مباحث في البلاغة وإعجاز القرآن الكريم للدكتور محمد رفعت زنجير، هو الكتاب الثاني من سلسلة الدراسات القرآنية التي تصدرها جائزة دبي الدولية للقرآن الكريم.ويتألف من تمهيد وخمسة فصول، يسير فيها الباحث مع التسلسل التاريخي لعلم البلاغة وما رافقه من حديث موسع في إعجاز كتاب الله، وهو عرض تاريخي ممتع، يحاول ان يجمع لنا أبرز ما كُتب، ويقدم أشهر مَن كَتب في هذا الميدان الجليل: البلاغة وإعجاز القرآن.

يقول المؤلف عن سبب تأليفه الكتاب: لما كثرت الأقوال والجهود في هذا الباب، وكان في الكتب المؤلفة في هذا الباب تكرار وتطويل، وحشو وتداخل، أحببت أن ألخص ما قيل في هذا الباب، وأن أرتبه وأهذبه مراعيا المنهج التاريخي، وذلك ليكون ركيزة لمن أراد أن يضيف جديدا في باب البلاغة والإعجاز، فلا جديد لمن لم يعرف القديم، إذ قد يقول المرء برأي يظنه جديدا وقد قيل قبله بألف عام أو يزيد، وعليه فمن أراد أن يبني جديدا في ميدان العلم فلا بد له أن يلم بما قيل قبله أولا لكي لا يقع في التقليد - من حيث لا يدري - وهو يظن نفسه قد أتى بجديد، مع أن تأكيدنا على أن ميدان التجديد في علم البلاغة عامة، وعلم معرفة وجوه الإعجاز خاصة، هو بحر زاخر، يستطيع المرء في كل زمان ومكان إذا أوتي آلات علم التفسير واللغة، وكانت لديه معرفة وإلمام ببقية العلوم، ورزقه الله الموهبة والصبر، يستطيع أن يأتي بالجديد النافع بإذنه تعالى.

ولما كان تاريخ البلاغة مرتبطاً بالإعجاز كبقية علوم العربية من نحو ونقد وأدب، فقد رأيت دمج التاريخين في بحث واحد، أسوة بما فعله بعض الفضلاء في هذا الباب ومنهم الدكتور شوقي ضيف رحمه الله، وإنما فعلوا ذلك لأن تاريخ البلاغة والإعجاز واحد، وهو يدخل كله ضمن الحياة الثقافية للأمة الإسلامية، فقد كان علماء البلاغة من علماء الدين، ولم يكن ثمة فصل بين العلوم كما هو الحال في عصرنا.

تمهيد الكتاب يضم تعريفاً بما يلي: المعجزة لغة واصطلاحاً، أنواع المعجزات، علم الإعجاز وصلته بالبلاغة، صلة علم التفسير بالبلاغة، علوم التفسير، معنى السورة والآية، تعريف الفصاحة والبلاغة، مراتب البلاغة.

والفصل الأول يحمل عنوان البلاغة في مرحلة ما قبل التدوين، ويقصد بها الفترة التي تمتد من العصر الجاهلي حتى نهاية القرن الثاني الهجري.

ويتألف هذا الفصل من أربعة مباحث: البلاغة في العصر الجاهلي، والعصر الإسلامي، والعصر الأموي، والعصر العباسي.

ويبين لنا أن أهم وجوه الإعجاز عند القدماء هي: الإعجاز بالصرفة، والإعجاز اللغوي والبياني، والإعجاز بالإخبار عن الغيوب، والإعجاز العلمي، ووجوه أخرى من الإعجاز مثل الإعجاز الخلقي والتشريعي والنفسي والصوتي والقصصي وغير ذلك.

رحلة تاريخية

أما الفصل الثاني فهو مرحلة التدوين والتأسيس والإبداع للبحث في البلاغة والإعجاز وهو الزمن الممتد من القرن الثالث حتى القرن السادس الهجري.

