نقرأ في سورة (التغابن) آيتين متتاليتين:
الأولى قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم فاحذروهم وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم .
والثانية قوله سبحانه: إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم .
فنجد الآيتين في مجال النصح والإرشاد وتنبيه العقول إلى أمور ينبغي الحذر منها اتقاء لما ينجم من خطر، فقد يكون من بين الأزواج والأولاد عدو يناصب العداء، ولما كان الحكم - حينئذ - غير عام، لأن العداء يكون من بعض الأزواج والأولاد وليس من جميعهم، جيء في الآية الأولى بحرف الجر من من أزواجكم وأولادكم .
أما الآية الثانية فالحكم فيها عام، إذ الفتنة تكون في المال كله، وفي الأولاد جميعهم، فالله - تعالى - يمتحن العبد بالمال كله لا ببعضه، ويمتحن العبد بالأولاد جميعهم لا ببعضهم، ليظهر ما في علمه تعالى من شكر العبد ربه على نعمة المال والولد، أو كفره وجحوده وإيثار ماله وولده على طاعة ربه الذي منحه المال ورزقه الأولاد .
ولما كان الحكم على المال والأولاد بالفتنة عاماً، لم يؤت في الآية الثانية بحرف الجر من كما جاء في الآية الأولى التي تتحدث عن عداوة بعض الأزواج والأولاد، لأن الحكم هناك غير عام، فليس كل الأزواج والأولاد أعداء، في حين أن كل الأموال والأولاد فتنة، وقد جاء بختام الآية الأولى مرغباً في الصلح والعفو بالوعد بغفران الله ورحمته، لإطفاء نار العداوة بين الآباء والأبناء أو الأزواج والزوجات، فالمهم أخذ الحذر والاحتراس، لا إشعال العداء بين الناس .
وجاء ختام الآية الثانية ترغيباً في أجر الله - تعالى - العظيم، حتى تكون الرغبة فيه والحرص عليه سلاحين للعبد أمام فتنة المال والولد، فلا يفتنه ماله أو ولده عن طاعة الله وعبادته، والسير على صراطه المستقيم، فأجر الله العظيم خير وأفضل من الانشغال الدائب بالمال والولد، وهجر طاعة الله الذي منح المال والولد .