هي في مراحل عمرها المختلفة ليس لأحد من أولادها أن يقتحم عليها حياتها الخاصة، حيث يلزمهم الإسلام التعامل معها بأدب إسلامي رفيع وهو «الاستئذان»، فليس من حق أحد - ولداً أو بنتاً - أن يدخل على أمه مكان خلوتها وغرفة نومها من دون استئذان.
وهكذا تتنوع صيانة الإسلام بتشريعاته وآدابه وأخلاقياته لكيان المرأة كله وعالمها الخاص، وذلك كله من باب التقدير لها والحرص عليها لكي تعيش حياتها عزيزة كريمة لا يمتهنها أحد.
فما ملامح صيانة الإسلام لخصوصية المرأة وكيف أحسن الظن بها، وفرض على المتعاملين معها وخاصة زوجها الثقة بها؟
في البداية تؤكد، د.مهجة غالب، عميدة كلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بالأزهر، أن الإسلام كفل للبنت الاحتفاظ بخصوصياتها، خاصة عندما تصل إلى مرحلة المراهقة والوعي بشؤونها الخاصة، ولم يعط حتى للأم، وهي بطبيعة الحال أقرب الناس إليها في هذه السن، أن تطلع على عورتها، أو تتدخل في ما يخصها، ويقتصر دورها على تقديم النصائح والتوجيهات وخلاصة الخبرات والتجارب الشخصية لها.
حق الحضانة
وتضيف: هذا الإطار من حرص الإسلام على خصوصيات النساء يبدأ مع البنت- كما تقول د. مهجة- منذ نعومة أظفارها، فقد ألزم الإسلام والديها بالتعامل برقي معها في كل أمورها الشخصية، فلا تغيير لملابسها أمام أشقائها الذكور، ولا حديث في أمورها الشخصية التي تتغير حسب أطوار حياتها إلا مع أمها، أو بينها وبين شقيقاتها، وإذا ما تعرضت حياتها الأسرية لمشكلات وعواصف وانفصلت أمها عن أبيها أعطى الإسلام الأم حق احتضانها، حرصاً على خصوصياتها وتحقيقاً لمصالحها.
وسبب إعطاء الأم الحق في حضانة ابنتها وتولي رعايتها وتقديمها على غيرها أنها أعرف بتربيتها، وأقدر على حماية خصوصياتها، فلها من الحرص في هذه الناحية ما ليس للرجل، وعندها من الوقت ما ليس عنده، ولهذا أعطيت هذا الحق رعاية لمصلحة البنت.
ولما كانت النساء يشتركن مع الأم في القدرة على القيام بهذا العمل فقد قدمن في الترتيب عند إقرار حق حضانة الطفل، وقد لاحظ الفقهاء أن قرابة الأم تقدم على قرابة الأب، لأن الحضانة إذا كانت حقاً للأم دون الأب فقد اقتضى القياس أن تكون قرابة الأم مقدمة على قرابة الأب.
ويتقدم في الحضانة من النساء الأقرب، فالذي يليه، ويكون الترتيب على هذا النحو: الأم.. فإن وجد مانع يمنع تقديمها - كأن فقدت شرطاً من الشروط التي يجب توافرها في الحضانة- انتقلت الحضانة إلى أم الأم وإن علت، فإن وجد مانع انتقلت إلى أم الأب ثم إلى الأخت الشقيقة، ثم إلى الأخت لأم، ثم إلى الأخت لأب، ثم بنت الأخت الشقيقة، فبنت الأخت لأم، ثم الخالة الشقيقة.. فالخالة لأم فالخالة لأب، ثم بنت الأخت لأب، ثم بنت الأخ الشقيق، فبنت الأخ لأم، فبنت الأخ لأب، ثم العمة الشقيقة فالعمة لأم، فالعمة لأب، ثم خالة الأم فخالة الأب فعمة الأم فعمة الأب بتقديم الشقيقة في كل منهن.
والهدف من إعطاء الأم حق الحضانة خاصة للبنت واضح، وهو أنها الأقدر على رعاية أمورها الشخصية وحماية أسرارها والحفاظ على كيانها النفسي.
أسرار الزوجة
وعندما تنتقل البنت من بيت أسرتها الأولى مصونة الخصوصية إلى بيت زوجها الذي أباح له الشرع الحنيف أن يرى منها مالا يراه أحد، كفل لها الإسلام أيضاً قدراً كبيراً من الخصوصية، فليس من حق الزوج أن يعرف عن ماضي زوجته كل شيء، وليس له اقتحام عالمها النفسي الخاص، وليس له أن يجبرها على أن تروي له تجاربها العاطفية السابقة، ولا أن تكشف عن مشاعر الود التي تبادلتها مع آخرين لو كانت لها تجارب سابقة.
