قضى صفحة حياته في الجمع والتوثيق والتصنيف والتحقيق، لم يشغله من أمر الدنيا زخرف أو بريق، وترجمة لقبه ابن الطريق.

غادر خراسان واستقر بالعراق، بعد أن شد الرحال إلى سائر الآفاق، وقال عنه ابن حنبل ما عبر الجسر أفقه من إسحاق، صاحب علم وخلق ودين، وأحد حفاظ السنة المرموقين، وتخرج في مدرسته أعلام الرواة وأئمة المحدثين.

هو إسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن إبراهيم بن مطر الحنظلي، المعروف بابن راهويه المروزي، الحافظ الراوي، إمام المحدثين، وشيخ الرواة وصاحب المدرسة الكبرى التي تخرج فيها أعلام الحديث في القرن الثالث الهجري.

ولد سنة 161ه وتوفي بنيسابور 238ه ليلة النصف من شعبان، طاف البلاد وسأل العباد وواصل الاجتهاد في طلب الحديث وتصنيفه وتأليفه وترتيبه وتبويبه.

له مسند مشهور يعرف باسم مسند ابن راهويه، روى عن ابن عيينة وابن علية وجرير وبشر بن المفضل، وحفص بن غياث وسليمان بن نافع، ومعتمر بن سليمان، وابن إدريس، وابن المبارك، وعبد الرزاق، والداراوردي، وعتاب بن بشير، وعيسى بن يونس، وأبي معاوية، وغندر، وشعيب بن إسحاق.

ومن شيوخه ابن الوليد، ويحيي بن آدم، ومن أقرانه في زمانه الأئمة أحمد بن حنبل وإسحاق الكوسج، ومحمد بن رافع، ويحيى بن معين، والذهلي، وزكريا السجزي، ومحمد بن أفلح أبو العباس السراج.

ذاكرة عجيبة

روى عنه وتتلمذ على يديه عدد كبير من أعلام الرواة والمحدثين منهم محمد بن إسماعيل البخاري، ومسلم بن الحجاج، وأبو داود والنسائي، وأبو عيسى الترمذي، وأحمد النسائي.

قال الحافظ بن حجر العسقلاني في تهذيب التهذيب: نزيل نيسابور وأحد الأئمة، طاف البلاد، روى عنه الجماعة سوى ابن ماجد والحنظلي بفتح الحاء والظاء، وهذه النسبة إلى حنظلة بن مالك، وينسب إليه بطن من تميم.

وقال عنه الإمام أحمد بن حنبل: لا أعرف له بالعراق نظيرا وقال أيضا: إسحاق عندنا إمام من أئمة المسلمين وما عبر الجسر أفقه من إسحاق ولعله يقصد أنه ما جاء من خراسان إلى العراق أفقه من إسحاق.

وقال محمد بن أسلم الطوسي: لما مات ابن راهويه كان أعلم الناس ولو عاش الثوري لاحتاج إلى إسحاق، وقال النسائي: إسحاق أحد الأئمة، ثقة، مأمون.

وقال أبو داود الخفاف سمعت إسحاق يقول: لكأني أنظر إلى مائة ألف حديث في كتبي و30 ألفا أسردها.

وأضاف أبو داود: أملى علينا إسحاق أحد عشر ألف حديث من حفظه ثم قرأها علينا، فما زاد حرفا، ولا نقص حرفا.

وقال أبو حاتم: ذكرت لأبي زرعة إسحاق وحفظه للأسانيد والمتون فقال أبو زرعة: ما رئي أحفظ من إسحاق، والعجب من إتقانه وسلامته من الغلط، مع ما رزق من الحفظ.

وقال أحمد بن سلمة: قلت لأبي حاتم إنه أملى عليّ التفسير عن ظهر قلبه، فقال أبو حاتم: وهذا أعجب، فإن ضبط الأحاديث المسندة أسهل وأهون من ضبط أسانيد التفسير وألفاظه.

