يحرص الإسلام دوماً على حماية الأسرة من كل وسائل التأثير الخارجية ويجعل للشؤون الزوجية والأبناء خصوصية حفاظاً على أسرار الأسرة وحصراً للمشكلات في أضيق نطاق حتى تكون فرصة الحل أسهل وأسرع .
من هنا كان محظوراً شرعاً وعرفاً على أي من الزوجين أن يبوح بأسرار العلاقة الزوجية لأحد حتى لو كان أقرب الناس إليه، فخصوصية هذه العلاقة ينبغي أن تظل بين الزوجين فقط خاصة ما يتعلق منها بمشاعر ومناوشات وسلوكيات العلاقة الحميمة . . وكل خروج على هذه الخصوصية يعده الإسلام خيانة للأمانة، فضلاً عن أنه سلوك غير إنساني لا يجوز لعاقل أن يرتكبه .
وكلما كان هناك التزام بهذه الآداب والأخلاقيات من الزوجين تحقق الاستقرار وكانت البيوت الزوجية في حراسة الخالق . . أما البيوت التي يتسابق أفرادها إلى كشف أسرارها والبوح بخصوصياتها، فهي كالمسرح المفتوح لكل المتطفلين والفاسدين والمخربين وأصدقاء السوء . . وهي بالتالي في مهب الريح .
طرحنا قضية أسرار البيوت للمناقشة مع عدد من أطباء النفس والاجتماع والتربية والإسلام . . فبماذا نصحوا الأزواج والزوجات والأولاد؟
الخبير التربوي، د .سعيد إسماعيل علي، أستاذ التربية بجامعة عين شمس، يؤكد بداية أن الستر يحمي البيوت من الانهيار، واحتفاظ الإنسان بخصوصيات حياته أسلوب تربية يزرع فيه منذ الصغر، فكل أسرة تريد أن تربي صغارها تربية سوية تغرس فيهم منذ نعومة أظفارهم كيفية الاحتفاظ بخصوصياتهم وعدم كشف ما يرونه داخل الأسرة لأصدقائهم في الشارع أو النادي أو المدرسة .
القدوة الطيبة
ويضيف: لا بد أن يكون الآباء والأمهات قدوة طيبة لأطفالهم في كيفية الاحتفاظ بالخصوصيات، وكيفية الحفاظ على أسرار وخصوصيات الآخرين الذين تقع أعينهم إليها . ولا شك في أن حياة كل أسرة لا تخلو من خلافات ومشكلات فهي لا تسير وردية على الدوام مهما كانت درجة المودة والرحمة بين الزوجين، وكذلك بين الآباء والأبناء، لكن هذه الخلافات تظل صغيرة ويمكن تجاوزها بسهولة طالما لم تخرج خارج نطاق الأسرة بينما تدخل أي طرف ثالث في أمور الأسرة يزيد الأمور تعقيدا .
لذلك فإن القيم التربوية والأخلاقية النبيلة تفرض على الزوجين والأبناء حفظ كل ما يدور داخل جدران المنزل وعدم البوح به حتى لو كان للأهل والأصدقاء، خاصة في ما يتعلق بالعلاقة بين الزوجين، وتعاليم ديننا تعتبر كشف أسرار البيت أو الاستهانة بالتحدث في هذه الأمور ومناقشتها مع الآخرين خيانة .
ويؤكد شيخ التربويين العرب أن الأسرة التي تعيش مكشوفة على الآخرين وتتسرب أخبارها وأسرارها إلى خارج المنزل لن يعيش أفرادها في سعادة واستقرار إلا بعد أن يقلعوا عن هذه العادة المرذولة .
خطأ مدمر
أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر، د .محمد المهدي، يؤكد أن كل ما يحدث في بيت الزوجية هو سر، وينبغي على كلا الزوجين حفظه، فأسرار الحياة الزوجية لا تقف على العلاقات الخاصة بين الزوجين أو ما يتعلق بأمور المعاشرة الزوجية بل كل ما يحدث بين الزوجين من مناقشات وخلافات وأمور تتعلق بالأولاد وما يخص الظروف المالية للأسرة وكذلك أسرار وظيفة الزوج أو الزوجة .
