لفت نظر الصحابي الجليل أنس بن مالك، رضي الله عنه، الذي عاش بعد رحيل الجيل الأول من الصحابة، انتشار ظاهرة استصغار الذنب، فقال لمن حضروا إليه من التابعين: "إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر، كنا نعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات" .
فانظر عافاك الله إلى تلك الأعمال التي يراها الصحابة من المهلكات، ويراها التابعون أصغر من الشعر وأدق منه: فما حالنا اليوم، وقد بعدت بنا المسافة في الزمن، والمسافة بين العمل الذي كانوا عليه، والذي نحن عليه الآن، وانظر إلى ابن مسعود رضي الله عنه وهو يقول: "إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه فقال به هكذا أي بيده فذبه عنه" .
كانوا رضوان الله عليهم قد تعلموا في مدرسة نبينا صلى الله عليه وسلم أن الذنوب تسري في الأعمال حتى تدمر دين صاحبها، وكان صلى الله عليه وسلم يعلمهم ويعلمنا من بعدهم: "إن المؤمن إذا أذنب ذنباً نكت في قلبه نكتة سوداء، فإذا تاب ونزع واستغفر صقل قلبه، وإن زاد زادت حتى تعلو قلبه، فذلك الران الذي ذكره الله عز وجل: "كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون" .

لا تفعل خمساً

إذا غطت الذنوب القلب فلا تسل عن سبب غشيان المعاصي ومداومتها والتكاسل في أداء العبادة وحب المعصية وفتور العزيمة، بل وفتور الإيمان، ولا علاج بغير إزالة تلك الذنوب بالتوبة لينقي القلب فيتقبل الطاعة بانشراح، فإذا أردت أن تخف في مسيرك إلى الله فتخلص من أحمالك أولاً، تخلص من ذنبك، بالتوبة، وخفف أحمالك بالرجوع اليومي إلى سكة السلامة، إلى صراط الله المستقيم، وإذا أذنبت، وكلنا يذنب، فلا تفعل خمساً:
لا تُصِرّ على الذنب، استغفر ربك وتب إليه من كل ذنب، إصرارك على الذنب يعني عدم التوبة، والتوبة من الذنب تعني الرجوع إلى الله تعالى، والإصرار يعني استمرار الفرار من الله تعالى، والله تعالى يقول: "وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعاً أَيهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلكُمْ تُفْلِحُونَ"، وفي الحديث الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم : "إن الله عز وجل يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها"، وإن العبد إذا رجع إلى ربه نادى منادٍ في السماء: هنئوا فلاناً فإنه اصطلح مع ربه .
ولا تفرح بالذنب: فليس مَنْ يذنب ويضحك كَمَنْ يذنب ويبكي، وجاء في الحديث "الندم التوبة" .
ولا تجاهر بالذنب: فإذا ابْتُلِيْتُم بالمعاصي فاستتروا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً ثم يصبحَ وقد ستره الله عليه، فيقول: يا فلان عملتُ البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه ويصبحُ يكشِفُ سِتْرَ الله عنه" .
ولا تدعُ إلى الذنب: فتصير من خلفاء إبليس الذين يحبون أن تشيعَ الفاحشة في الذين آمنوا "إِن الذِينَ يُحِبونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ" .
وأخيراً وهذا هو موضوعنا اليوم: لا تستصغر الذنب: وقد حذرنا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم من خطر استصغار الذنوب والاستهانة بها، فقال صلى الله عليه وسلم: "إياكم ومحقرات الذنوب، فإنما مثل محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بطن وادٍ، فجاء ذا بعود، وجاء ذا بعود، حتى حملوا ما أنضجوا به خبزهم، وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه"، (وفي رواية): "إياكم ومحقرات الذنوب فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه" .

مهلة للتوبة

قال الصالحون: "لا تنظر إلى صغر الذنب وانظر إلى عِظَم مَنْ خالفت"، فالمعصية الصغيرة هي معصية لله عز وجل وهي تشترك في هذه الصفة مع الكبائر، وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله قال: "عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت فدخلت النار، لا هي أطعمتها ولا سقتها ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض"، وقال الفضيل بن عياض: "بقدر ما يصغر الذنب عندك يعظم عند الله وبقدر ما يعظم عندك يصغر عند الله"، وقال ابن القيم رحمه الله: "هنا أمرٌ ينبغي التفطّن له، وهو أن الكبيرة قد يقترن بها من الحياء والخوف، والاستعظام لها ما يلحقها بالصغائر، وقد يقترن بالصغيرة من قلّة الحياء، وعدم المبالاة، وترك الخوف، والاستهانة بها ما يلحقها بالكبائر، بل يجعلها في أعلى المراتب" .
ومن كرم رب العباد على العباد أن منحنا مهلة للتوبة قبل أن يقوم الكرام الكاتبون بالتدوين، وفي ذلك يخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم "إن صاحب الشمال ليرفع القلم ست ساعات عن العبد المسلم المخطئ، فإن ندم واستغفر الله منها ألقاها، وإلا كتبت واحدة"، ومهلة التوبة مفتوحة بعد كتابة الذنب إلى ما قبل حضور الأجل، لكن مصيبة كثير من الناس أنهم يعصون الله بأنواع الذنوب ليلاً ونهاراً، ولا يؤوبون إليه بالاستغفار، وكثير منهم ابتلوا باستصغار الذنوب، فترى أحدهم يحتقر في نفسه بعض الصغائر .

العادات الذميمة

ومن محقرات الذنوب العادات الذميمة التي يعتادها المرء ولا يكلف نفسه الإقلاع عنها، فالعادة تتكرر على الدوام، فتتكرر المعصية مرات كثيرة، وبذلك تزداد العقوبة عليها، وعلى المرء الذي ابتلي بعادة سيئة أو اعتاد مخالفة معينة لكتاب الله وسنة رسوله أن يجهد نفسه بالإقلاع عنها قدر الإمكان، فإن مجاهدة النفس لكي تقلع عن عادة سيئة هي من صالح الأعمال .


محمد حماد