تحدث الناس عن دينه وعلمه، وجوده وكرمه، وجهاده وعزمه، وزهده وصومه، وشمائله وشيمه، ومكانته في قومه، وخلاصة القول إن الدنيا لم تكن آخر همه، ولا مبلغ علمه.

رزقه الله أينما ذهب، وتحول التراب بين يديه إلى ذهب، وأنفق في سبيل الله بما كسب، تعلم وسافر وعمل وتاجر، وجاهد وثابر، اجتمع الناس من حوله أكثر من الملوك والأمراء، وقال هارون الرشيد عندما علم بوفاته: مات سيد العلماء.

الإمام عبدالله بن المبارك (736 797م) أبو عبدالرحمن (عبدالله بن المبارك بن واضح الحنظلي (بالولاء) التميمي المروزي).

شيخ الإسلام، وأحد الأئمة الأعلام المحدثين في القرن الثاني الهجري، ولد سنة 118ه بمدينة مرو، بخراسان، وتوفي سنة 181ه بالعراق، وجاهد وتعلم على علماء مرو، وغيرها من مدن خراسان، حفظ القرآن الكريم، وطلب الحديث ودرس الفقه والتفسير، والعربية والنحو، والبلاغة، وجاهد في سبيل الله، وكان مضرب الأمثال في الشجاعة، غادر مرو وعمره 23 سنة وعرف بسعة حفظه، وزهده وورعه وتقواه وتواضعه، رحل إلى بغداد سنة 141ه وكانت مركز العلم آنذاك وسافر إلى كثير من مدن العالم الإسلامي.

درس على عدد كبير من الأئمة منهم الفضيل بن عياض، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، والإمام أبي حنيفة النعمان.

هذا والله الملك

روى العباس بن مصعب في تاريخه عن إبراهيم بن إسحاق عن ابن المبارك قال: حملت عن 4 آلاف شيخ، فرويت عن ألف منهم وأضاف العباس: وقع لي من شيوخه 800.

وعن نعيم بن حماد قال: سمعت عبدالله بن المبارك يقول: قال لي أبي: لئن وجدت كتبك حرقتها فقلت: وما عليّ، هي في صدري.

وقال علي بن الحسن بن شقيق: قمت مع ابن المبارك في ليلة باردة، ليخرج من المسجد، فذاكرني عند الباب بحديث وذاكرته، فما زال يذاكرني حتى جاء المؤذن فأذن الفجر.

جاء في كتابه النصوص على مراتب أهل الخصوص عن أشعث بن شعبة المصيصي قال: قدم أمير المؤمنين هارون الرشيد الرقة، فانجفل الناس خلف عبدالله بن المبارك، وتقطعت النعال، وارتفعت الغبرة، فأشرفت أم ولد أمير المؤمنين من برج من قصر الخشب فلما رأت الناس قالت: ما هذا؟

قالوا: عالم من أهل خراسان، قدم الرقة، يقال له عبدالله بن المبارك.

فقالت: هذا والله الملك، لا ملك هارون.

عمل ابن المبارك في التجارة، وكان واسع الثراء ينفق من أمواله على أوجه الخير ومساعدة الفقراء، وكان لا يرى في ذلك تعارضا مع فكرة الزهد، يجد ويسعى على رزقه ولا يحتاج لمساعدة غيره، وله في الزهد والزاهدين كلمات وأقوال:

سلطان الزهد أعظم من سلطان الرعية.

لا يخرج العبد عن الزهد إمساك الدنيا، يصون بها وجهه عن سؤال الناس.

سئل ذات مرة مَن الملوك؟ قال: الزهاد.

ومن كلامه في الورع: لو أن رجلا اتقى مائة شيء ولم يتورع عن شيء واحد، لم يكن ورعا، ومن كانت فيه خلة من الجهل كان من الجاهلين ويستشهد بقول الحق تبارك وتعالى لنوح عليه السلام: فقَالَ رَب إِن ابنِي مِنْ أَهْلِي (هود: 45) وقال الله عز وجل: إِني أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (هود: 46).

صنف ابن المبارك كتبا كثيرة، وكان حجة في الحديث، كتب في أبواب الفقه والغزو والزهد والرقائق (السلوك)، وله تفسير للقرآن الكريم، وكتاب التاريخ، وكتاب الفتاوى، والسنن في الفقه.

عمل دائب

قال فضيلة الإمام الأكبر الراحل د.عبدالحليم محمود شيخ الأزهر (1973 1978) إن حياة ابن المبارك حياة جد في جميع جوانبها وعمل دائب مستمر، قدره الناس وأحبوه حباً ملك عليهم أفئدتهم.

وجاء رجل إلى عبدالله بن المبارك، وسأله أن يقضي عنه دينه، فكتب له رسالة إلى وكيل له، فلما وصل إليه سأله الوكيل:

كم الدين الذي سألت فيه عبدالله أن يقضيه عنك؟

700 درهم.

كتب الوكيل إلى عبدالله أن هذا الرجل سألك أن تقضي عنه 700 درهم وكتبت 7 آلاف وقد فنيت الغلات.

فكتب إليه ابن المبارك يقول: إن كانت الغلات قد فنيت، فإن العمر أيضا قد فني، فأوجز له ما سبق به قلمي، فأعطاه 7 آلاف درهم.