ويرى د .المهدي أن الزوج (أو الزوجة) الذي ينقل أسرار علاقته الخاصة بشريك حياته إنسان يجب ازدراؤه من قبل الآخرين حتى يرتدع عن هذا السلوك، والزوجة التي تفضح زوجها على الملأ وتكشف أسرار علاقته الزوجية مريضة نفسيا أو أنها لم تجد لنفسها ذريعة لتفضح بها زوجها إلا هذا الاتهام الذي يضرب رجولته في مقتل .
ويشير أستاذ الطب النفسي إلى أن رذيلة إفشاء الأسرار لا تقتصر على مرتكبيها من الأزواج والزوجات بل تنتقل إلى الأبناء وذلك لأن اقتداء الأبناء بأهلهم أمر بديهي وإذا نشأ الطفل في بيئة لا تحترم الخصوصيات فإنه، ومن دون وعي، سيعتاد تدريجياً على إفشاء أسراره وأسرار بيته لأصدقائه وزملائه ويصبح الأمر لديه طبيعة يألفها وبالتالي يفعلها ويعجز عندما يكبر عن كتمان أسراره الحميمة .
ويضيف: من الصعب أن نغير هذا الطفل أو الشاب بعد ذلك من خلال النصائح والتوجيهات والمواعظ من قبل الوالدين أو غيرهما، لأن الدافع الوحيد لتقويمه هو إقلاع الأب والأم عن تلك العادة التي تحول الابن إلى إنسان مريض نفسيا في المستقبل .
نساء ثرثارات
وتتفق مع د .المهدي د .نادية قاسم، خبيرة الطب النفسي بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، حيث تحذر هي الأخرى من إدمان الثرثرة فيما يتعلق بالأمور الخاصة بالأسرة وترى أن هذه الآفة تعانيها الكثير من الزوجات وتتسبب في جلب الخراب للبيوت، لأن الزوجة حتى إن لم تتطرق إلى الكلام في الأمور الجنسية والعلاقات الزوجية لكنها بالتأكيد ستمس أسرار الأسرة الاجتماعية والمادية وتؤدي إلى مشكلات في بيوت أخرى خاصة في ظل الغيرة الشديدة للنساء والتقليد الأعمى للآخرين والتسابق في جميع وسائل الترفيه والملذات .
وتقول: في الحقيقة لو جلس كل إنسان مصاب بداء التحدث عن أسرار بيته مع الآخرين مع نفسه ليحاسبها لوجد أن كل ما يتعرض له من مشكلات حياتية هو بسبب هذه الآفة الخطيرة التي تفسد حياة الزوجين وحياة أولادهما أيضا .
فالزوجة التي تروي ما يحدث بينها وبين زوجها من معاملات للآخرين ستستمع هي الأخرى إلى روايات من الأخريات تصيبها بالغيرة أو النقمة على زوجها أو عصيانه أو الامتناع عنه، وهنا تبدأ الفرقة بينهما، وكذلك الزوج قد يتورط في مشكلة أو فضيحة له وزوجته إذا ما أشيعت أسراره التي أفشى بها ولو لصديق عمره .
لذلك تنصح د .نادية الأزواج والزوجات بأن يحصنوا أنفسهم ويحموا بيوتهم بكتمان أسرارهم التي يجب ألا تتعدى باب غرفة النوم وليس باب المنزل وأن يحاسبوا أنفسهم أولا بأول على ما ارتكبوه من أخطاء في حق بعضهم بعضاً وأن يدركوا تماما أن لكل علاقة بين طرفين ظروفها وملابساتها التي لا تتشابه مع ظروف الآخرين، وبالتالي عدم قياس حالة على أخرى .
سلوك مخالف للمروءة
الفقيه الأزهري، د .محمد رأفت عثمان، أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر، عضو هيئة كبار العلماء، يؤكد أن خصوصية الحياة الزوجية لا تقف عند ما يخص العلاقات الخاصة بين الزوجين وما يتعلق بأمور المعاشرة الزوجية، بل كل ما يحدث بين الزوجين من مناقشات وخلافات وأمور تتعلق بالأولاد وما يخص الظروف المالية للأسرة، فكل ذلك له حرمته، ولا يجوز لأحد من الزوجين أن يتحدث عنه لأطراف أخرى، فلا يجوز للزوجة مثلا أن تنقل لأسرتها أسرار ما يمتلكه الزوج من أموال وما يكتسبه من عمله، وإذا كان الزوج مريضاً فلا يجوز أن تتحدث عنه لأي شخص مهما كانت صلة قرابته أو علاقته بالأسرة .
