في الحلقة السابقة تصدينا لأكاذيب خصوم الإسلام ودعاواهم الظالمة التي يروجون من خلالها أن تعاليم الإسلام والعياذ بالله عجزت عن دفع المسلمين إلى تحقيق إنجازات علمية مهمة في خدمة البشرية. وأكدنا حقيقة أن المسلمين كانوا سباقين إلى تحقيق الإنجازات الطبية التي استفادت منها البشرية كلها.
وفي هذه الحلقة نستكمل مع الدكتور عبد الرحمن عباد، الأمين العام السابق لهيئة العلماء المسلمين في فلسطين جوانب أخرى مهمة من إنجازات المسلمين العلمية التي سبقوا بها الدنيا كلها، واستفادت منها البشرية، وذلك من خلال دراسته القيمة بعنوان «إسهامات العلماء المسلمين في التقدم العلمي والتكنولوجي عبر العصور».
عرف العرب والمسلمون بعض الأمراض العصبية ودرسوها، وعرفوا كثيرا من الحقائق النفسية والمرضية عن طريق التحليل النفسي، وكان ابن سينا يرى أن العوامل النفسية والعقلية كالحزن والخوف والقلق تؤثر تأثيرا كبيرا على أعضاء الجسم ووظائفه، وبهذا لجأ إلى الأساليب النفسية في معالجة مرضاه.

تشخيص عالي الدقة

ويلفت الدكتور عبد الرحمن عباد إلى حقيقة مهمة بقوله: «كان الأطباء المسلمون يفحصون المريض بكل دقة، وبكل الوسائل المعروفة لديهم، فيسألون المريض عما يشكو منه، وعن طريقة معيشته، وعن عاداته، وعن الأمراض التي أصيب بها سابقا، وعن حال عائلته الصحية، ومناخ بلاده، وغير ذلك من الأسئلة المفيدة للتشخيص، والتي لا يسأل خيرا منها أطباء هذا الزمان». وقد اكتشف العرب والمسلمون أدوية جديدة لعلاج كثير من الأمراض منها الكافور والصندل والراوند والمسك والتمر هندي والحنظل وجوز الطيب، واخترعوا الكحول والمستحلبات والخلاصات العطرية، واستخدم الرازي لأول مرة الزئبق في تركيب المراهم، وجرب مفعوله على القردة.
وقام الرازي نفسه بإجراء بعض التجارب الطبية على الحيوانات، وبخاصة القرود باعتبارها أقرب الحيوانات شبهاً بالإنسان بالرغم من اختلاف الطبيعتين، وذلك قبل إجرائها على الإنسان.
ويعتبر جابر بن حيان أول من أدخل المستحضرات الكيميائية في الطب، وطبقها عمليا في معالجة المرضى، وبهذا يكون قد تقدم بالعلاج والدواء خطوات هائلة ورائدة للأمام.

صناع الصيدلة

والعرب هم المؤسسون الحقيقيون لمهنة الصيدلة، وأخضعوها لرقابة الدولة لمنع الغش، فكان الصيادلة لا يزاولون مهنتهم إلا بعد الترخيص لهم. وكان لكل مدينة مفتش خاص للصيدليات وتحضير الأدوية.
والمسلمون هم أول من قام بتغليف الأدوية المُرّة بغلاف من السكر، ليتمكن المريض من استساغة الدواء.
وعرف المسلمون أنواعا من المطهرات التي استخدموها في تطهير الجروح أو الحروق، فكان الزهراوي على سبيل المثال يقوم بنقع آلاته في «الصفراء» لتطهيرها قبل أن يقوم بإجراء عملياته الجراحية. وقد ثبت أن هذه المادة توقف تكاثر البكتيريا.
كما أن المسلمين هم أول من استخدم المستشفيات المتنقلة من مكان إلى آخر، حسب الحاجة بالنسبة لمقتضيات العمل.
وكانت هذه المستشفيات مزودة بما يلزم المرضى من أدوية وأغذية وأشربة وألبسة وممرضين.
ومن مفاخر العرب في مجال الطب أنهم كانوا أول من قدم العلاج المجاني للمرضى من دون تمييز بين المسلم وغير المسلم، فكان الناس يعالجون مجانا بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية أو السياسية أو العرقية.
ويضيف الدكتور عباد «النماذج السابقة تؤكد حقيقة أن العلماء المسلمين كانوا رواداً سباقين في مختلف العلوم الطبية، وأنهم أسهموا في دفعها إلى الأمام، بحيث انتفع العالم كله من أبحاثهم، وكانت سببا رئيسيا في نهضة الطب الحديثة في أوروبا، ولولاهم لما كان هناك تقدم ملحوظ في هذا المجال».

الفلك وكروية الأرض

ويشير إلى أن إنجازات المسلمين لم تقتصر على مجال الطب، بل امتدت إلى مجالات أخرى عديدة.
ففي مجال الفلك قام المسلمون بدراسة علوم الفلك عند القدماء، بعد أن ترجموها إلى العربية، وفهموها، وهضموها هضما جيدا، وبعدها برزت عبقريتهم في إنجازات مهمة كانوا هم الرواد فيها، ومن هذه الريادات:
أنهم اكتشفوا كروية الأرض وحركتها حول الشمس قبل «كوبر نيكوس» بقرون عديدة».

أثر الشمس والقمر

ويضاف إلى ذلك أن العرب عللوا كسوف الشمس وخسوف القمر. ويعتبر «القزويني» أول من ربط بين حركتي المد والجزر وتحركات القمر، وذلك في كتابه «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات» كما تحدث عن المجرة، وأثر الشمس على الأحياء، والحركة اليومية للأزهار والأوراق في النبات، وتكلم عن الزمان، وعن الأيام والشهور والفصول، وعرض لوصف الأرض، وقال: إن خط الاستواء يفصلها إلى نصفين شمالي وجنوبي.
وللمسلمين أيضاً في علوم الرياضيات فضل لا ينكر على العالم كله، ويعد «الخوارزمي» أول من ألّف في علم «الجبر».
ولم تصبح الكيمياء علما حقيقيا إلا بفضل جهود العرب والمسلمين ونزعتهم العلمية، فهم الذين اكتشفوا القلويات والنشادر ونيترات الفضة، وعرفوا عمليات التقطير، كما عرفوا الترشيح والتبلور والتكليس.