كثيرة هي مواقع الإنترنت التي يلجأ إليها البعض لقياس مستوى الذكاء العقلي المعرف اختصاراً ب IQ، أو قياس نسبة العاطفة والمشاعر تجاه الآخرين . ومن خلال اختبار وضعه علماء النفس، وخبراء الموارد البشرية . يجيب رواد تلك المواقع عما يزيد على أربعين سؤالاً . وبعدها تُعرض لهم نتيجة الاختبار مرفقة بنسبة الذكاء . إلى أي مدى تكون هذه الاختبارات دقيقة ومعبرة عن ذكاء الفرد العقلي أو العاطفي؟ . وهل تعني النتائج أن الحاصلين على درجات دنيا في تلك الاختبارات ليسوا أذكياء . أم أن بعض الحاصلين على درجات العبقرية لا يجدون طريقهم للنجاح، بسبب عوامل نفسية تؤثر في قدرتهم في استخدام ذكائهم . خاصة أن هناك أشخاصاً غيرت اكتشافاتهم البشرية، ولا يزيد مقدار ذكائهم عن الحدود المتوسطة؟ هل صحيح أن عدة أسئلة تمكن الخبراء من قياس درجات حب الفرد لوطنه وزوجته وأبنائه، أم أن تلك الاختبارات مجرد تكهنات لا يمكن من خلالها الحكم على الآخرين؟

قبل معرفة آراء المتخصصين في مواقع قياس الذكاء والأسئلة المطروحة على روادها، دخلنا أحد مواقع قياس الذكاء العاطفي وأجبنا بشكل ارتجالي عن أسئلتها، متعمدين عدم قراءتها، وكانت النتيجة كالتالي: كانت درجاتك من 30 إلى 45 ، ما يعني أنك شخص محبوب ومتوازن، إضافة إلى كونك شخصاً معروفاً وقائداً ومشهوراً . تتمتع بموقف عقلي إيجابي في أحلك الظروف، كما أن ذكاءك العاطفي أصبح أقرب من مساحة الأصل لزيادته، وهذه الدرجة تعنى أنك ربما تكون عملت كمدير، أو رئيس مجلس إدارة ، أو وزير ، أو مسؤول تسويق أو سياسي، أو عالم نفسي، أو مدرس، أو مندوب خدمة عملاء .

أما على أحد مواقع قياس الذكاء الشخصي فكانت النتيجة: قمت بحل الاختبار بسرعة فائقة وهذا إما يدل على العبقرية او التسرع، عدد الأسئلة بالاختبار: 50 سؤالاً والمجاب عليها 44 سؤالاً، عدد الإجابات الصحيحة ،8 والخاطئة ،36 والنتيجة النهائية81 نقطة، والتقييم العام لدرجة ذكائك جيدة وفي إطار الحد العام .

توجهنا بتلك النتائج إلى د . محمد سامح، استشاري الطب النفسي بمستشفى بلهول بدبي، الذي رأى أن اختبارات الذكاء الموجودة على مواقع الانترنت، يمكن الاستعانة بها على سبيل الاسترشاد . لكن دقتها تتفاوت بحسب عمر الخاضع للاختبار، إذ يعد السن من أهم العناصر المطلوبة منها . ويقول: وضعت بعض اختبارات الذكاء الموجود على الإنترنت من قبل مختصين في علم النفس والموارد البشرية، ويحمل بعضها درجات دقة عالية يمكن للمتخصصين الاهتمام بنتائجها، خاصة في ما يتعلق بنتائج الأشخاص البالغين . ويختلف الأمر عند قياس درجة ذكاء الأطفال، إذ يحتاج الاختصاصي النفسي إلى أدوات أخرى مثل الألعاب والأسئلة البسيطة، لأن أغلبهم يجهل القراءة والكتابة .

ويشير سامح إلى تأثير الخلفية البيئية بالسلب أو الإيجاب على الشخص الخاضع لاختبار الذكاء، وهي جوانب خفية يضعها المحلل النفسي في الحسبان بالتوازي مع النتيجة النظرية للاختبار، فكثير من تلك النتائج تتأثر بشكل كبير بالبيئة المحفزة أو المحبطة للذكاء، وهو ما يجب على المختص وضعه في عين الاعتبار .

من الناحية الطبية، يرى د . محمد مزعل، استشاري أمراض الدماغ والأعصاب، أن هذه الاختبارات أهدافها تجارية ونتائجها خاطئة، ولا يمكن للطبيب الاعتماد عليها من الناحية الأكاديمية .

ويقول: اختبار الذكاء IQ من الإجراءات الطبية المهمة، في تحديد نسبة الشيخوخة والخرف، وقياس قدرة الذاكرة، كذلك نلجأ لهذا الاختبار في حال وجود خلل في السلوك أو نقص في وظائف الدماغ .

ويتساءل: كيف يمكن للموقع مجهول الهوية، أو مؤسس من قبل متخصصين أن يقيس ذكاء الإنسان بدقة تتوقف عليها حياة إنسان، والأدوية التي ستوصف له؟

ويشير مزعل إلى عدم وجود آلية محددة للتعرف إلى نسبة ذكاء الإنسان، والحكم بالقطع على قدراته العقلية، على عكس الحالات المرضية .

