هو أحمد بن عبدالملك بن أحمد بن شهيد، أبو عاقر الأشجعي، من بني الوضاح، من أشجع، من قيس عيلان، كان من كبار الأندلسيين أدباً وعلماً ولد بقرطبة بالأندلس سنة 382ه، ومات فيها أيضا سنة 426ه،. بعد أن عمل وزيراً، وبعد أن خلف ديوان شعر وعدداً من التصانيف البديعة منها: كشف الدك وايضاح الشك وحانوت عطار والتوابع والزوابع، وديوان رسائل سجل بعض المداعبات والمكاتبات التي جرت بينه وبين ابن حزم الظاهري.
ورث ابن شهيد عن أجداده الغرام بمظاهر الصبوة والفتوة والشغف بملاعب الحسن والجمال، وقد ظفر بما ظفر به أجداده من أسباب الجاه والمال والملك، كذلك انقاد لشبابه وهواه وأسلم زمامه لفطرته وطبعه، فجاء شعره ونثره في أعلى درجات البيان، وكان يبيت في الأديرة، ولطالما سجل ذلك في شعره وفي رسائله، نراه يقول من الشعر:
ولرب حان قد شممت بديره
خمر الصبا مزجت بصرف عصيره
في فتية جعلوا السرور شعارهم
متصاغرين تخشعاً لكبيره
والقس مما شاء طول مقامنا
يدعو بعود حولنا بزبوره
عاشق الحياة
وكان ابن شهيد كما يقول ابن حيان، من أصح الناس رأياً لمن استشاره، وأضلهم عنه في ذاته، وأشدهم جناية على حاله ونصابه، وكان له في الكرم والجود، انهماك مع بطالة حتى شارف الإملاق، والواقع ان ابن شهيد كان يحب الحياة حباً جماً، وكان يرى العيش كله في معاقرة الجمال. كذلك كان أشد الناس إحساساً بكراهة الموت، ولذلك كان متهالكاً على التشبث بأذيال الحياة، ويروي ابن بسام في الذخيرة شيئاً من أخباره وهو في مرضه الأخير فيقول: ولما طال بأبي عامر ألمه، وتزايد سقمه، وغلب عليه الفالج الذي عرض له سنة 425ه، لم يعد له حركة ولا تقلب، وكان يمشي إلى حاجته على عصا مرة، واعتماداً على إنسان مرة أخرى، إلى قبل وفاته بعشرين يوما. فإن صار حجراً لا يبرح ولا يتقلب ولا يحتمل أن يحرك لعظيم الأوجاع مع ضغط الأنفاس وعدم الصبر، حتى هم بقتل نفسه، ولنقرأ له شعره الحزين:
أنوح على نفسي وأندب نبلها
إذا أنا في الضراء أزمعت قتلها
رضيت قضاء الله في كل حالة
عليّ وأحكاماً تيقنت عدلها
عليكم سلام من فتى عضه الردى
فلم ينس عيناً ثبتت فيه نبلها
وآخر شعر قاله ابن شهيد في وداع أحبابه وأخوانه:
استودع الله اخواني وعشرتهم
وكل خرق الى العلياء سباق
وكوكباً لي منهم كان مغربه
قلبي ومشرقه ما بين أطواقي
الله يعلم أني ما أفارقه
إلا وفي الصدر مني حرّ مشتاق
معارك نثرية
وصف أبو عامر بن شهيد بالبراعة في الشعر والنثر وفنون الإنشاء. قال ابوحيان: كان أبو عامر يبلغ المعنى ولا يطيل سفر الكلام وإذا تأملته ولسنه، وكيف يجر في البلاغة رسنه، قلت عبدالحميد في أوانه والجاحظ في إبانه.. يقود الكلام من غير اقتناء الكتب ولا اعتناء بالطلب.. ولم يوجد له.. كتاب يستعين به على صنعته، ويشحذ من طبعه، إلا ما قدر له، فزاد ذلك في عجائبه، وإعجاز بدائعه، وكان في تنميق الهزل والنادرة الحادة أقدر منه على سائر ذلك.. وكان في سرعة البديهة وحضور الجواب وحدثه، ورقة حواشي كلامه، وسهولة ألفاظه، وبراعة أوصافه، ونزاهة شمائله وأخلاقه، آية من آيات خالقه، أما الثعالبي فقال فيه: فنثره في غاية الملاحة، وشعره في غاية الفصاحة، وقال ابن البسام الشرنتيني، وقد اخرجت أنا من أشعاره الشاردة، ورسائله الباقية الخالدة ونوادره القصار والطوال، وتعريضاته السائرة الأمثال، ما يحل له الوقور حباه ويحن معه الكبير إلى صباه.