ويتألف هذا الفصل من خمسة مباحث:

المبحث الأول: مدرسة الجاحظ المؤسس الأول للبيان والبلاغة والإعجاز

المبحث الثاني: مدرسة الباقلاني المؤسس الثاني للإعجاز

المبحث الثالث: مدرسة الشيخ عبد القاهر المؤسس الثاني للبلاغة

المبحث الرابع: مدرسة التطبيق في البلاغة والإعجاز: الزمخشري

المبحث الخامس: جهود مختلفة لأعلام في البلاغة والإعجاز

ونجده في هذا المبحث الأخير يحملنا في رحلة تاريخية علمية مع كبار أعلام العربية ممن كانت لهم جهود لا تنسى في ميدان البلاغة والإعجاز، وكان أبرز الأعلام الذين تحدث عنهم منوها بجهدهم وأبحاثهم: الفراء، أبو عبيدة معمر بن المثنى، النظام، ابن قتيبة، المبرد، ابن المعتز، قدامة بن جعفر، إسحاق بن إبراهيم بن سليمان بن وهب، ابن طباطبا، الآمدي، الرماني، المرزباني، الخطابي، القاضي الجرجاني، أبو هلال العسكري، الشريف الرضي، القاضي عبدالجبار، أبو منصور الثعالبي، ابن رشيق القيرواني، ابن سنان الخفاجي، محمد بن حيدر البغدادي، ضياء الدين ابن الأثير، أسامة بن منقذ.

كما ذكر في هذا الفصل بعض الذين صنفوا كتباً تناولت موضوعات ذات صلة بالبلاغة والإعجاز مثل: سيبويه، علي بن حمزة الكسائي، الأخفش الأوسط، أبو عبيد القاسم بن سلام، عبدالله محمد بن زيد الواسطي، أبو سعيد السيرافي وغيرهم.

الجمود والصدى

الفصل الثالث من كتابنا يحمل اسم مرحلة الجمود والصدى أي التكرار، وتقع هذه المرحلة في الفترة الزمنية الممتدة من بداية القرن السابع حتى نهاية القرن الثاني عشر الهجري وهي مدة دخول التتار بغداد، ويتألف من خمسة مباحث:

المبحث الأول: مدرسة السكاكي التقعيدية

المبحث الثاني: مدرسة الخطيب القزويني الاتباعية

المبحث الثالث: مدرسة الإمام الطيبي الإحيائية

المبحث الرابع: مدرسة السيوطي الجامعة

المبحث الخامس: جهود مختلفة لأعلامٍ في البلاغة والإعجاز

ويذكر من أصحاب هذه الجهود المتنوعة: الرازي، ابن أبي الإصبع المصري، عز الدين بن عبدالسلام، القرطبي، حازم القرطاجني، القاضي البيضاوي، محمد بن علي الجرجاني، يحيى بن حمزة العلوي، أبو حيان الأندلسي، الزركشي، أبو السعود العمادي.

مرحلة النهضة الحديثة

الفصل الرابع يتناول مرحلة النهضة الحديثة وهي المرحلة الممتدة من القرن الثالث عشر الهجري إلى اليوم، ويشمل خمسة مباحث، هي:

المبحث الأول: مدرسة الرافعي المؤسس الثالث لعلم الإعجاز

المبحث الثاني: مدرسة الذوق والبلاغة محمد الطاهر بن عاشور

المبحث الثالث: مدرسة الأدب والتصوير الفني: سيد قطب

المبحث الرابع: اتجاهات جديدة في البلاغة، ويذكر فيها ما يلي:

1 - دراسات كلاسيكية في حلة جديدة: جواهر البلاغة لأحمد الهاشمي، علوم البلاغة للمراغي، البلاغة الواضحة لعلي الجارم ومصطفى أمين، معجم البلاغة العربية للدكتور بدوي طبانة.

2 - دراسات بلاغية وفق منهج جديد، مثل عائشة عبدالرحمن في التفسير البياني للقرآن الكريم، ومن بلاغة القرآن لأحمد بدوي.

3 - جدل حول مآخذ على درس البلاغة العربية ودفاع عن البلاغة.

4 - كيف نطور مباحث البلاغة العربية؟

المبحث الخامس: جهود واتجاهات متعددة في الإعجاز، ويقسمه إلى أربعة أقسام كما يلي:

القسم الأول: علماء مفكرون، ويذكر منهم:

محمد عبدالعظيم الزرقاني في كتابه مناهل العرفان في علوم القرآن.

محمد عبدالله دراز في كتابه النبأ العظيم: نظرات جديدة في القرآن.

أمين الخولي وجهود متنوعة في أبحاث متعددة.

محمود شاكر في كتابه مداخل إعجاز القرآن.

بنت الشاطئ والإعجاز البياني.

محمد متولي الشعراوي في كتاب معجزة القرآن.

الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي في كتابه من روائع القرآن تأملات علمية وأدبية في كتاب الله عز وجل.

القسم الثاني: كتّاب وباحثون أكاديميون، ويذكر منهم:

عبدالكريم الخطيب في كتاب إعجاز القرآن - الإعجاز في دراسات السابقين - دراسة كاشفة لخصائص البلاغة العربية ومعاييرها.