ويلفت إلى قصص أشخاص غيرت اختراعاتهم البشرية، ولم يكملوا تعليمهم مثل مخترع المصباح الكهربي توماس إديسون . كما أن عالم الرياضيات أينشتاين، تأخر في النطق حتى الثالثة من عمره، ولو خضع إلى اختبار للذكاء في الثالثة لأظهر انه متخلف وبحاجة إلى مصحة .

أما د . حيدر النوري، اختصاصي المخ والأعصاب، فيرى أن بعض هذه الاختبارات تعطي صورة لا بأس بها عن مستوى ذكاء الفرد، لاسيما أن بعضاً منها يتبع الخطوات الأكاديمية في التقييم، لكن أغلبها لا يعطي صورة مكتملة عن مستوى نشاط الدماغ، وبالتالي لا تتمتع بالدقة الكافية للحكم على الشخص . ويقول: هناك العديد من الاختبارات العلمية والمتعارف عليها بين المتخصصين، ومن بينها طريقة الأسئلة المعدة سلفاً، التي تسمح للمحلل النفسي الوقوف على مستوى الذاكرة والتركيز والانفعال، لكن ذلك لا يغني بالمرة عن الفحص الطبي المتخصص للوقوف على قصور وظائف الدماغ .

ويفرق النوري بين اختبار الذكاء المعروف اختصاراً IQ والاختبارات النفسية التي تحلل الشخصية والانفعالات العاطفية .

ومن الناحية المهنية، يرى سهيل البستكي، خبير الموارد البشرية، أن نتائج اختبارات الذكاء الموجودة على الإنترنت، لا تتمتع بالدقة العالية التي تُمكن المؤسسة أو الشركة من الحكم بشكل نهائي على موظفيها . وأنها لا تغني عن المقابلة الشخصية التي يتعرف من خلالها مسؤول الموارد البشرية إلى الموظف عن قرب .

ويقول: هناك الكثير من الهيئات التي تعتمد الاختبارات النظرية المبنية على مواقف مدروسة، وتقيس درجة ذكاء الموظف وقدرته على التصرف في المواقف الوظيفية . لكن مثل هذه الاختبارات تكون إحدى مراحل التقييم وليست بطاقة تؤهل المترشح للحصول على الوظيفة .

ويؤكد البستكي تأثير الحالة المزاجية للشخص على نتائج تلك الاختبارات، وهو ما تراعيه إدارات التطوير المتخصصة في الهيئات الحكومية والخاصة، إذ تعقد اختبارات دورية لموظفيها بواقع مرتين في أسبوع واحد، وأن التباين في النتائج يعكس تأثر الموظف بعوامل بيئية ومجتمعية تشتت تركيزه وتحد من تعاطيه مع الاختبار . ويضيف: ينصح خبراء الموارد البشرية لجان اختيار الموظفين بعدم التعويل على اختبارات الذكاء المسبقة، لأنها لا تعكس كل الحقيقة عن قدرات الموظف التي تظهر بشكل كبير خلال المقابلة الشخصية .

لا تحكمها قاعدة ثابتة

حقيقة اختبار الذكاء (IQ Score) هو عدد من الأسئلة الموضوعة تهدف إلى معرفة القدرات الذهنية التي يمكن أن يستخدمها الإنسان لحل المسائل والحصول على المهارات والمعرفة . واختبار الذكاء يستطيع قياس بعض هذه القدرات الذهنية، لكنه يعطي فكرة جيدة عن الطاقات الأخرى غير القابلة للقياس . والدرجة العالية من الذكاء ليست ضماناً ومؤشراً أكيداً على أن الشخص سيحقق سعادته، وتوازنه الذهني، ونموه الروحي وانجازات كبيرة في حياته . ودرجات الذكاء الدنيا ليست أيضاً مؤشراً على أن الشخص لن يكون ناجحاً وسعيداً .

ويوجد أشخاص يحملون درجات عالية من الذكاء في مختلف مناحي الحياة ويعملون في مهن عادية وبسيطة . كما يوجد علماء وباحثون بدرجات عادية من الذكاء .

وأغلب أنشطة الحياة لا تتطلب أكثر من درجة الذكاء 50 ، رغم أن الشخص الذي لديه 50 فقط يعتبر من الصعب عليه أن يتابع التحصيل العلمي من دون مساعدات خاصة، وتدل الإحصاءات على أن 75% من البشر لديهم أكثر من هذا، ويجب الإشارة إلى أن الشخص الذي لديه درجة ذكاء بين 50 و68 يمكن ان يقود سيارة، وان يؤدى 71% من كل المهن، وفي الأغلب يكون قادراً على عيش حياة سعيدة وناجحة . وعرف تاريخ الإنسانية الكثير من الأشخاص الذين لم تكن لديهم إلا درجات متواضعة من الذكاء، ولكنهم كانوا من أهم المساهمين في بناء الحضارة . ويذكر التاريخ رجالاً عباقرة كانوا غير قادرين على حل مسألة كيف تكون إنساناً، وملأوا الدنيا بويلات الحروب .

وفي النهاية اعمل ما عليك أن تفعله بأفضل ما تستطيع، فهذا هو المعيار الحقيقي لنجاحك، حسب نصائح الخبراء .