وقال إبراهيم بن أبي طالب: أملى المسند كله من حفظه مرة، وقرأه مرة.

وقال ابن حبان في الثقات: كان إسحاق من سادات أهل زمانه فقها وعلما وحفظا، وصنف الكتب وفرع على السنن، ودافع عنها وقمع من خالفها.

وقال ابن عدي: ركب إسحاق بن راهويه دين، فخرج من مرو، وجاء نيسابور فكلم أصحاب الحديث يحيى بن يحيى في أمر إسحاق. فقال: ما تريدون؟ فقالوا: تكتب رقعة إلى عبد الله بن طاهر أمير خراسان فقال يحيى: ما كتبت إليه قط. فألحوا عليه، فكتب رقعة إلى الأمير قال فيها: أبو يعقوب: إسحاق بن إبراهيم رجل من أهل العلم والصلاح.

حمل إسحاق الرقعة إلى الأمير فلما أتى الباب، أخبر الحاجب بأنه يحمل رقعة رسالة إلى الأمير من يحيى بن يحيى. ولما أخبره الحاجب بأمر الضيف أذن له بالدخول وأجلسه بجواره وأكرمه وقضى دينه (30 ألف دينار) وأصبح من أصدقائه وندمائه ويحيى بن يحيى فقيه كبير، تعود أصوله إلى البربر، رحل إلى بغداد، وسمع الفقه عن الإمام مالك وعاد إلى الأندلس ونشر فيها المذهب المالكي (توفي 849م).

وقال ابن خلكان في وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان عن ابن راهويه جمع بين الحديث والفقه والورع وكان أحد أئمة الإسلام.

وذكره الحافظ الدارقطني فيمن روى عن الإمام الشافعي، وعده البيهقي من أئمة الشافعية وكان قد ناظر الشافعي في مسألة جواز بيع دور مكة المكرمة.

وقد استوفى الشيخ فخر الدين الرازي صورة ذلك المجلس الذي جرى بينهما في كتابه مناقب الإمام الشافعي ولما عرف فضله نسخ كتبه وجمع مصنفاته بمصر.

من كتب الصحاح

ومن كتب الحديث الصحاح غير الكتب الستة:

صحيح ابن خزيمة الحافظ الكبير أبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة بن صالح بن بكر السلمي النيسابوري ولد سنة 223ه، وسمع من إسحاق بن راهويه ومحمد بن حميد، درس الحديث منذ مطلع شبابه وأصبح من كبار أئمة الإسلام في خراسان، توفي سنة 311ه عن 89 سنة، قال عنه أبو عثمان الزاهد: إن الله ليدفع البلاء عن أهل نيسابور بابن خزيمة، تزيد كتبه على 140 كتابا غير المسائل وهي 100 جزء.

صحيح ابن حبان: الحافظ أبو حاتم محمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ التميمي العبسي سمع من الحسين بن إدريس الهروي وأبي خليفة الجمحي وأبي عبد الرحمن النسائي وأبي بكر بن خزيمة وغيرهم من شيوخ مصر وخراسان، وحدث عن الحاكم، ومنصور، وعبد الله الخالدي، وأبي معاذ عبد الرحمن بن محمد بن رزق الله، وأبي الحسن محمد المروزي، تولى القضاء بسمرقند وكان من الفقهاء وحفاظ الآثار ومن علماء الطب والفلك، صنف المسند الصحيح والتاريخ، والضعفاء، وفقه الناس بسمرقند، توفي سنة 354ه وهو من سجستان.

صحيح أبي عوانة الحافظ الكبير يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم بن يزيد الاسفراييني النيسابوري الأصل، صاحب الصحيح المسند المخرج على صحيح مسلم، وله فيه زيادات، رحل إلى عدد من الأقطار وسمع عن يونس بن عبد الأعلى، وأحمد بن الأزهر، والزعفراني، وعلي بن حرب، ومحمد بن يحيى الذهلي. وحدث عن الحافظ أحمد بن علي الرازي وأبي علي النيسابوري ويحيى بن منصور القاضي وابن عدي والطبراني والإسماعيلي وغيرهم توفي 316ه ودفن باسفرائين.