الدكتور حفني شرف في كتابه إعجاز القرآن الكريم البياني بين النظرية والتطبيق.

الدكتور محمد أحمد يوسف قاسم في كتابه الإعجاز البياني في ترتيب آيات القرآن الكريم وسوره.

الدكتور محمد الأمين الخضري في كتابه الإعجاز البياني في صيغ الألفاظ دراسة تحليلية للإفراد والتثنية والجمع في القرآن.

محمود السيد حسن مصطفى في كتابه الإعجاز اللغوي في القصة القرآنية.

الدكتور فتحي أحمد عامر في كتابه بلاغة القرآن بين الفن والتاريخ: دراسة تاريخية فنية مقارنة.

الدكتور صلاح عبدالفتاح الخالدي في كتابه البيان في إعجاز القرآن.

الدكتور حسن عتر في كتابه بينات المعجزة الخالدة.

نعيم الحمصي في كتاب فكرة إعجاز القرآن منذ البعثة النبوية حتى عصرنا الحاضر مع نقد وتعليق.

الدكتور عبدالعزيز عبدالمعطي عرفة في كتابه قضية الإعجاز القرآني وأثرها في تدوين البلاغة العربية.

الدكتور مصطفى مسلم في كتابه مباحث في إعجاز القرآن.

الدكتور رشاد محمد سالم في كتابه مع القرآن الكريم في إعجازه اللغوي.

الدكتور محمود السيد شيخون في كتابه الإعجاز في نظم القرآن.

الدكتور صلاح الدين محمد عبدالتواب في كتاب النقد الأدبي دراسات نقدية وأدبية حول إعجاز القرآن.

الدكتور عود الله منيع القيسي في كتاب سر الإعجاز في تنوع الصيغ المشتقة من أصل لغوي واحد.

الطبيب الشيخ محمد أبو اليسر عابدين في كتاب الإيجاز في آيات الإعجاز.

عفيف طبارة في كتاب روح الدين الإسلامي.

القسم الثالث: دراسات في الإعجاز العلمي: ويتعرض فيه لبعض ما يتعلق بالحساب والأعداد، وما يتعلق بالطب، والكون والعلوم، ونحو ذلك مما ذكر في كتاب الله بإشارات سريعة، وأثبت العلم الحديث ما أشار إليه القرآن قبل أربعة عشر قرنا من الزمن.

القسم الرابع: دراسات في وجوه مختلفة من الإعجاز، ويعرض نماذج لكتب ومؤلفين، يذكر منهم:

الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم - الدكتور علي أحمد محمد بابكر.

الإعجاز الفكري في القرآن الكريم - الدكتور السيد الجميلي.

إعجاز القرآن الكريم وصدق السنة في العلوم القانونية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والفلسفية - الدكتور محمد عبدالحليم.

تيسير البيان عن إعجاز القرآن - الدكتور محمود أحمد الزين.

القرآن الكريم هدايته وإعجازه في أقوال المفسرين: محمد الصادق إبراهيم عرجون.

الكتب المقدسة على ضوء المعارف الحديثة - البروفيسور موريس بوكاي.

كشف الأسرار النورانية القرآنية فيما يتعلق بالأجرام السماوية والأرضية والحيوانات والنباتات والجواهر المعدنية - محمد أحمد الاسكندراني.

دفاع عن البلاغة

ونتوقف مع الفصل المسمى بجدل حول مآخذ على درس البلاغة العربية الذي يعرض فيه المؤلف بعض هذه المآخذ كالتي قال بها الدكتور شوقي ضيف من أن مبحث البلاغة عند العرب قاصر وجزئي مقارنة بالبلاغة الأوروبية، وكأقوال الأستاذ أحمد الشايب من أن علم البلاغة قاصر في الأساليب كما هو قاصر في الفنون الأدبية، ونعى آخرون على البلاغة العربية وقوفها عند الجملة دون النص، وآخرون رأوا أن ثمة مباحث خارجة عن وظيفتها الأساسية قد أُدخلت فيها، وأنها امتزجت بالمباحث الفلسفية أحياناً.