الفقيه الأزهري، د. حامد أبو طالب، أستاذ الشريعة الإسلامية، عضو مجمع البحوث بالأزهر، يؤكد أن الإسلام ألزم الزوج باحترام خصوصيات زوجته، وحماية أسرارها الخاصة لو باحت له بها.
ويضيف: لكن ينبغي أن نفرق في هذا الأمر بين زواج سابق أو خطبة سابقة معلنة لا يجوز إخفاؤها عن الزوج انطلاقاً من قيام العلاقة الزوجية على المصارحة والمكاشفة التي تحميها من العواصف في المستقبل، وبين تجارب ومغامرات عاطفية فاشلة تمر بها الفتاة قبل الزواج، كما يحدث مع كثير من الفتيات الراغبات في الزواج، فهذه الأسرار الخاصة بالفتاة من حقها أن تحتفظ بها لنفسها، بل من واجبها أن تفعل ذلك، حرصاً على صورتها في نظر من يرغب الزواج منها، وليس في ذلك غش ولا تدليس، فلكل إنسان تجاربه وماضيه، ولا يجوز أن يكشف عنه، خاصة إذا ما تيقن أو غلب على ظنه أنه سيلحق به الضرر.
ومن هنا يؤكد أستاذ الشريعة الإسلامية، أنه لا يحق للزوج أن يعرف ماضي زوجته حتى لو كان هذا الماضي يحتوي على تجاوزات أخلاقية مادامت قد تابت عنها توبة نصوحة، وفي المقابل لا يحق للزوجة أن تسأل زوجها عن ماضيه وعلاقاته السابقة مادامت هذه العلاقات قد قطعت ولم يعد لها وجود.
ولكن هل يجب على الفتاة المخطوبة أن تروي لخطيبها كل ما يتعلق بأسرار حياتها العاطفية السابقة، حتى تبدأ العلاقة الزوجية على أساس من المصارحة والمكاشفة؟ وكيف تتصرف الفتاة لو كانت في حياتها تجاوزات أخلاقية؟
يقول د. أبو طالب: الإسلام أمر بالستر على كل امرأة ارتكبت سلوكاً مخالفاً لقيم وأخلاقيات الإسلام، فالستر فضيلة إسلامية يجب الحرص عليها، وبالنسبة للفتاة المخطوبة، فإنه يجب الستر عليها إذا كانت قد أخطأت، وعدم إظهار أسرار قد تضرها في حياتها المستقبلية، أو كشف مستور قد لا يكون في مصلحتها.
واعتراف الفتاة بأسرارها يخضع لحالتين: إذا كانت قد ارتكبت بعض التجاوزات على سبيل الخطأ من دون قصد منها، كأن خدعها شخص وغرر بها وهي فتاة من أصل طيب ومن أسرة معروف عنها الخلق الكريم فلا داعي لكشف المستور، ولا يكون هناك غش وتدليس لأن الإسلام أباح الكذب في بعض الأحيان، وفي هذه الحالة يكون الستر واجباً، ولا تكون آثمة شرعاً.
لكن إذا كانت هذه الفتاة قد تربت على التجاوز الأخلاقي ويشاع عنها وعن بعض أفراد أسرتها هذا اللون من الانحراف، فيجب أن تفصح عما حدث لها لأنها إذا لم تكن صريحة ولم تظهر ما حدث لها من أشياء سابقة مثل الإجهاض، وإعادة «ترقيع» غشاء البكارة مثلاً، فإن هذا المتقدم لها سيعرف من أطراف وأشخاص آخرين، ومن الممكن أن يعود عليها إخفاؤها لهذه المعلومات بالضرر، وفي هذه الحالة تكون الفتاة آثمة شرعاً إذا لم تكشف عما تخفيه.
وهنا لا تكون الفتاة المخطوبة ملزمة برواية أسرارها لخطيبها قبل العقد عليها، لأنه قد ينصرف عنها وينقل ما روته له لآخرين فيفتضح أمرها بين الناس، وبعد العقد عليها يجب عليها ألا تفشي أسرارها وألا تندفع في الكلام عن تلك الأسرار، وإذا استحلفها الزوج تحلف كاذبة ولا تكون آثمة- كما يقول أستاذ الشريعة الإسلامية بالأزهر- لأنه يجوز الكذب في هذه الحالة حرصاً على العلاقة الزوجية واستقرار حياتها الأسرية، وعلى الزوج إلا يطلب منها كشف أسرارها.
