"اختلال الهوية".. اضطراب يغير شخصيتك وملامحك

01:08 صباحا
قراءة 6 دقائق

كانت تمسك بيد ابنتها وهما يسيران على الرصيف، وفجأة شاهدت الابنة شيئاً لفت انتباهها بشدة، فما كان منها إلا أن أفلتت يدها وانطلقت تعدو على طريق السيارات، وفي هذا الوقت وقفت وهي في حالة ذهول، إلا أن السيارة المسرعة توقفت قبل أن تدهس هذه البنت. وعادت إلى بيتها تمارس حياتها بالشكل الذي اعتادت عليه، إلا أن هناك شعوراً لازمها إلى ما يزيد عن السنة، منذ هذا الحادث، والذي تصفه بأن هناك تغييراً كبيراً في نفسها وشكلها.

يصل الأمر معها أحياناً إلى أنها تستغرب شكل وجهها في المرآة، وكذلك شكل يديها ورجليها؛ بل إنها تتخيل أن صوتها عندما تتكلم لا تشعر أنه صوتها، وتشعر بأنها صارت تعيش وتتعامل مع الناس بشكل آلي، والسؤال الذي يشغل بالها كيف تتخلص من هذا الشعور المؤلم؟

ويعرف الأطباء هذه الحالة بأنها اضطراب الآنية أو اختلال الهوية، ويستطيع المصاب بهذا الاضطراب أن يدرك ويميز أعراض الاضطراب، بل وينزعج منها أيضاً.

ونتناول في هذا الموضوع مشكلة اضطراب الآنية بكل تفاصيله، مع بيان العوامل والأسباب التي تؤدي إلى هذه الحالة، وكذلك أعراضها التي تميزها عن غيرها من الأمراض المتشابهة، ونقدم طرق الوقاية الممكنة وأساليب العلاج المتبعة والحديثة.

إحدى حالات القلق

تتضمن أعراض اضطراب الآنية، شعور المريض بأن هناك تغيراً في شخصيته، أو تغيراً في بعض أجزاء من الجسم، ويتولد لديه إحساس بأنه ليس الشخص الذي يعرفه، إلا أنه لم يصبح شخصاً آخر، أو أنه خرج من جسمه ويراقب نفسه من الخارج، وذلك كما ذكر موقع «ويب مد».

ويمكن أن تشمل أعراض هذا الاضطراب إحساساً بالغربة وتجمداً في المشاعر، وأن أفعاله أصبحت وكأنها آلية، أو أنه في حلم، ومنفصل عن جسمه وعما يدور حوله من الحياة.

ويعد اضطراب الآنية حالة من حالات القلق النفسي، والتي تتسبب بشعور المصاب بأحاسيس غريبة وصعبة بالنسبة له، غير أنه لا يصل إلى حد المرض النفسي، وإنما هذه مجرد ظاهرة.

ويمكن أن يأتي هذا الاضطراب مصاحباً لأمراض نفسية أخرى، مثل الاكتئاب النفسي الحاد، أو أن يصاحب اضطراب الوسواس القهري.

ويعاني بعض مصابي الفصام الذين لديهم درجة معقولة من الإدراك، مما يمكن أن يطلق عليه اضطراب الآنية، وذلك في بعض الأحيان.

نفسية وبيولوجية

يجهل الأطباء والأخصائيون أسباب الإصابة باضطراب الآنية بشكل دقيق، وتوجد نظريات نفسية وأخرى بيولوجية تحاول كشف سبب استمرار الأعراض عند البعض دون الآخرين.

ونشر موقع «مديكال نيوز توداي»، أن أحد الأسباب الرئيسية للإصابة بهذه المشكلة هو التعرض لنوبات القلق أو الخوف الشديد أو الصدمة، أو الشعور أن الموت يهدد الشخص أو ابنه، إلى الإصابة بأعراض اضطراب الآنية، ومن الممكن أن تكون عابرة أو تستمر لفترة من الزمن.

وكانت الدراسات الحديثة، قد أثبتت أن بعض هذه الأعراض، تكون استجابة إنسانية طبيعية لأي خطر محدق يتعرض له الشخص، أو شخص مقرب وعزيز لديه.