بعد هذا العرض السريع يقدم المؤلف دفاع الفريق الذي يقف في صف البلاغة ويرد عنها ما يُوجه لها من اتهامات بالقصور ونحوه، ثم يقول: الموقف العلمي السليم أن ننظر إلى العلوم بعامة، ومنها البلاغة، على أنها تنمو وتتطور عبر التاريخ، فلا نقدس التراث كما يعمل سدنته، ولا نرميه في البحر كما يريد أعداؤه، ولكن ننظر إليه بعين فاحصة، ونعطي للأوائل حقهم من السبق والتأسيس والتمهيد للعلوم، ونسمح للمتأخرين بتطوير ما شيده الأوائل وإكماله لا هدمه، فالبلاغة حين التفتت للجملة ولم تهتم بالنص كما زعموا؛ كانت بنت عصرها، ويمكن أن تدرس هذا اليوم دراسة تاريخية مستقلة كعلم قائم بذاته للطلبة المتخصصين باللغة العربية، ويمكن أن تدرس مباحثها ضمن علم الأسلوب للطلبة بشكل عام، يضاف إليها بقية مباحث علم الأسلوب. ونحن نؤمن بتطور العلوم عبر التاريخ، ونرفض نظرية الصراع بين القديم والجديد في تاريخ العلوم، كما نؤمن بوحدة الثقافة الإنسانية والتراث الإنساني فلا ضير من التأثير والتأثر، شريطة ألا نجور في أحكامنا النقدية فنعزو كل إبداع إلى التأثر بالآخرين متناسين دور العبقرية الإنسانية في التوليد والتجديد والاختراع.

رؤية تطويرية

وبعد هذا الموقف العلمي نجد الباحث يتطرق إلى قضية عملية حين يعطي الواقع حقه فيسأل: كيف نطور مباحث البلاغة العربية؟

فيعرض أولا بعض آراء المعاصرين في هذا التطوير، ويرى بعضها قليل الموضوعية شديد الجرأة، لم يصب الهدف المرجو، ثم يعرض نظرته في تطوير البحث البلاغي وأساليب عرضه على الطلبة في جامعاتنا ومعاهدنا العلمية، ويقدم بعض المقترحات منها:

1 - التخفيف من التقسيمات الكثيرة، والمصطلحات العقيمة، فيكفينا في بحث الاستعارة مثلا ما كان عليه اللغويون والمفسرون الأوائل، وهو أن نطلق مصطلح الاستعارة دون الدخول في التقسيمات الكثيرة، وهي تقسيمات لا تسمن ولا تغني من جوع، بل هي ترهق ذهن الطالب، وتفسد حسه الفني أحياناً.

2 - ربط علم البلاغة بالكتاب والسنة من أجل تشجيع الطلاب على دراسته.

3 - الاستفادة من البحث البلاغي لدى الأوروبيين، فالحكمة ضالة المؤمن.

4 - ربط البلاغة بالواقع باستخدام أمثلة معاصرة بدلا من الأمثلة القديمة المستهلكة.

5 - الفصل بين البلاغة والمباحث اللغوية والفلسفية المقحمة عليها.

وفي خاتمة كتابه يوجز ما عرضه ثم يقول: وقد توصلنا من خلال هذه الدراسة إلى ما يأتي:

أن علم البلاغة قام لخدمة علم إعجاز القرآن الكريم، وقام العلمان معا - أساسا - خدمةً لعلم التفسير، فهذان العلمان نشأتهما بسبب الدين، كما هو حال بقية علوم الآلات.

هنالك جهود كبيرة بذلتها الفرق الإسلامية؛ من المعتزلة والسنة وغيرهما من أجل خدمة البلاغة والإعجاز

كان هنالك ضبابية في المنهجية العلمية خلال تناول هذه العلوم لدى بعضهم، ونحن ندعو إلى منهجية علمية محددة في دراسة مثل هذه العلوم، تكون بعيدة عن العصبية للرأي والمذهب، وتتميز بالشفافية؛ فتنتصر للحق، وتبتعد عن المزاجية والهوى، والنظرة الجزئية للعلوم.

مرت هذه العلوم بمراحل متعددة من الازدهار والجمود عبر التاريخ الإسلامي.

لا بد من بذل مزيد من الجهود خدمة لهذين العلمين: البلاغة والإعجاز، في العصر الحديث.

يحسن الاستفادة مما توصلت إليه العلوم الإنسانية والطبيعية لدى الأمم الأخرى في تطوير مباحث البلاغة وعلم الإعجاز.

إن الحفاظ على عقيدة الأمة وهويتها مرتبط بالحفاظ على علوم اللغة والدين، ومن جملتها هذين العلمين الجليلين.

ينبغي تبسيط مباحث هذين العلمين للطلبة والناشئين حتى يقبلوا على تعلمها.