لعل توسع المدينة جنوباً وشمالاً، وراء باب النصر وباب الفتوح، وقيام مبانٍ عظيمة على طول بركة الفيل وعلى جانبي الخليج، وإقامة جسور ذات قوس أو قوسين، وبناء الممرات ورفع الأسوار العالية، جعل من هذه المنطقة المتسعة منظراً شيقاً للغاية . وهذه المدن مجتمعة في تلك البقعة من مصر على ضفتي النيل، هي ما أطلق عليها مؤرخو العصور الوسطى ورحالتهم اسم القاهرة الكبرى . وقد افادت من موقعها عند التقاء الطرق التجارية بين الشرق والغرب لنقل التجارة بين إفريقيا وآسيا، ونقل الحجاج إلى مكة . ونقل البضائع الغالية التي تصل مصر براً من وسط إفريقيا والحبشة . أما بضائع الهند والصين فقد سلكت طريق البحر إلى القاهرة، ومن هناك اتخذت طريقها في النيل إلى الإسكندرية . فأصبحت القاهرة بذلك مركزاً تجارياً عظيماً، تجلب بضائع الشرق الأقصى وترسلها في شتى طرق الملاحة في البحر المتوسط، فالقاهرة تقع بين بحرين: البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر .

وعن ذلك ربما، كتب فريسكو بالدي يقول: يسير النيل على طول جانب واحدٍ من المدينة . ولها ميناء جيد . وحينما كنا هناك، رأينا عدداً كبيراً من القوارب، بحيث إن كل ما رأيته في موانئ جنوة والبندقية وأن كونا مجتمعة، من دون أن أحصي السفن ذات الطابقين، لا تبلغ ثلث عدد القوارب التي كانت هناك .

أما بيير بيلون فقد تحدث عن القاهرة وموانئها فقال: ترسو القوارب والسفن بأنواعها المختلفة عند قرية بولاق لتفريغ ما تجلبه إلى القاهرة . وقد شاهدنا سفناً في النيل تسمى جروما، وهي على ثلاثة أو أربعة أنواع مختلفة . بعضها منخفض منبسط عريض ومستدير الشكل تقريباً . . والنوع الأصغر منها ذات الشراع المربع، لا ترحل بعيداً عن بولاق . فهي تستخدم فقط لعبور النيل، أو لنقل المؤن من القاهرة إلى القرى، أو لنقل الدواب من ضفة إلى أخرى . ولهذه الفلك التي تبحر بعيداً إلى دمياط والإسكندرية، شراع مثلث، ويمكنها أن تدخل البحر الهادئ .

بستان العالم

ومثلما ملأت القاهرة قلوب الرحالة الأوروبيين دهشة في العصور الوسطى، كذلك فعلت بالرحالة المغاربي ابن خلدون . فقد وقف مشدوهاً أمام مشهدها الآسر فقال: من لم ير القاهرة لا يعرف عز الإسلام . وتابع ابن خلدون يقول: إنها حاضرة الدنيا وبستان العالم، ومحشر الأمم، ومدرج الذر من البشر . وإيوان الإسلام . وكرسي الملك . تلوح القصور والأواوين في وجوهه . وتزهر الخوانق والمدارس بآفاقه . وتضيء البدور والكواكب من علمائه .

ويتابع ابن خلدون قائلاً: قد مثل بشاطئ بحر النيل الجنة، وموقع مياه السماء يسقيهم النهر والعلل سيحه، ويجبي إليهم الثمرات والخيرات ثجة . ويقول أيضاً: ومررت في سكك المدينة تغطى بزحام المارة، وأسواقهم تزخر بالنعم . وما زلنا نحدث عن هذا البلد، وبعد مداه في العمران واتساع الأحوال . ولقد اختلفت عبارات من لقينا من شيوخنا وأصحابنا: حاجهم وتاجرهم بالحديث عنه فقال أحدهم: إن الذي يتخيله الإنسان، فإنما يراه من من دون الصورة التي تخيلها، لاتساع الخيال عن كل محسوس . إلاّ القاهرة فإنها أوسع من كل ما يتخيل فيها (التعريف بابن خلدون) .

ومثلما وصفت القاهرة عند ابن خلدون، من ناحية المباني والمشاهد والمنازل بمثل هذا الوصف، فقد وجد فيها أيضاً أن العلم والتعليم إنما هو في القاهرة . وذلك لأن عمرانها مستبحر على حدّ قوله وحضارتها مستحكمة على مرّ السنين . وقد وجد ابن خلدون أيضاً أن مدارس القاهرة استمرت تخرج مدرسين أكفاء . لأن شأن العلم انتقل إلى مصر والقاهرة، بعد أن كان في بغداد وقرطبة .

مدينة الأفذاذ

ويقول ابن خلدون أيضاً، إنه كان في القاهرة شخصيات لها شهرتها المحلية والعربية والعالمية . وكان فيها أدباء جروا موضع حديث الناس، كما كان فيها مدارس ومساجد، وجد فيها مدرسون أكفاء لعلوم الإسلام وفقهه ولعلوم التاريخ وفقهه ولعلوم العربية وفقهها . وقد تخرج على أيديهم تلاميذ استطاعوا أن يخلفوا أساتذتهم عن جدارة .

حقاً تميزت القاهرة في ظل زيارة ابن خلدون لها بأنها اتسعت لكتاب الموسوعات والسير والمعاجم والمجاميع . وكان أصحابها يستحقون عن جدارة عبارات المديح . وقد ذكر المؤرخون، أن ابن خلدون نفسه، كان قد أبدع ووضع مقدمته في القاهرة . ولهذا نالت ربما شرف استضافة العلماء الأفذاذ . فلم نعهد شاعراً عظيماً أو عالماً كبيراً أو فقيهاً متبحراً، إلا وقصدها وعاش شطراً من عمره الناضج في أكنافها . ونحن نذكر على سبيل المثال الشاعر الكبير المتنبي والعالم الإسلامي البغدادي الشافعي، إلى جانب عالم المغرب والمشرق ابن خلدون .

وهكذا، فإننا واجدون، في خضم هذه الحركة الكبرى في مصر عامة، والقاهرة خاصة، كيف اتسعت عاصمة العرب والمسلمين للتجار والزهاد والعلماء على حدٍ سواء . فكما كانت فيها طبقة غنية وموسرة من التجار الذين نعموا في حياتهم أعظم نعيم، فقد كان في القاهرة أيضاً من العلماء والشعراء والأدباء والفقهاء، ما جعل لها سوقاً عظيمة كان لها تأثيرها الكبير في نمو المدينة .