حرص الإسلام على بناء شخصية المسلم على قيم وأخلاقيات رفيعة حتى تستقيم حياته، ويؤدي رسالته في الحياة، ويسهم بفاعلية في بناء ونهضة مجتمعه، ويواجه بقوة وصلابة كل التجاوزات الأخلاقية عملاً بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

والإسلام في بنائه الأخلاقي للإنسان جاء بكل ما هو راق ومتحضر، وسما بأخلاق أتباعه فوق كل الصغائر، ورسم للإنسان حياة تغلفها كل المعاني الإنسانية .

ونحن من خلال هذا الباب نسبح في بحر الأخلاق والقيم الإسلامية الرفيعة لنذكر الأجيال الجديدة من أبناء المسلمين بأن إنسانيتهم العالية تكمن في أخلاقيات الإسلام، وأن ما نعاني منه الآن في معظم مجتمعاتنا العربية والإسلامية من انفلات أخلاقي وبلطجة سلوكية سببه الرئيسي ضعف الوازع الديني، واختفاء قيم وأخلاق الإسلام من حياتنا .

أعلنت منظمة اليونسكو التابعة للأمم المتحدة مؤخراً مجموعة من القيم ونبهت عليها وجعلت هذه القيم القاسم المشترك بين الإنسانية كلها وسمتها بالقيم النشيطة، وارتأت أنها القيم التي ينبغي لكل مناهج التعليم في العالم أن تلتزم بها

وكل هذه القيم كما يؤكد د . علي جمعة مفتي مصر موجودة في الإسلام وأولى هذه القيم قيمة الاحترام للنفس والاحترام للغير، والاحترام للعالم من حولنا . . ومنها قيمة البساطة والتعاون والسعادة والمرح، وقيمة المحبة وقيم المسؤولية والاتحاد والتواضع والرحمة، وإذا كانت اليونسكو قد جعلت الاحترام أولى القيم الداعمة للعلاقات بين الناس، فالإسلام جعل الاحترام قيمة راسخة لا تستقيم العلاقة بين الناس من دونها وقد ربطها بالتربية، وبالخلق القويم الذي إذا تركناه أو نسيناه أو همشناه في حياتنا ذهبت هذه القيمة ومعها قيم كثيرة ولكان ذهاب هذه القيم مخلا بالاجتماع البشري فقد أمرنا الإسلام أن نربي أبناءنا وخدمنا وأن نعلمهم وأن نجعل التقوى هي المقياس .

صناعة إسلامية

ويضيف: إذا كان بعض الناس قد أساء الأدب مع الناس ولم يحترم من هو أكبر منه فهذا خارج عن الإسلام . . يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف شرف كبير، وقد ربط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قيمة الاحترام بنفع الناس، فقد روى أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد أي تنظفه ففقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل عنها فقالوا ماتت قال أفلا كنتم آذنتموني قال فكأنهم صغروا أمرها فقال دلوني على قبرها، فدلوه فصلى عليها عند قبرها . . وهذا تدريب عملي من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لصحابته على احترام الآخرين مهما صغرت مكانتهم، خاصة أنها كانت تقوم بعمل صالح وهو تنظيف بيت الله، ومكان اجتماع المسلمين، ولم تذكر لنا الكتب منْ تكون تلك المرأة، وكل ما نعرفه أنها كانت تنظف المسجد فقط، لكننا نعرف أيضاً أنها ماتت وأن الله راض عنها ورسوله والمؤمنون

ويقول د . علي جمعة: الرقي السلوكي في التعامل مع الناس صناعة إسلامية ومن يقرأ تعاليم الاسلام ويتعرف إلى أخلاقياته وأسلوب تربيته لأتباعه يدرك ذلك جيداً، وواجب المسلمين اليوم أن يعودوا إلى قيم وأخلاقيات دينهم حتى يعود لهم الرقي السلوكي الذي يفتقدونه الآن .

يحدث في أوروبا

المفكر الإسلامي د . محمد عبد الغني شامة أستاذ الثقافة الإسلامية بجامعة الأزهر يتفق مع د . جمعة على أن الرقي السلوكي صناعة إسلامية قبل أن يكون صناعة حضارية غربية ويقول: عند قيام أي عربي أو مسلم بزيارة لدولة أوروبية يشده احترام الجميع له منذ وصوله إلى المطار ومروره بالشوارع التي يرتادها أو وسائل المواصلات التي يركبها أو المتاجر والأسواق والمعالم الحضارية التي يتجول فيها، فهو يلقى معاملة حسنة ولياقة . . وأدباً في الرد على استفساراته صبراً على هفواته وحرصاً على مساعدته وتفانياً في خدمته وبذل كل الجهد لكي يغادر بلادهم وهو راض عنهم، يتحدث عن احترامهم وتقديرهم لضيوفهم . . وبذلك تترسخ في ذهنه صورة رائعة لتحضرهم .

هذا الأسلوب الراقي في التعامل والذي يختفي من حياة كثير من المسلمين داخل العالم الإسلامي وخارجه هو الذي جاء به الإسلام وأرسى دعائمه بين الناس . . ولكن المسلمين للأسف تخلوا عن السلوك الراقي وتركوه للغربيين واستعاضوا عنه بجفوة وغلظة في معاملاتهم واستهتار بالآخرين وعدم التعامل معهم بما يفرض عليهم دينهم من تقدير واحترام .