الكذب المباح
وهل يجوز للزوجة أن تكذب على زوجها إذا ما طلب منها أن تروي له ماضيها العاطفي؟
يقول د. أبو طالب: ليس من حق الزوج التعرف إلى ماضي زوجته مادام قد انتهى، ومادام قد ارتضاها هو زوجة له، ولذلك فإن الزوجة ليست ملزمة بالكشف عن ماضيها لزوجها.
ويضيف: الإسلام ألزم الرجل بحماية سمعته وسمعة الأسرة كلها وسمعة زوجته التي اختارها شريكة لحياته، والحديث الشريف يقول: «والرجل راعٍ في أهله ومسؤول عن رعيته»، ومن الرعاية أن يراقب سلوك زوجته كما يراقب سلوك أولاده، لكن هذه المراقبة لها حدود حتى لا تنتج آثاراً سلبية، ومن حق الزوج أن يحاسب زوجته على ما ترتكبه من تجاوزات وهي في عصمته فقط، أما قبل أن ترتبط به فلا شأن له به، مادام قد ارتضاها زوجة له.
وقد يكون في إخبار الزوجة لزوجها عن تفاصيل ماضيها- خاصة إذا كانت لها علاقات بريئة قبل الزواج- ما يؤدي إلى الشك وسوء الظن ويصبح أي عمل يصدر عن الزوجة ولو كان عفوياً وغير مقصود مثاراً، للشك والخلاف، لذلك فإن إخفاء هذه الأمر- كما يقول د. أبو طالب - مرغوب شرعاً، والكذب فيه رخصة، وهذه الرخصة تجوز بشرط أن يكون الغرض منها المحافظة على الحياة الزوجية واستقرار الأسرة، وبشرط ألا يترتب على هذا الكذب أضرار بآخرين.
نصيحة داعية
وهنا تنصح الداعية الأزهرية، د. آمنة نصير، الأستاذة بجامعة الأزهر كل فتاة مخطوبة بعدم الانصياع لإلحاح خطيبها على أن تروي له تفاصيل ماضيها، وتقول: في حياة كل فتاة هفوات وليس من الحكمة أن يتعرف الخاطب إليها، وليس من المفيد لا للفتاة ولا لخطيبها الكشف عن ذلك.
وتضيف: لا يجوز أن تطلع الفتاة خطيبها على ما فعلته من تصرفات طائشة ارتكبتها قبل أن تعرفه مادامت قد توقفت عن هذه الأفعال، وقررت أن تخلص كل الإخلاص لمن يتقدم لخطبتها وارتضاها زوجة له، وإذا كان ستر الآخرين على المرأة المتجاوزة واجباً، فستر الفتاة على نفسها أوجب حيث يجب عليها هنا عدم إفشاء الأسرار الخاصة بها لأحد.
لكن إذا ما كانت الفتاة قد ارتكبت خطأ كبيراً، كأن فرطت في شرفها بعلاقة آثمة مع شاب أو تزوجت عرفياً وأخفت هذه الجريمة بعملية ترقيع لغشاء البكارة أو أهملت نفسها واستهترت واكتشف زوجها عند الدخول بها أنها ليست بكراً، كل هذه أخطاء ينبغي على الفتاة أو ولي أمرها أن يصارح بها من تقدم لخطبتها، لأن إخفاء هذه الأمور يدخل في باب الغش والتدليس.
أما إذا كانت الحياة الزوجية قد بدأت بالفعل فليس من الحكمة مصارحة الزوج بهذه التجاوزات أو الانحرافات التي تؤدي حتماً إلى هدم الحياة الزوجية.
وتنتهي د. آمنة إلى أن الإسلام لا يلزم الزوجة بكشف أسرار حياتها لزوجها، فما دامت علاقات المرأة ومشاعرها كانت بعيدة عن المحرمات فلا ينبغي كشفها بأي حال من الأحوال، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من أصاب من هذه القاذورات شيئاً فستره الله فهو في ستر الله فلا يكشف ستر الله عليه». والقاعدة الأساسية في شرعنا العادل أن من تاب تاب الله عليه، والإنسان الذي يقلع عن المعصية ويندم عليها ويستقيم على الفضيلة ويتجنب الرذائل ويتقي الشبهات، فعلى المجتمع أن يعينه على حياة الاستقامة والالتزام.