ويضيف عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر، موجهاً حديثه لكل الأزواج والزوجات وأيضا الأبناء: ما يحدث داخل بيت الزوجية يجب أن يبقى ضمن جدرانه لأن اطلاع الآخرين على ما يخص الزوجين أمر مخالف للمروءة ومناف للآداب والتعاليم الإسلامية، والأحاديث النبوية الواردة في هذا الشأن كثيرة وكلها تحث على الاحتفاظ بأسرار الزوجية حتى لا تصبح حديث الناس .
ومن هنا فلا يجوز لأحد من الزوجين نقل المشكلات الزوجية القائمة بينهما إلى أسرتيهما أو أصدقائهما من دون موافقة الطرف الآخر، كما أن التسرع في نقل هذه الخلافات غالبا ما يؤدي إلى تضخيمها وتعقيدها، وهناك وسائل إصلاح متعددة ومتدرجة أمر بها الإسلام لحل ما يطرأ بين الزوجين من خلافات ونشوز من جانب الزوجة، تبدأ بالنصح والوعظ ثم الهجر في المضاجع، ثم الضرب غير المؤثر جسديا وفي حالة فشل كل هذه الوسائل يأتي الحل الأخير وهو التحكيم الأسري عن طريق اختيار عناصر حكيمة من الأسرتين لعرض الخلافات عليها بهدف الإصلاح .
اللسان الفالت
ويقول الدكتور رشدي شحاتة، أستاذ الشريعة بكلية الحقوق في جامعة حلوان، إن العلاقة بين الزوجين أمانة من أعظم الأمانات ويجب على كل منهما أن يصونها . فعن أسماء بنت يزيد أنها كانت عند رسول الله- صلى الله عليه وسلم- والرجال والنساء قعود عنده فقال: لعل رجلاً يقول ما فعله بأهله ولعل امرأة تخبر بما فعلت مع زوجها فأزم القوم - أي سكتوا - فقلت: أي والله يا رسول الله إنهم ليفعلون وإنهن ليفعلن . قال: فلا تفعلوا، فإنما مثل ذلك مثل شيطان لقي شيطانة فغشيها والناس ينظرون .
ويضيف: لا يوجد إنسان عاقل سواء كان رجلا أو امرأة لديه مروءة وكرامة وشهامة يتحدث مع زملائه في العمل أو أشخاص لم يرهم ولا يعرفهم سوى من خلال غرف الدردشة عن علاقته بزوجته وما يحدث بينهما في غرفة النوم .
وينبه الدكتور رشدي شحاتة إلى أن هذا السلوك السيئ الذي يرتكبه بعض الأزواج والزوجات هو السبب الرئيسي في معظم الخلافات والمشكلات التي تخرب البيوت وتدمر الأسرة وتشرد أفرادها، ويقول: معظم المشكلات الزوجية التي تصل إلى حد الانفصال ترجع إلى اللسان الفالت الذي يبتلى به أحد الزوجين .
ويرى د .رشدي شحاتة أنه لا يمكن لأي من الزوجين أن يتحدث في شأن الأسرار الزوجية بينهما إلا في حالة واحدة فقط كأن يكون بالزوج عيب يعوقه عن القيام بواجباته الزوجية بشكل طبيعي وتضررت الزوجة من ذلك ورفض الزوج تطليقها ولجأت إلى القاضي، ففي هذه الحالة يجوز لها أن تتحدث أمام هيئة المحكمة وبعيداً عن أسماع الآخرين حفاظاً على قدسية الحياة الزوجية . . لكن أن تشيع الزوجة هذا الأمر على الملأ فهذا حرام وجريمة كبرى لا يغفرها المولى عز وجل، ويحرم على فاعلها أن يشم ريح الجنة .