حقيقة كان ابن شهيد في نثره، يسير في خطى كتاب المشرق وكتاب المغرب، ويحاول أن يجمع في فنه الترسلي بعض الألوان التي لها بريقها في كل مكان وزمان، وقد استطاع أن ينافس معاصريه برسائل محبرة، موشاة، تؤدي في فن النثر، ما كانت تؤديه النقائص في فن الشعر، وهذا ما جعله يواجه الإفليلي والحناط، وغيرهما من الكتاب والنحاة، فجرت بينهم المنافرات التي كان لها دويها في مجالس أهل المغرب.. وكأنه بذلك أراد أن يحيي معارك النثر التي وقعت في الشرق بين أمثال الخوارزمي وبديع الزمان الهمذاني.
وقد نتج عن ذلك إغناء النثر بمختلف الألوان وإمداده بمختلف المعاني والأغراض، مما سجل له موقعه المتقدم في عالم الرسائل.
قلق وغموض
ورسائل ابن شهيد تشتمل على ألوان النثر المملوء بالقلق والغموض والاضطراب، كما تشتمل على نتاج الفكر والذكاء وقد شبهه بعضهم بالتلال التي يوقن المتطلع إليها بأن فيها كنوزاً، فلا يزال يقلب أكداس الخزف والتراب، حتى يصل الى بعض ما ينشد من الذهب الدفين.
وإذا كان ابن شهيد يقارع أبا القاسم الإفليلي وهو أحد النحاة في عصره، فقد كان يصفه بقوله: ليست مشيته مشية أديب، ولا وجهه وجه أريب، ولا جلسته جلسة عالم، ولا أنفه أنف كاتب، ولا نغمته نغمة شاعر.
وكان ابن شهيد معجباً بنفسه وبأدبه أيما إعجاب.. وقد حدثنا في رسالة التوابع والزوابع أنه قرأها على شعراء الجن فاستجادوها وهي رسالته في صفة البرد والنار والحطب، ورسالته في الحلواء، وكلماته في وصف جارية، ونعت الماء والثعلب والبرغوث والبعوض. وبرأينا فإن ابن شهيد في رسائله هذه، إنما يصدر عن غنى في اللغة وبراعة في الصنعة، وأجود ما وقع له في تلك الرسائل المستجادة، قوله في وصف ماء صاف: كأنه عصير صباح، أو ذوب قمر لياح، وقوله في وصف البعوض: تنقض العزائم، وهي منقوضة، وتعجز القوى وهي بعوضة، ليرينا الله عجائب قدرته، وضعفنا عن أضعف خليقته.
وصف جارية
أما رسالة ابن شهيد في وصف الجارية التي عرضها على شعراء الجن فاستجادوها، ففيها فقرات تنم عن قلب غزل ونفس طروب.. كذلك نجد فيها كلمات تنم عن المجون والدعة، فجاريته أخت نعمة وربيبة نعمة كأن شعرها على غرتها، غراب يسفد حمامة بيضاء.. تكلمك بألحاظها، وتأسرك بألفاظها، تقابلك من خدها بوردة، ومن عينها بنرجسة، كأنما ثغرها من جوهر، وشفتها خيط حرير أحمر، تقبل عليك بقضيب بان، ثمرته رمانتان، وتنفتل عليك بكفل مائج، كأنه كثيب عالج.. المنظر منظر غلام، والمخبر مخبر فتاة.
حقيقة، لم يصل إلينا من نثر ابن شهيد إلا بعضه، ولم يكتب منه إلا الجانب الأخاذ، الذي طرب له كتاب الصنعة في المشرق والمغرب.. ورسائله في صناعة النقد والبيان، وإنما تدل على أنه كان صافي الديباجة، سديد الرأي، صادق الفراسة، يشرح مزالق الأفكار ومزلات العقول بأسلوب فني راق، جرى على سليقته وفطرته، وانحاز فيه إلى فيض عقله وروحه، ولذلك بات الكتّاب يقلدونه في رسائلهم، حتى غدا في ذلك قدوة لغيره في هذا الباب.