نشأ محباً للعلم، فتوجه بهمة عالية إلى مجالس العلماء وحلقاتهم يأخذ عنهم، ويتعلم منهم، فسار على الدرب الذي سار عليه من سبقه من أئمة الحديث إقبالاً على العلم، وتدويناً للسنة النبوية . ونمى ثروته العلمية بتتبع مدارس الحديث المختلفة في بلاد طوف بها، فأخذ عن علمائها واستفاد من مناهجها .

يقول الدكتور أحمد عمر هاشم في موسوعة أعلام الفكر الإسلامي: هو الإمام أبو عبدالله محمد بن يزيد بن ماجة الربعي القزويني، وماجة ليس جده، وإنما هو لقب أبيه يزيد، لأن أغلب المترجمين له قالوا: محمد بن يزيد بن ماجة، واشتهر بذلك، والقزويني نسبة إلى إقليم قزوين، لأن به مولده ونشأته . وولد سنة تسع ومئتين من الهجرة، الموافق 824م . وكانت نشأة ابن ماجة قائمة على أساس من العلم والعمل والأخذ والعطاء، فتعلم وعمل بما علم، فكان تقياً ورعاً مخلصاً في رسالته، ودرس وحفظ وألف ودون، ولم يقتصر نشاطه العلمي على التأليف بل تعداه إلى التدريس وكان له تلاميذ رووا عنه . فقد شب محباً للعلم، فحفظ القرآن الكريم، وتردد على حلقات المحدثين التي امتلأت بها مساجد قزوين، حتى حصل على قدر كبير من الحديث .

رحلات علمية

ويقول الدكتور عبدالمجيد الحسيني في كتابه أئمة الحديث النبوي: قام ابن ماجة برحلات علمية كان من نتائجها تدوين الكثير من الأحاديث إلى جانب ما جمعه من بلده، فطوف بكثير من الأقطار والبلاد، وهاجر سنة ثلاثين ومئتين من الهجرة لمشافهة الشيوخ، والتلقي عليهم، فرحل إلى خراسان، والكوفة والبصرة وبغداد ودمشق ومكة والمدينة ومصر وغيرها من البلاد، متعرفاً إلى العديد من مدارس الحديث النبوي الشريف، إذ أتاحت له هذه الفرصة أن يلتقي بعدد من الشيوخ في كل قصر وفي كل بلد ارتحل إليه، ولقي كثيراً من أئمة الحديث، وسمع من أصحاب مالك والليث حتى أصبح إماماً من الأئمة الأعلام، وقد شهد له بالثقة والحفظ كثير من الأئمة .

ويوضح أ .د أحمد فؤاد باشا في كتاب التراث العلمي للحضارة الإسلامية أن ابن ماجة قد نال إعجاب العلماء ومعاصرية وثقتهم، اذ كان معدوداً من كبار الأئمة المحدثين، وقال عنه أبو يعلي الخليل بن عبدالله القزويني: ابن ماجة ثقة كبير، متفق عليه، محتج به، له معرفة وحفظ، ووصفه الذهبي بأنه الحافظ الكبير المفسر .

وقال الخليلي: ابن ماجة ثقة كبير متفق عليه، محتج به، له معرفة وحفظ . وقال الذهبي: الحافظ الكبير المفسر صاحب السنن والتفسير ومحدث تلك الديار .

وقال ابن كثير: صاحب كتاب السنن المشهور، وهي دالة على عمله وعلمه، وتبحره واطلاعه، واتباعه للسنة في الأصول والفروع .

همة عالية

ويكمل الدكتور أحمد عمر هاشم في موسوعة أعلام الفكر الإسلامي: أتاحت لابن ماجة رحلاته العلمية التي اتسمت بالهمة العالية في تدوين الحديث أن يلتقي بكثير من شيوخ البلاد الذين أخذ عنهم، فسمع من أبي بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن عبدالله بن نمير، وجبارة بن المغلس، وهشام بن عمر، ومحمد بن بشار، وعمر بن عثمان بن سعيد، وإبراهيم بن المنذر الحزامي، وعبدالله بن معاوية، والعباس بن الوليد وغيرهم من أئمة الحديث، وروي عنه: علي بن سعيد بن عبدالله، وإبراهيم بن دينار الجرش الهمداني، وأحمد بن إبراهيم القزويني، وسليمان بن يزيد القزويني، ومحمد بن عيسى الصفاء، وأبو عمرو أحمد بن محمد بن حكيم المدني الأصبهاني، وغيرهم .

ولابن ماجة مؤلفات كثيرة، منها: تفسير القرآن الكريم، وهو تفسير حافل كما قال ابن كثير، وكتاب التاريخ، وأرخ فيه من عصر الصحابة إلى وقته، وكتاب السنن المتداول الآن، وهو من أعظم مؤلفاته والمعروف بسنن ابن ماجة .

وقد عد العلماء سنن ابن ماجة سادس الكتب الستة، وأول من أعدها الحافظ أبو الفضل القيسراني في كتابه أطراف الكتب الستة، ثم تابعه من جاء بعده من العلماء .

وخلاصة القول في سنن ابن ماجة: أنه يشتمل على الصحيح، والحسن، والضعيف، وأن على الباحث والمستدل ألا يأخذ بحديث منها إلا بعد التحري ومعرفة درجته .

وبعد رحلة شاقة استغرقت أكثر من خمسة عشر عاماً عاد ابن ماجة إلى قزوين، واستقر بها منصرفاً إلى التأليف والتصنيف، ورواية الحديث بعد أن ذاعت شهرته وقصده الطلاب من كل مكان .

وبعد حياة حافلة بالعلم والعمل، ممتلئة بالبحث والتأليف، والعطاء في الحديث النبوي الشريف دراية ورواية، دارساً ومدرساً، توفي ابن ماجة في 22 من رمضان سنة 273هـ ، الموافق 887م، وصلى عليه أخوه أبو بكر، وتولى دفنه أخواه أبو بكر وعبدالله، وابنه عبدالله .