قال ابن مهدي: الأئمة أربعة، مالك والثوري، وحماد بن زيد، وابن المبارك وقال: إنه نسيج وحده أي لا شبيه له في تفرده بين الناس.

وقال الإمام أحمد بن حنبل: لم يكن في زمان ابن المبارك أطلب للعلم منه.

وقال شعيب بن حرب: ما لقي ابن المبارك مثل نفسه.

وقال شعبة: ما قدم علينا مثل ابن المبارك.

وقال إسحاق الغزازي: ابن المبارك إمام المسلمين.

وقال ابن معين: كان ثقة متثبتا، وكان في كتبه التي حدث بها 20 ألف حديث.

وقال يحيى بن آدم: إذا طلبت الدقيق من المسائل فلم أجده في كتب ابن المبارك أيست فيه (أي يئست من العثور عليه في كتب الآخرين).

وقال عباس بن مصعب: جمع ابن المبارك الحديث، والفقه، والعربية، وأيام الناس، والشجاعة، والسخاء، ومحبة الفرق له.

وقال شعيب بن حرب: لو جهدت جهدي أن أكون في السنة ثلاثة أيام مثل ابن المبارك، لم أقدر.

وقال أبو أسامة: هو أمير المؤمنين في الحديث.

خصال ابن المبارك

وقال الحسن بن عيسى بن ماسرجس: اجتمع جماعة من أصحاب ابن المبارك فقالوا: عدوا خصال ابن المبارك، فقالوا: جمع العلم، والفقه والأدب والنحو، واللغة، والزهد، والشجاعة، والسعة، والفصاحة، وقيام الليل، والعبادة، والحج، والغزو، والفروسية، وترك الكلام فيما لا يعنيه، والإنصاف، وقلة الخلاف على أصحابه.

وقال الذهبي في تذكرة الحفاظ: مناقب هذا السيد جمة في تاريخ دمشق، وفي تاريخ نيسابور، وفي الحلية، وفي تاريخ الخطيب.

وينتسب شيخ الإسلام ابن المبارك إلى مدينة مرو، إحدى مدن خراسان القديمة. وتقع في واحة كبيرة بصحراء كاراكوم، وتتبع حاليا جمهورية تركمانستان، تقع على نهر مرجب، وكانت تسمى مرجيانا عندما كانت عاصمة لإحدى المقاطعات الشمالية في بلاد فارس القديمة.

كانت مركزا كبيرا للثقافة الإسلامية خلال العصور الوسطى، استولت عليها روسيا من الأوزبك سنة 1884م. تأسست مرو الجديدة ماري سنة 1937 بجوار المدينة القديمة وتسمى حاليا بيرم علي وهي أحد المراكز الشهيرة بإنتاج النسيج.

وقال أحمد بن أبي الجواري: جاء رجل من بني هاشم ليسمع من ابن المبارك فامتنع.

فقال الهاشمي لغلامه: قم بنا.

فلما أراد الركوب، جاء ابن المبارك ليمسك بركابه.

فقال له: يا أبا عبدالرحمن، لا ترى أن تحدثني، وتمسك بركابي؟

قال: رأيت أن أذل لك بدني، ولا أذل لك الحديث.

علم وزهد

وقال ابن خلكان: جمع بين العلم والزهد وتفقه على سفيان الثوري ومالك بن أنس رضي الله عنهما، وروى عنه الموطأ، وكان كثير الانقطاع، محبا للخلوة، شديد التورع، وكذلك كان أبوه.

ويروى عن أبيه، أنه كان يعمل في بستان، أقام فيه زمنا طويلا، وجاء صاحب البستان وطلب منه أن يأتيه برمان حلو، ولما أحضر له الرمان تبين أنه حامض، وتكرر ذلك منه ثلاث مرات فغضب منه صاحب البستان غضبا شديدا، وسأله: ألا تعرف الحلو من الحامض؟ قال نعم، لأني ما أكلت من ثمر هذا البستان شيئا حتى أعرفه.

فقال: ولماذا لم تأكل؟

لأنك لم تأذن لي.

وتأكد صاحب البستان من هذه الحقيقة وأعجب بصدقه وأمانته وزوجه من ابنته وكان عبدالله بن المبارك ثمرة هذا الزواج المبارك.

قال الحسن بن الربيع: سمعت ابن المبارك حين حضرته الوفاة، وأقبل نصير فقال:

يا أبا عبدالرحمن قل: لا إله إلا الله.

قال: يا نصير: قد ترى شدة الكلام عليّ، فإذا سمعتني قلتها، فلا تردها عليّ حتى تسمعني قد أحدثت بعدها كلاما، فإنما كانوا يستحبون أن يكون آخر كلام العبد ذلك.

ولما بلغ الخليفة هارون الرشيد، خبر وفاة عبدالله بن المبارك قال: مات سيد العلماء.

كانت وفاة الإمام المحدث شيخ الإسلام عبدالله بن المبارك في شهر رمضان سنة 181ه بمدينة هيد على نهر الفرات.

كان ابن المبارك إذا دخل مكة المكرمة توجه إلى بئر زمزم فشرب منها وقال: اللهم إن ابن أبي الموالي حدثنا عن محمد بن المنكدر، عن جابر رضي الله عنه، عن نبيك صلى الله عليه وسلم أنه قال: ماء زمزم لما شرب له، فإني أشرب لظمأ يوم القيامة.

وقال عليه الصلاة والسلام: ماء زمزم طعام طعم، وشفاء سقم.