قال الله تعالى في سورة الأعراف: وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم، وقال سبحانه في سورة فصلت: وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم عرف السميع العليم وأكدها بضمير الفصل هو في الآية الثانية وترك ذلك في الآية الأولى . . لماذا؟
يبين ابن القيم السر في ذلك، فيقول: وتأمل سر القرآن كيف أكد الوصف السميع العليم بذكر الضمير (هو) الدال على تأكيد النسبة واختصاصها، وعرف الوصف بالألف واللام، في سورة فصلت لاقتضاء المقام لهذا التأكيد، وتركه في سورة الأعراف لاستغناء المقام عنه . فإن الأمر بالاستعاذة في سورة فصلت وقع بعد الأمر بأشق الأشياء على النفس، وهو مقابلة اساءة المسيء بالإحسان إليه، وهذا أمر لا يقدر عليه إلا الصابرون، ولا يلقاه إلا ذو حظ عظيم .
كما قال الله تعالى: ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم، وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم . والشيطان لا يدع العبد يفعل هذا، بل يريه أن هذا ذل وعجز، فلا يؤثر الإحسان إلى المسيء إلا من خالف الشيطان وآثر الله وما عنده، على حظه العاجل، فكان المقام مقام تأكيد وتحريض، فقال فيه: وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم .
يقول الفخر الرازي: وبالجملة فالمقصود من الآية: وإن صرفك الشيطان عما شرعت من الدفع بالتي هي أحسن فاستعذ بالله من شره، وامض على شأنك، ولا تطعه . وأما في سورة الأعراف فإنه أمره بأن يعرض عن الجاهلين، وليس فيها الأمر بمقابلة اساءتهم بالإحسان، بل الإعراض، قال تعالى: خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين، وهذا سهل على النفوس، غير مستعص عليها، فليس حرص الشيطان وسعيه في دفع هذا كحرصه على دفع المقابلة بالإحسان، فقال سبحانه: وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم .