إعداد: إبراهيم باهو

بفضل هذا الشعاع الثوري الذي ظهر قبل أكثر من نصف قرن، وذلك نتيجة للبحث النظري الصرف، تم اكتشاف وحل الكثير من الأمور الغامضة، وأصبح اليوم حاضراً لا غنى عنه في الحياة اليومية، وبات مجالاً علمياً قائماً في حد ذاته، إذ يستخدم في عدة مجالات متفرعة، منها: الكيمياء والجيولوجيا والبيولوجيا وفروع العلوم التطبيقية، كالطب والهندسة، وعلم البصريات والفيزياء والآثار، بالإضافة إلى أهميته القصوى في شبكات الاتصالات.
عمل الليزر في بداياته على الياقوت أو الغاز، وكان يعتبر مثيراً للفضول لكن لا فائدة كبيرة منه، وتنبأ بوجوده في البداية العالم الشهير ألبرت آينشتاين في عام 1917، ووضع الأساس النظري لعملية الانبعاث الاستحثاثي، واخترع أول شعاع ليزر أحمر، عن طريق حجر ياقوت في 16 مايو/‏ أيار، عام 1960، بماليبو بولاية كاليفورنيا الأمريكية، بفضل جهود عالم الفيزياء الأمريكي ثيودور مايمان، الذي عمل في مختبر شركة طيران «هيوز إيركرافت»، وكانت أولى استخداماته، في مجال الملاحة الجوية.
تلعب تقنية المسح بالليزر دوراً كبيراً في علم الآثار، خاصة في ظل تطور التقنيات التكنولوجية، التي تستخدمها مثل تقنية «الليدار»، التي تعتمد على إرسال حزمة من ضوء الليزر، لرسم خرائط تضاريس ثلاثية الأبعاد، يمكنها أن تنفذ أسفل الغطاء الأرضي، لتكشف ملامح كل خندق أو صخرة أدناه، ومن أوائل استخدامات هذه التقنية كانت لمساعدة رواد الفضاء التابعين لوكالة الفضاء الأمريكية «ناسا»، في دراسة تضاريس سطح القمر، خلال رحلات "أبولو" الشهيرة، في ستينات القرن الماضي، وتعتبر هذه التقنية مفيدة جداً لعلماء الآثار، الذين يسعون للبحث عن هياكل دفنت تحت الأرض، وساعدت «الليدار» في السنوات الأخيرة، على اكتشاف أسس مدن مفقودة حول العالم، مثل الغابات المطيرة في هندوراس، وتحديد المواقع المترامية الأطراف لمدينة «انغكور وات» في كمبوديا، والمواقع التاريخية المفقودة في نيوأنجلاند بالولايات المتحدة الأمريكية، وبفضل اكتشافات هذه التقنية، ربما يكتب تاريخ بعض الدول من جديد، وفي هذا المقال نقص عليكم أبرز الاكتشافات التي ساهمت بها هذه التقنية.
في كمبوديا، توصل الباحثون لتكنولوجيا الليزر المتقدمة، عبر ماسحات ضوئية محمولة جواً، إلى اكتشاف مدن قديمة مخبأة في أدغالها، تعود إلى العصور الوسطى، وذلك في يونيو/‏ حزيران عام 2016. وبحسب علماء الآثار، فإن المدن والمستوطنات المكتشفة، وجدت على مقربة من المعبد القديم لمدينة أنغكوروات، شمال غرب كمبوديا، وبحسب الباحثين تشير التقديرات إلى أن عمر هذه المستوطنات والمدن المكتشفة يعود إلى ما بين 900 و1400 عام، ويبلغ حجم بعض هذه المناطق، العاصمة الكمبودية بنوم بنه.
وكان الباحثون استخدموا تقنية «ليدار»، بواسطة جهاز ماسح ليزري، وضع في طائرة هليكوبتر، وأشاروا إلى أن الجهاز كان يصدر 16 نبضة من الليزر، لقياس كل متر مربع من الأرض، مما أدى إلى اكتشاف أفران ومناجم وحدائق، داخل تلك المدن المكتشفة حديثاً، والتي ترتبط ببعضها من خلال الطرق والقنوات.
أما في الصين وقبل نحو عامين أعلن علماء آثار اكتشافهم مقبرة عمرها 1700 سنة في شمال غرب الصين، على طريق الحرير التجاري القديم، الذي كان يربط بين آسيا وأوروبا، وذلك بفضل تقنية المسح الليزري.

المقبرة اكتشفها أولاً باحثون في معهد «شينجيانغ» الصيني للآثار في عام 2007، وبحسب العلماء فإن 7 من هذه المقابر، تتكون من هياكل مبنية بالطوب الطيني، تضم مدخلاً وممراً وغرفة الدفن الرئيسية وغرفة جانبية، وضمت إحدى المقابر نحتاً لمخلوقات أسطورية، 4 من هذه المخلوقات تمثل المواسم المختلفة.

وبعد تحليل العلماء لبقايا الهياكل العظمية المتبقية في المقابر، وجدوا أن بعضها استخدم عدة مرات.
وبفضل مسح ليزري بتقنية «الليدار»، أجرته وكالة البيئة على مدار 18 عاماً، ل 72% من تضاريس معظم أنحاء بريطانيا، استطاع باحث التاريخ ومهندس الطرق المتقاعد ديفيد راتليدج، وبعد ما يقارب من 5 عقود من الدراسة، الكشف عن طرق رومانية، كانت مخبأة لقرون في بعض من أنحاء الريف في شمال إنجلترا.
وكان الرومان غزوا بريطانيا في القرن الميلادي الأول، وبنوا فيها شبكة حديثة ومتطورة من الطرق، وذلك لتأمين احتلالهم، ولا تزال بعض منها موجودة، ويمكن استخدامها في السير واقتفاء أثر وخطوات وتحركات الجنود الرومان، على الرغم من أن الكثير منها أزيل أو اختفى بفعل عمليات التنمية في المدن والبلدات والقرى، واستخدامات الزراعة، والعوامل البيئية.
وكانت هذه الطرق المكتشفة، قد تركت فجوات وأسراراً في تاريخ بريطانيا الرومانية، ومن بين تلك الأسرار، الإجابة عن هذا السؤال الذي حير العلماء وهو: كيف انتقل الرومان من يبشستر إلى لانكستر في مقاطعة لانكشير؟، ويعتقد راتليدج، أنه استطاع بمساعدة الخرائط الجديدة أن يجد حلاً للغز، حيث تتبع طريقاً بطول 11 ميلاً، من ريبشستر إلى الطريق الرئيسي بين الشمال والجنوب، من كاترول يؤدي إلى لانكستر.
من جهة أخرى استخدم عالما الآثار: هيو تولر وبرين جثين، بيانات «الليدار»، من وكالة البيئة البريطانية، وعثروا على 4 طرق أخرى، بما في ذلك الجزء المفقود من الطريق الروماني، الذي كان يسمى «ميدن واي»، وفقاً لما ذكرته الوكالة نفسها.

أطول شجرة استوائية في العالم

لعبت تقنية الليزر دوراً كبيراً في اكتشاف أسرار طبيعتنا، ومنها عندما أعلن باحثون من معهد كارنيجي للعلوم في جامعة ستانفورد الأمريكية، بولاية كاليفورنيا، في نوفمبر/تشرين الثاني 2016، اكتشاف أطول شجرة استوائية في العالم، يصل طولها94.1 متر، وتقع في جزيرة بورنيو، ثالث أكبر جزيرة في آسيا والعالم، بأرخبيل «الملايو» في مجموعة جزر سوندا الكبرى. سياسياً هذه الجزيرة مقسمة بين إندونيسيا، وماليزيا، وبروناي.
ليس هذا فحسب؛ بل استطاع الباحثون بفضل تقنية «الليدار» المتقدمة، تحديد أطول 49 شجرة في المناطق الاستوائية، يصل طولها إلى أكثر من 90 متراً، ليكون اكتشافاً لا مثيل له على الإطلاق.
وبحسب عالم البيئة غريغوري أسنير، من المعهد؛ فإن هذا الاكتشاف يعد من أكثر التجارب المثيرة التي مرت في حياته، على الرغم من أنه يعمل في هذا المجال منذ أكثر من 20 عاماً.
واستخدم الباحثون ميزة المسح الضوئي الليزري، لاكتشاف عدد من الأشجار الباسقة في إقليم «صباح» التابع لماليزيا، واستطاعوا تحديد ارتفاع الأشجار بواسطة طائرة تسمى «Carnegie Airborne Observatory»، تَستخدم نظاماً قائماً على الليزر، هو نظام «ليدار- LiDAR» لكشف وتحديد المدى والقياس بأبعاد ثلاثية.
وجمع الباحثون البيانات لتحديد المدى وقياس الأشجار، من أجل تحديد إحداثيات أطول شجرة في الغابة الاستوائية؛ إلا أنهم لم يستطيعوا تحديد نوعها حتى الآن، ورجّحوا أن تكون من فصيلة «شوريا» التي تشمل ما يقرب من 200 نوع من أشجار الغابات المطرية في جنوب شرقي آسيا.
ويرى أسنير، أن هذه التقنية التي تعتمد على إطلاق 500 ألف نبضة ليزرية في الثانية أسفل الطائرة تقدم عرضاً ثلاثي الأبعاد مفصلاً للغابة، وصولاً إلى مستوى سطح الأرض.
يذكر أن جزيرة بورنيو تعتبر موطناً ل 130 نوعاً من هذه الأشجار التي يمكن أن تعيش مئات السنين. ويعتزم فريق البحث التحقق من كل شجرة ضمن مجموعة ال 50 شجرة الباسقة.
وتعرف شجرة «California redwoods» بأنها أطول شجرة في العالم «دائمة الخضرة»؛ إذ يصل طولها إلى 115.5 متر.
ويأتي اكتشاف أطول شجرة استوائية بعد أشهر قليلة، من عثور فريق آخر من جامعة كامبريدج في بريطانيا، على شجرة استوائية يبلغ طولها 89.5 متر، في منطقة «مالياو باسين» بإقليم صباح.

«سيوداد بلانكا» الضائعة في غابات الهندوراس

في عام 2012 استطاع فريق من العلماء من جامعة هيوستن والمركز الأمريكي لليزر باستخدام تقنية «الليدار» المتطورة رسم خرائط لمنطقة نائية من غابات الهندوراس المطيرة والكثيفة، كشفت عن المدينة الأسطورية المفقودة «سيوداد بلانكا»، المعروفة باسم «المدينة البيضاء الذهبية»، إذ تمكن الباحثون باستخدام طائرة مروحية صغيرة من التحليق فوق منطقة «موسيتيكا»، وأطلقوا المليارات من نبضات الليزر على أرض الموقع، لتكوين خريطة ثلاثية الأبعاد للطوبولوجيا الكامنة تحت سقف الغابة، وبعد تجميع البيانات كشف الباحثون عما يبدو أنها تغيرات في ارتفاع سطح الغابة من صنع الإنسان، ويعتقد أنها ساحة المدينة المنسية مع الأهرامات.
ووفقاً للأسطورة، فإن «المدينة البيضاء الذهبية»، تتكون بكاملها من الذهب، وقد سعى صيادو الكنوز والمستكشفون، منذ عهد «إرنان كورتيس» الإسباني الذي فتح المكسيك إلى الوصول إليها. وبحسب التاريخ فإن أول إشارة لهذه المدينة كانت عام 1526، في رسالة للملك «شارل الخامس» من إسبانيا. بناءً على هذه الأسطورة كذلك، سعى المصور السينمائي الأمريكي ستيفن إلكينز، بدعم مستثمرين من القطاع الخاص، إلى تمويل رحلة فريق المركز الوطني لرسم خرائط الليزر الجوية، لأخذ خريطة لأرضية الغابة في «موسكيتيا».
وخلال عملية رسم خريطة للمدينة، حلّق الفريق بطائرته على مساحة أكثر من 60 ميلاً مربعاً من الغابات؛ وكانوا ينقلون البيانات التي يجمعونها إلى «كارتر بيل»، وهو مهندس من جامعة «هيوستن»، يعمل مع فريق «المركز الوطني»، وبعد التحليل اكتشف كارتر مؤشرات أولية على ما يبدو أنها أبنية من صنع الإنسان في الغابة. وتحدث كارتر وقتها وهو يستعيد تركيزه، عندما رأى الخطوط المستقيمة والزوايا القائمة في الخريطة الرقمية ثلاثية الأبعاد، قائلاً: «كنت الشخص الوحيد على هذا الكوكب في ذلك الوقت، يعلم أن هناك تحت هذه الأنقاض مدينة بأكملها».
وخلال البحث عن المدينة غطى الفريق الغابات المطيرة بنبضات الليزر، التي تقدر بنحوٍ من 25 إلى 50 نبضة لكل متر مربع، وحسب كارتر، بلغت مجمل النبضات أكثر من 4 مليارات نبضة، خلال المشروع بأكمله.