وهنا يؤمن د . شامة على ما قاله مفتي مصر ويضيف: قيمة احترام الآخر وتقديره إنسانيا واجتماعياً، والتي يعلو سقفها في الغرب هي في حقيقة الأمر قيمة إسلامية، فالإسلام فرض على المسلم احترام الآخر والتعامل معه بإنسانية سواء أكان ضيفاً أو من أبناء الوطن، وقيمة الاحترام تعني التعامل معه بلياقة وأدب، والإنصات إليه عندما يتحدث والرد على تساؤلاته عندما يسأل، ومساعدته عندما يطلب المساعدة، وعدم محاسبته على هفواته الشخصية غير المقصودة والتفاني في خدمته وتقديم كل عون له . . هذا ما أمر به الإسلام . . لكن للأسف هذا الأسلوب المتحضر في التعامل اختفى من حياة كثير من المسلمين وبرز بوضوح في تعاملات الغربيين .

ويؤكد الدكتور شامة أن هذا الأسلوب الراقي في التعامل لن يكتسبه الإنسان من خلال كتاب يقرأه أو برنامج تلفزيوني يشاهده أو مجموعة تعاليم تلقى عليه هنا أو هناك . . بل يكتسب الإنسان فضيلة احترام الآخرين من أسلوب التربية الذي تربى عليه في المنزل، والأب والأم والإخوة الكبار يلعبون دوراً واضحاً في ترسيخ القيم والآداب في نفوس الصغار، فالأب والأم عليهما احترام حقوق أطفالهما والتعامل معهم باحترام متبادل . . وهذا أيضاً غير موجود للأسف في العلاقة بين الآباء والأبناء في بلادنا العربية والإسلامية، حيث تكثر الشكوى من عقوق الطرفين . . عقوق من الأبناء للآباء وعقوق وإهمال وغلظة في تعامل الآباء مع الأبناء . . وفي مثل هذه البيئة من الطبيعي أن تختفي صفة الاحترام المتبادل . . وإذا كان الاحترام غائباً بين الآباء والأبناء فمن الطبيعي ألا يكون موجوداً في التعامل مع الآخرين .

علامة تحضر

د . بكر زكي عوض عميد كلية أصول الدين بالأزهر يؤكد أن احترام الآخرين علامة تحضر ورقي، فكلما تعامل الإنسان باحترام مع الآخرين حتى ولو كانوا مخالفين له في الرأي والفكر والعقيدة كان متحضراً واتصف بالرقي في معاملاته ويقول: لا خلاف على أننا نفتقد هذه الفضيلة في سلوكيات الكثيرين من الكبار والصغار في بلادنا العربية والإسلامية الآن، فقد حلت البلطجة محل الاحترام، وحل الصوت العالي محل الصوت المنخفض، الذي يعبر عن رقي وتحضر صاحبه، ولذلك ليس غريباً أن ينتشر العنف والإجرام في شوارعنا ونوادينا وأسواقنا وحتى جامعاتنا والتي يفترض أنها تضم أرقى فئات المجتمع .

وتغيير هذه الأنماط السلوكية الخاطئة وإحلال القيم الحضارية الإسلامية محلها يحتاج إلى جهود كبيرة تبدأ من داخل البيت، حيث يجب أن يقوم الآباء والأمهات بواجباتهم التربوية، وينبغي أن تكون سلوكياتهم أمام أبنائهم نموذجاً للتحضر والرقي . . وتنطلق القيم الإسلامية أيضاً من المدرسة، فنظام التعليم في بلادنا العربية والإسلامية يجب أن يولي منظومة القيم ما تحتاجه من اهتمام، فلا قيمة لعلم أو فكر أو ثقافة يحملها إنسان غير متحضر ويتصرف بشكل غير لائق مع كل المحيطين به .

إعداد المعلمين

ويؤكد عميد كلية أصول الدين بالأزهر ضرورة إعداد المعلمين في بلادنا العربية والإسلامية على قيم تربوية صحيحة ويقول: المعلم في بلادنا الآن (ولا أعمم) أصبح قدوة سيئة أمام تلاميذه . . فهو إنسان منافق ومستغل، حيث يهمل في واجباته المدرسية لدفع تلاميذه إلى أخذ دروس خصوصية، وهو غير منضبط ولا يحترم قيمة الوقت، حيث يحضر دائماً متأخراً وينصرف قبل انتهاء الوقت المحدد له، وهو داخل قاعة الدراسة وخارجها يمارس سلوكيات غريبة وشاذة أمام تلاميذه . . فهو يدخن أمامهم ويمارس الكذب والغيبة والنميمة مع تلاميذه . . هذا المعلم لا يمكن أن ينقل قيماً تربوية صحيحة للأبناء . . بل هو على العكس يعلمهم كيف يكذبون ويغتابون وينمون ويدخنون ويحرضهم على الاستهتار بقيمة الوقت، وبالتالي هو يضرهم أكثر مما ينفعهم .

وهنا يؤكد د . بكر على ضرورة إحياء القيم الاسلامية الدافعة للرقي السلوكي في نفوس الصغار عن طريق المسجد والمدرسة بعد البيت، ويدعو إلى إعادة النظر في المناهج التعليمية والتربوية في مراحل التعليم كافة في بلادنا العربية والإسلامية وإلى إعادة النظر في الأسس والمبادئ التربوية التي يتم إعداد المعلمين على أساسها بحيث تستعيد القيم التربوية والحضارية مكانتها.