ويمكن أن يرجع إلى توفر استعداد معين يؤدي إلى الإصابة بهذا الاضطراب، وربما كان لدى البعض حساسية أكثر لتلقي علامات الخطر.

استجابة انفعالية

ترجع النظريات البيولوجية والنفسية بداية ظهور أعراض اضطراب الآنية إلى استجابة انفعالية طبيعية للشخص، وبالتالي تتسبب بقلق بشكل أو بآخر، وهو ما يصاحبه فقد لطعم المشاعر.

ويؤدي إلى هذه المشكلة عدم توفر خبرة سابقة أو أنها غير متكررة، وإذا أصبحت الخبرة مستمرة فيتولد قلق لدى صاحبها، ويتسبب القلق مع محاولات استبطان ما في الوجدان إلى أن مشاعر التغير وفقدان الألفة والاستغراب تزداد.

وأظهرت تقنيات التصوير الحديثة الوظيفي للمخ، أن هناك دليلاً موضوعياً على استجابة غير طبيعية في المخ، والتي تتماشى مع تقارير المصابين باضطراب الآنية.

وتشير هذه التقارير إلى أن هناك فقداناً لصدى المشاعر، أو ما يعرف بانغلاق الوجدان، والمناطق المسؤولة عن ذلك هي مناطق المخ قبل الجبهية.

وتثبط هذه المناطق بعض أنحاء الجهاز الحوفي، وبخاصة اللوزتين، إضافة إلى تأثير متبادل للجزء الظهري الجانبي الأيمن للقشرة المخية، والقشرة الحزامية الأمامية.

علاقة عكسية

يعد دور الأخيرة مهماً في تنظيم الاستجابة الانفعالية، وبحسب هذه الدراسات فإن الأدلة تؤكد أن مناطق القشرة المخية قبل الجبهية لها دور في تقليل الاستجابة الطبيعية للمصابين باضطراب الآنية، غير أن التفاصيل التشريحية الدقيقة لا تزال مجهولة.

وتظهر الدراسات، أن هناك علاقة عكسية بين حدة الأعراض ونقص هرمون النورأدرينالين في البول، في حين أن مستوى هرمون الكورتيزون أظهر نتائج متضاربة.

ويعزو كثير من الأطباء النفسيين وعلماء النفس الخلل الرئيسي في اضطراب الآنية إلى حدوث خلل في وظيفة الإدراك، وهو أكثر الآراء انتشاراً، في حين أن البعض يرجع هذا الاضطراب إلى خلل في وظيفة العواطف.

وكانت الدراسات التي أجريت، أثبتت أن هذا الخلل يعد أهم عامل ونقطة بدء حدوث اضطراب الآنية، وأيضاً لأن ارتباطه قوي للغاية بالحالة الوجدانية وصفات الشخصية، بصرف النظر عن معطيات الحالة الإكلينيكية.

خلل الذاكرة

يرى آخرون أن المشكلة تنتج عن وجود خلل في وظيفة الذاكرة، فربما كان هناك نشاط مفرط لها بالمقارنة مع الذات التي تتغير كل لحظة، ومنهم من يرجعها إلى مراقبة الذات واستنباطها حول التفاصيل التافهة.

ويرى المعرفيون أن اضطراب الآنية يكون مرتبطاً باضطرابات القلق بشكل أكبر من ارتباطه بالاضطرابات الانشقاقية، وبصرف النظر عن أسباب خبرة اختلال الآنية، فإن هذه الخبرة المستمرة، والتي يفسرها المريض بأنها مهددة له، وبالتالي يسمى هذا التفسير بالتفسير الكارثي، ويتسبب هذا التفسير في أن الأفكار والسلوكيات يمكن أن تزيد حدة وصعوبة الأعراض وبالتالي استمرارها.

غريب عن نفسه

يختبر المصاب باضطراب الآنية، أو ما يعرف بالغربة عن الذات مجموعة من المشاعر، والتي من الممكن أن تكون جزءاً من أعراض القلق أو الاكتئاب أو أمراض نفسية أخرى.

ويمكن أن يحدث هذا الاضطراب بشكل منفرد، وفيه يشعر المريض بأنه أصبح غريباً عن نفسه، سواء أكان في الشكل أو المشاعر، وهو ما يعني أنه لا يدرك ذاته بالصورة المعتادة.

ويشعر كذلك أن العالم تغير، إلا أنه لا يتمكن من تحديد نوعية هذه التغيرات بشكل واضح، ويصبح داخله حالة من الفراغ، ولا يتفاعل مع المحيطين من أفراد الأسرة أو الزملاء بالشكل الذي يريده.

أصعب شيء

يعاني المصاب كذلك من القلق البسيط، ويعد أصعب ما في هذه المشاعر أنه يدرك بشكل تام هذه التغيرات، غير أنه لا يعرف طريقاً للتصرف معها.

ويمكن أن تقتصر أعراض اضطراب الآنية على تشوهات في الإدراك البصري، وهو ما يؤدي إلى أن تطغى هذه الأعراض على شكوى المريض، وبالتالي يلجأ إلى إحدى تخصصات الطب العضوي.

ويعد المثال على ذلك أن يرى المصاب الألوان أقل حيوية، أو أن الأشياء المسطحة بلا عمق، أي ثنائية الأبعاد، ويلجأ لذلك إلى أحد أطباء العيون، أو أن المصاب يسوقه تركيزه إلى أنه لا يشعر بنسمة الصباح، فيعرض نفسه على طبيب أنف وأذن وحنجرة، وهكذا.

دوائي ونفسي

يشمل علاج اضطراب الآنية بعض العقاقير وعلاجاً نفسياً سلوكياً، ومن هذه العقاقير مضادات القلق والصرع، وتعد هذه العقاقير الأكثر استخدماً، ولا تحتاج إلى وصفة طبية للتعامل مع أعراض هذا الاضطراب. ويلجأ كثير من المصابين إليه، وذلك عندما لا يتوفر علاج نفسي صحيح بشكل ميسر، ولا تزال هناك محاولات لاستخدام مضادات الأفيون، على الرغم من أن نتائجه غير مؤكدة.

وتشير بعض التقارير إلى أن التحليل النفسي يعد علاجاً ناجحاً، في حين أن تقارير أخرى تشير إلى فائدة العلاج السلوكي، والتي تعد الأنجع.

ويقوم العلاج السلوكي بعمل تعريف جيد للمريض، وأعراض المرض، وبالتالي تغيير تفسير هذه الحالة لدى المصاب، وترسخ قناعة لديه بأن هذه الأعراض غير مضرة وغير مستحيلة التجاهل، إضافة إلى تعديل سلوكيات الاستبطان الوسواسي، أو فحص الجسم والذات المتكرر.

ويلجأ الطبيب أو المعالج النفسي إلى بعض تمارين الاسترخاء، وتعطي طرق الجمع بين العلاج بالعقاقير والعلاج المعرفي السلوكي أحسن نتائج، مع مراعاة أن لكل حالة خياراتها العلاجية.

سن العشرين

أظهرت دراسة جديدة أن متوسط سن الإصابة باضطراب الآنية 20 عاماً، وذلك على الرغم من أن عينة المبحوثين أكدت أن الأعراض ظهرت لديهم في ال 16 من عمرهم.

وبينت الدراسة أن أعراض الاضطراب تكون في البداية على شكل نوبات قصيرة متقطعة، وتدريجياً تصبح أطول وأشد قوة وإرباكاً وإزعاجاً.

وتزيد بعض الأمور التي يحتك بها المريض من سوء الأعراض، ومن ذلك الغيوم والإضاءة الصناعية، في حين أن التريض يمكن أن يقلل من حدتها.

وتشير الدراسة إلى أن متوسط المدة التي يعاني فيها المريض من هذه الأعراض حتى يتم تشخيصه بشكل سليم نحو 12 سنة، ويرجع ذلك إلى قلة الوعي بهذا الاضطراب، سواء لدى الطبيب العضوي أو حتى الطبيب النفسي.

ووفقاً لتقرير «ميند» - وهي مؤسسة خيرية للصحة العقلية مقرها المملكة المتحدة - يمكن أن يكون الانفصال استراتيجية للتهدئة، لمساعدة الشخص في التغلب على أوقات التوتر.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"