إنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور . فمن الرجال من هو مبصر إلا أن قلبه اعمى فلم يؤمن برسول الله صلى الله عليه وسلم ومنهم من أصيب بالعمى في بصره إلا أن بصيرته وقلبه اضاءهما الله بنور الإسلام، فلم يمنعه فقدان بصره من الجهاد في السلم والحرب، ومن هؤلاء الرجال عمرو بن قيس زائدة بن الأصم القرشي العامري، أما أمه فهي عاتكة بنت عبدالله بن عنكشة وتعرف بأم مكتوم أي الأعمى وهو لقب يطلق على من كف بصره كما اخبرنا بذلك ابن حجر في كتابه الإصابة في تمييز الصحابة وابن عبدالبر في كتابه الاستيعاب في معرفة الأصحاب .
عتاب للنبي
كان رضي الله عنه من السابقين في الإسلام وكان محباً للعلم طالباً له، فيسأل النبي ليتعلم ويعلم من حوله ونظر اليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى علامات الذكاء في أسئلته، فكان يزيد له فوق الاجابة، فلقد رأى أن الله قد عوضه عن فقد بصره ببصيرة منيرة بنوره .
ولقد عاتب الله نبيه فيه حينما كان يدعو أكابر قريش وانصرف عن ابن أم مكتوم، فأنزل الله قرآنا يتلى الى قيام الساعة حيث قال الله معاتباً نبيه عتاب تعليم وتشريع: عبس وتولى، أن جاءه الأعمى، وما يدريك لعله يزكى، أو يذكر فتنفعه الذكرى، أما من استغنى فأنت له تصدى، وما عليك ألا يزكى، وأما من جاءك يسعى، وهو يخشى، فأنت عنه تلهى، كلا إنها تذكرة (سورة عبس: 111) .
وقد تلقى رسول الله هذا العتاب بصدر رحب وقلب مطمئن فكان حينما يرى عمرو بن أم مكتوم بعد ذلك يفرش له رداءه ويجلسه عليه ويقول له: مرحباً بمن عاتبي فيه ربي .
كان رضي الله عنه من أوائل المهاجرين الى المدينة حيث هاجر بعد هجرة مصعب بن عمير وقد جعله النبي صلى الله عليه وسلم مؤذناً له مع بلال، وكان يفتخر بذلك عمرو ويذكر الحديث الذي خرجه الإمام البخاري في صحيحه: لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا . ولقد استخلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة في غزوات عدة منها بدر وأحد والأبواء وبواط وذو العشيرة والسويق وغطفان وحمراء الأسد وذات الرقاع، واستخلفه أيضاً في حجة الوداع فكان يؤم الناس في صلاتهم .
وقد منّ الله عليه ولم يحرمه أجر المجاهدين فلقد اخرج البخاري في صحيحه وكذلك الإمام مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لصحابته وهو عائد من إحدى الغزوات: إن بالمدينة اقواماً ما سرتم مسيرا ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم قالوا: يا رسول الله وهم بالمدينة؟ قال: وهم بالمدينة حبسهم العذر وهكذا كانت لابن أم مكتوم جائزة من الله يطمئن بها قلبه وأجر له على صبره لفقده البصر .
وقد ملأ حب الجهاد قلبه برغم أنه ضرير فكان حبه للجهاد ينسيه ما يعانيه . ولقد جاءت الفرصة أمامه وتهيأت لكي يشارك في الجهاد في سبيل الله وفي اخراج العباد من عبادة العباد الى عبادة رب العباد .
حامل اللواء
وحينما اقبلت معركة القادسية التي كانت من أهم المعارك الفاصلة بين جيوش المسلمين الداعية الى النور والهداية وجيوش الفرس الداعية الى الظلم والغواية رأى أن الفرصة التي لطالما انتظرها قد حان وقتها، في أن يجاهد في تلك المعركة وخرج عمرو بن أم مكتوم الى الجهاد في سبيل الله مع سعد بن أبي وقاص قائد الجيش في هذه المعركة .
وكان يحمل اللواء، ويروي ابن سعد في طبقاته في الجزء الرابع أن عمرو بن أم مكتوم كان يحمل راية سوداء وكان عليها درع له حصينة وجعل يقول لرفاقه في الجهاد: ادفعوا إلي اللواء، فإني أعمى لا استطيع أن أفر واقيموني بين الصفين يا لها من روح طيبة، إنها روح مجاهد عابد نقي تقي اخلص لله واتقاه، فضمن بذلك الفوز يوم القيامة والنجاة .
لقد شكا ابن أم مكتوم قبل ذلك فقده للبصر في الدنيا فقال: يا رسول الله تعلم أنني اعمى وقد رضيت بذلك في الدنيا فهل سأكون أعمى يوم القيامة ولا أرى ربي؟ وأخذ في البكاء الشديد حتى رق له رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل أمين السماء جبريل على جناح السرعة الى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول الله تبارك وتعالى: فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور (سورة الحج: 46) . ثم قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ابشر يا ابن أم مكتوم فستكون أول الناظرين الى الله يوم القيامة . فأحب ابن أم مكتوم الجهاد حتى يلقى الله وهو عنه راض، فحمل الراية في معركة القادسية ودخل في صفوف جيش الفرس وأخذ يضرب بسيفه يميناً ويساراً، وقاتل المجاهد المحتسب بما استطاع في المعركة حتى نال الشهادة ليلقى ربه راضياً مرضياً .
مات ونال الشهادة بعد أن أثبت أن المؤمن المخلص لا يستسلم للعجز بل يحاول ويناضل حتى يبلغ الأجل الذي كتبه الله له، فسجل له التاريخ هذه الواقعة بكل اجلال واكبار واضعاً أمام المبصرين المتخاذلين عن نصره هذا الدين قدوة يحتذى بها الى قيام الساعة، فرضي الله عنه وأرضاه .