليوطنوا أنفسهم على احتماله عند وقوعه ويستعدوا للقائه، ويقابلوه بحسن الصبر والثبات مقابلة المتوقع لقدومه، المنتظر له، فإن هجوم البلاء فجأة مما يزيد في الحسرة والألم، أما الاستعداد للكرب فمما يهون الخطب خصوصاً إن أخبر بوجوب قدومه . والله أعلم .

ناقضو العهد

*السؤال: ما سر التعبير عن اليهود بعنوان إيتاء الكتاب في قوله تعالى: "الذين أوتوا الكتاب"؟
-الجواب: للمبالغة في ذمهم وتوبيخهم وتقبيح حالهم، حيث إنهم على الرغم من كونهم أهل كتاب وقد أخذ الله عليهم الميثاق بإظهار ما في كتابهم من أحكام وأخبار والتي من جملتها الإيمان بمحمد - صلى الله عليه وسلم - إلا أنهم نبذوا هذا العهد الغليظ مع أنهم علماء . والله أعلم .
*السؤال: بم يوحي حرف العطف (الفاء) في قوله تعالى: "فنبذوه وراء ظهورهم"؟ (آل عمران: 187) .
-الجواب: للإشارة إلى مسارعة أحبار اليهود إلى نبذ العهد فور أخذه عليهم . والله أعلم .
*السؤال: ما دلالة التعبير بالنبذ في قوله تعالى: "فنبذوه وراء ظهورهم"؟ (آل عمران: 187) .
-الجواب: يوحي بالإهمال والترك والازدراء .
والنبذ في الآية مستعار لنقض العهد، فشبه إبطال العهد وعدم الوفاء به بإلقاء شيء كان ممسوكاً باليد . والاستعارة تصريحية تبعية . والله أعلم .

" . . وراء ظهورهم"

*السؤال: ما دلالة التعبير ب "وراء ظهورهم" في قوله: (فنبذوه وراء ظهورهم)؟
-الجواب: فيه تمثيل للإضاعة والإهمال والاحتقار، ولإعراض اليهود عن ميثاق الله، لأن شأن الشيء المُهتَم به، المُتنافَس في تحصيله أن يُجعل نصب العين ويُحرَس ويُشاهَد، وشأن الشيء المرغوب عنه ألا يُلتفت إليه، وفي إضافة الوراء إلى الظهر تأكيد لبعد المتروك بحيث لا تلقاه بعد ذلك، فجعل للظهر وراء، والله أعلم .
*السؤال: لم قدم الجار والمجرور في قوله تعالى: "ولله ملك السموات والأرض"؟ (آل عمران: 189) .
-الجواب: لإفادة الحصر، أي قصر ملك السموات والأرض على الله تعالى قصراً حقيقياً تحقيقياً . من باب قصر الصفة على الموصوف . والله أعلم
*السؤال: ما سر العدول عن الإضمار إلى الاسم الظاهر في قوله تعالى: "والله على كل شيء قدير"، (آل عمران: 189) حيث كان الظاهر أن يقال: "وهو على كل شيء قدير"؟
-الجواب: لتربية المهابة، وللإشعار (بمناط الحكم، فإن شمول القدرة لجميع الأشياء من أحكام الألوهية، مع ما فيه من الإشعار باستقلال كل من الجملتين بالتقرير) فالجملة الثانية في الآية (إن الله على كل شيء قدير تذييل مستقل عما قبله جار مجرى المثل، لتوكيد ما قبله . وهو من أنواع الإطناب . والله أعلم
*السؤال: لم تكرر لفظ (ربنا) خمس مرات في الآيات؟
-الجواب: للمبالغة في التضرع، أي الخضوع والتذلل . والله أعلم .

ذكر الله تعالى

*السؤال: ما المقصود بالذكر في قوله تعالى: "الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم"؟ (آل عمران: 191) .
-الجواب: المقصود به الذكر اللساني مع حضور القلب، وهو التحميد والتهليل والتكبير، وغيرها من الأذكار، والمراد أن هؤلاء المؤمنين من ذوي الألباب يذكرون الله في جميع أحوالهم، فلا يكاد يخلو وقت لهم ولا هيئة من دون ذكر لله تعالى . وقيل: المراد بالذكر الصلاة . والقول الأول أرجح عندي، حيث قالت عائشة - رضي الله عنها -: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يذكر الله على كل أحيانه) .
وروي في الحديث: (من أحب أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر الله) .
*السؤال: ما سر ترتيب حالات الذكر الواردة في الآية الكريمة في قوله: "قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم "؟ (آل عمران: 191) .
-الجواب: قدّم القيام، لأن الذكر فيه أخف على الإنسان وأيسر، ثم انتقل إلى حالة القعود، والذكر فيه أشق منه في حالة القيام، لأن الإنسان لا يقعد غالباً إلا لشغل يشتغل به، ثم انتقل إلى حالة أو هيئة الاضطجاع، والذكر فيها أشق منه في هيئة القعود، لأن الاضطجاع والذكر فيه أشق منه في هيئة القعود، لأن الاضطجاع هو هيئة استراحة وفراغ عن الشواغل .
إذاً يمكن القول: إن الترتيب لحالات الذكر من السهل إلى الصعب إلى الأصعب لبيان دوام انشغال ذوي الألباب بالذكر في كل حال ووقت . والله أعلم .
*السؤال: ما دلالة تكرار الفعل المضارع في قوله تعالى: "الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض"؟ (آل عمران: 191) .
-الجواب: للدلالة على استمرار ذكرهم لله تعالى، وتفكرهم وتأملهم في مخلوقات الله . . والله أعلم .
*السؤال: ما دلالة الفاء في قوله تعالى: "ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار"؟ (آل عمران: 191) .
-الجواب: الفاء للسببية، حيث تسبب عن قولهم: "ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك" طلبهم الوقاية من النار . والله أعلم .

د . عادل أحمد الرويني