صحيح ابن السكن: الحافظ أبو علي سعيد بن عثمان بن سعيد بن السكن البغدادي، نزيل مصر، ولد سنة 194ه سمع من أبي القاسم البغوي، وسعيد بن عبد العزيز الحلبي، ومحمد بن محمد الباهلي، وأبي عروبة الحراني وغيرهم من العلماء من جيحون إلى النيل.

روى عنه أبو عبد الله بن منده، وعبد الغني بن سعيد وعلي بن محمد الدقاق، وعبد الله بن محمد بن أسد القرطبي وآخرون. وضع كتابه الصحيح المنتقى وانتشر في الأندلس، توفي سنة 353ه.

صحيح الإسماعيلي: الإمام الحافظ أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن العباس الإسماعيلي الجرجاني، أحد الأئمة الشافعية ولد سنة 277ه وسمع من إبراهيم بن زهير الحلواني، وحمزة بن محمد الكاتب، ويوسف بن يعقوب القاضي، وابن أبي شيبة وغيرهم. له معجم وصنف الصحيح ومسند عمر. توفي سنة 371ه عن 94 سنة.

صحيح المستدرك: للحافظ الكبير أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نعيم الضبي الطهماني النيسابوري المعروف بابن البيع، ولد سنة 321ه، سمع من ألف شيخ، وساعده أبوه وخاله في طلب الحديث، حج في صغره وسافر إلى العراق وطاف على الأقطار والأمصار في جمعه وتصنيفه، روى عن محمد بن عبد الله الصفار، وأبي العباس بن محجوب، والحسن بن يعقوب البخاري، وحدث عنه الدارقطني وأبو الفتح بن أبي الفوارس، وأبو العلاء الواسطي، ومحمد بن أحمد بن يعقوب وأبو ذر الهروي وأبو يعلى الخليلي، وأبو بكر البيهقي، توفي الإمام الحاكم سنة 405ه.

ابن الطريق

ومدينة مرو التي ينتسب إليها الإمام إسحاق بن راهويه كانت إحدى مدن خراسان الشهيرة وأصبحت فيما بعد تابعة لتركمانستان، ينتسب إليها عدد من العلماء في شتى المجالات من بينهم محمد بن نصر المروزي (818 908م) وهو فقيه شافعي، ولد ببغداد، ونشأ في نيسابور، وعاش في سمرقند وتوفي بها.

كان من أعلم الناس بأحوال الصحابة والتابعين ومن كتبه الفرائض وهو من أهم المؤلفات في هذا المجال. قال إسحاق بن راهويه: أحفظ 70 ألف حديث وأذاكر بمائة ألف حديث، وما سمعت شيئا قط إلا حفظته، ولا حفظت شيئا قط ونسيته.

رحل إلى الحجاز والعراق واليمن والشام وسمع الحديث عن سفيان

بن عيينة ومن في طبقته من الأئمة الأعلام.

وفي المكتبة الجرمينية نسخة كاملة من مسند إسحاق بن راهويه مكتوبة بخط الحافظ السيوطي، وللحافظ الذهبي تصنيف في نقد رجال هذا الكتاب نقله السيوطي على هامش هذا الكتاب.

وراهويه لقب وليس اسما، أطلقه أهل نيسابور على أبيه أبي الحسين إبراهيم لأنه ولد في الطريق إلى مكة المكرمة، والطريق باللغة الفارسية راه وويه تعني موجود، والمعنى أنه وجد على الطريق أو ابن الطريق.

سأله عبد الله بن طاهر أمير خراسان عن سر هذا الاسم، وهل يضيق به أم لا؟ فأخبره بقصة الاسم، وقال إنه لا يضيق بهذا الاسم، لكن أباه كان يضيق به ولا يحبه.

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، إمام عادل وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله رب العالمين، ورجل تصدق فأخفى حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه بالدموع.