لا يوجد حديث يشتهر على الألسنة بين الناس في كل بلاد الإسلام مثل هذا الحديث، كما أنه لا يوجد كذب أكبر على رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الكذب.
والعجيب أن أئمة المساجد والخطباء والمثقفين، يستشهدون بهذا الحديث، في أثناء عرض خطبهم ومقالاتهم، وكأنه لا يوجد شيء آخر في فضل العلم وفي فضل الصبر على طلبه غير هذا الحديث.
والحديث المشهور هذا على الألسنة الذي رواه ابن عدي والبيهقي، يروونه مرة بعبارة: اطلبوا العلم ولو في الصين، ومرة أخرى بعبارة: اطلبوا العلم ولو بالصين، فإن طلب العلم فريضة على كل مسلم.
والملاحظ أنهم يخلطون بين الصحيح والمكذوب، فالجزء الثاني من الحديث وهو: طلب العلم فريضة على كل مسلم حديث صحيح رواه ابن ماجه عن أنس بن مالك رضي الله عنه، والمراد بالعلم هنا كما يقول الثوري، هو العلم الذي لا يعذر العبد في الجهل به وهو العلم الشرعي.
لكن الشطر الأول وهو: اطلبوا العلم ولو بالصين مكذوب أو على أقل تقدير ضعيف عند جمهور أهل العلم من السنة والشيعة، ومن أراد البيان الشافي حول هذا الحديث، فليقرأ ما كتبه عنه الشيخ محمد العجلوني في كتابه كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس في حرف الهمزة مع الطاء.
وقد نقل عن ابن حيان أنه حديث باطل، وعن ابن الجوزي أنه موضوع، وعن الذهبي أنه روي بطرق واهية وبعضها صالح، لكن رد عليه بأن الجرح في هذا المقام مقدم على التعديل، كما أن التضعيف مقدم على التصحيح.
ويرد على المزي الذي قال إن له طرقاً ربما يصل مجموعها الى الحسن، بأن كثرة الطرق المشتملة على الكذابين والمهتمين بالوضع لا ترفع الحديث الى الحسن.
أقول: والناس اليوم خلطوا عملاً صالحاً بآخر غير صالح، فمن خطيب يعظ الناس ويحثهم على طلب العلم بحديث اطلبوا العلم ولو بالصين، وهو حديث باطل لفظاً وإن كان يصح معناه.
ومن إمام يأمر الناس بتسوية الصفوف عند قيام صلاة الجماعة قائلاً: سووا صفوفكم فإن الله لا ينظر الى الصف الأعوج، ويدعي أن هذا الحديث مروي عن الرسول صلى الله عليه وسلم.
وهناك من لا يزال يعالج الناس بالكي بالنار فيقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: آخر الدواء الكي. والصحيح كما ورد عن ابن عباس عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: الشفاء في ثلاثة شرب العسل، وشرطة محجم، وكية نار، وأنا أنهى أمتي عن الكي (متفق عليه).
كما أن بعضهم يحث الناس على صلاة الجماعة بالحديث الذي يقول: لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد.
وإذا أراد أن يذكر أهل فارس بالخير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سلمان منا أهل البيت وهو حديث أخرجه الحاكم في مستدركه والطبراني في الطبقات وابن سعد وذكر في كتب السير، لكنه إن صح معنى فإنه لم يصح بلفظه، لأنه لم يصح رفعه الى الرسول صلى الله عليه وسلم بل ورد موقوفاً، وقد قال ابن الجوزي والحافظ العراقي والألباني بضعفه.
ومثله حديث أحب الأسماء الى الله ما عُبّد وحُمّد الذي قال عنه الذهبي إن سنده ضعيف، بل قال الجمهور عنه إنه ضعيف.
إذن فإن حديث اطلبوا العلم ولو بالصين ومثله الأحاديث الأخرى المشهورة على الألسن بين الناس، ينبغي أن ننزه منها ألسنتنا، لأن ديننا متين، فليس بحاجة الى أحاديث واهية، ولأن الكذب على الرسول ليس كالكذب على أي واحد منا، قال عليه الصلاة والسلام: من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده في النار.
وإذا كان الإنسان العادي لا يليق به أن يروي الأحاديث الضعيفة والموضوعة، فإن خطيب الجمعة وإمام المسجد وواعظ القوم، أحرى به أن يتحرى الدقة والصدق، فرب راو لحديث مكذوب تحمل إثم جماعة بأكملها طول العمر، ولا يشفع له يوم القيامة قوله إنه قال ذلك بنية طيبة، فالكذب من الكبائر، وإذا كان الإسلام أباح الكذب في مواطن، فإن حديث اطلبوا العلم ولو بالصين ليس منها.