كشفت دراسة دولية جديدة أن السل شديد المقاومة للأدوية أصبح أكثر انتشاراً مما كان يُعتقد في السابق، ومازال في تزايد مستمر، الأمر الذي جعل الباحثين يكررون المطالبة بسيطرة أفضل على حالات العدوى وبأدوية جديدة . وأجريت الدراسة، التي نشرت في مجلة لانسيت العلمية في 30 أغسطس/آب الماضي، في ثمانية بلدان على 278 .1 مريضاً يعانون من مرض السل المقاوم للأدوية المتعددة، وهو نوع من السل يقاوم أدوية الخط الأول الأكثر شيوعاً، أي الإيزونيازيد والريفامبيسين .
قيّمت الدراسة، التي أجراها مركز مراقبة الأمراض الأمريكي والبرنامج الوطني لمكافحة السل، انتشار مرض السل الشديد المقاومة للأدوية وعوامل الخطر بين هؤلاء المرضى . فيقاوم السل الشديد المقاومة للأدوية أدوية الخط الأول هذه وكذلك ما لا يقل عن نصف أدوية الخط الثاني الأكثر شيوعاً .
ووجد الباحثون أن نحو 7 في المئة من المرضى الذين شملتهم الدراسة كانوا مصابين بالسل الشديد المقاوم للأدوية . وهذه النسبة أعلى من معدل انتشار السل الشديد المقاوم للأدوية المذكور سابقاً، الذي يبلغ 5 .5 في المئة تقريباً، والذي نشرته منظمة الصحة العالمية في نوفمبر/تشرين الثاني 2011 .
وقالت تريسي دالتن، وهي خبيرة الميكروبيولوجيا في فرع مختبر القضاء على السل بمركز مراقبة الأمراض والمؤلفة الرئيسية للدراسة الجديدة، أن الواضح من كلا الدراستين هو أنه من المرجح أن تتفاقم مشكلة السل الشديد المقاومة للأدوية . 
وتوصي منظمة الصحة العالمية بفترة علاج لا تقل عن 20 شهراً لمرض السل المقاوم للأدوية المتعددة، يُستخدم فيها الخط الثاني من أدوية السل، بما في ذلك الأدوية التي تؤخذ عن طريق الحقن اليومي المؤلم والتي يمكن أن تسبب فقدان السمع .
ويتطور مرض السل شديد المقاومة للأدوية عندما يصبح المرضى مقاومين لأدوية الخط الثاني، إما لأنهم لا يستطيعون إكمال علاجهم أو لأن هذه الأدوية وصفت لهم بشكل خاطئ .
وما لا يثير الدهشة، أن دراسة دالتن وجدت أن التعرض السابق لأدوية الخط الثاني لعلاج السل ضاعف فرص إصابة المرضى بالسل الشديد المقاوم للأدوية أربع مرات .
كما حذرت دراسة دالتن من أنه كلما ارتفع عدد الأفراد الذين يتم تشخيصهم وعلاجهم من السل المقاوم للأدوية، زادت المقاومة لأدوية الخط الثاني المتوقع ظهورها، مضيفةً أنه حتى الآن، تم الإبلاغ عن ظهور مرض السل الشديد المقاوم للأدوية في 77 دولة في جميع أنحاء العالم، ولكن معدل الانتشار الدقيق لايزال غير واضح .
ومع ازدياد عدد البلدان التي تتبنى التشخيص الجديد للسل، مثل جين أكسبرت، من المرجح أن يتم تشخيص حالات أكثر من السل الشديد المقاوم للأدوية والسل المقاوم للأدوية المتعددة على حد سواء .
وقد وجدت دراسة مركز مراقبة الأمراض التي استمرت ثلاث سنوات أيضاً أن مرض السل الشديد المقاوم للأدوية والسل المقاوم للفلوروكينولونات، وهي فئة من المضادات الحيوية المستخدمة لعلاج السل، كانا أكثر شيوعاً بين النساء .
وشهد مرضى السل المصابون بفيروس نقص المناعة البشرية مقاومة أقل بكثير للفلوروكينولون من مقاومة الأشخاص المصابين بمرض الإيدز، على الرغم من أن دراسات أخرى قد بينت أن فيروس نقص المناعة البشرية هو أحد عوامل الخطر بالنسبة لمرضى السل الشديد المقاوم للأدوية .
ووجدت الدراسة أيضاً صلة بين البطالة وتعاطي الكحول والتدخين من جهة وبين المقاومة لأدوية الخط الثاني التي تؤخذ عن طريق الحقن من جهة أخرى .
وتعتبر هذه الدراسة واحدة من أوائل الدراسات التي توفر بيانات مهمة على المستوى القطري بشأن ديناميات محددة لمقاومة الأدوية . على سبيل المثال،
وقد وجدت دالتن أن المقاومة لجميع أدوية الخط الثاني الثلاثة التي تؤخذ عن طريق الحقن كانت أكثر تواتراً في إقليم كيب الشرقي في جنوب إفريقيا منها في الأقاليم الثلاثة الأخرى التي كانت قيد الدراسة في هذه الدولة . وأخبرت شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)/ بلاس نيوز أن هذا النوع من البيانات يمكن أن يكون مهماً في مساعدة برامج مكافحة السل الوطنية على الاستجابة لمقاومة الأدوية وتحسين علاج المرضى .
وفي تعليق بهذا الشأن نشرته مجلة لانسيت، قال سفين هوفنر، الخبير بالمعهد السويدي لمكافحة الأمراض المعدية، أن هناك حاجة إلى مزيد من البيانات المماثلة .
وأشار هوفنر إلى أنه تم تطوير معظم التوصيات الدولية لمكافحة السل من أجل مواجهة نسبة لا تتعدى ال 5 في المئة من انتشار السل المقاوم للأدوية المتعددة . ولكننا الآن نواجه انتشاراً يصل إلى عشرة أضعاف هذه النسبة في بعض الأماكن، حيث ينقل ما يقرب من نصف المرضى الذين يعانون من الأمراض المعدية سلالات السل المقاومة للأدوية المتعددة .
وأضاف هوفنر أن هناك حاجة ماسة إلى معلومات محدثة عن السل المقاوم للأدوية المتعددة والتحقيق في الاتجاهات ذات الصلة . . . خاصةً وأن الحجم الحقيقي لعبء السل المقاوم للأدوية المتعددة والسل الشديد المقاوم للأدوية قد يكون أكبر من المتوقع ويبدو أنه يتزايد بسرعة كبيرة .
ووفقاً لدالتن، تسلط الدراسة الضوء على الحاجة الملحة إلى أدوية سل جديدة - وهي دعوة رددها بيان صادر عن توم إيفانز، كبير المسؤولين العلميين في شركة أيراس (Aeras) غير الهادفة للربح التي تطور لقاح السل، استجابة لهذه الدراسة . وأكد إيفانز في بيانه أنه من دون خط قوي من الأدوية الجديدة التي تسمح باستباق المرض، سيكون التخلص من هذا الوباء عن طريق العلاج شبه مستحيل .
والسل وباء عالمي أصيب به 8 .8 مليون شخص وتسبب في وفاة 4 .1 مليون مريض في 2010 .
والسل المقاوم للعقاقير أكثر صعوبة وتكلفة في العلاج من السل العادي وهو اخطر على حياة المريض .
وعلاج حتى النوع العادي من السل يتطلب عملية طويلة يتناول فيها المرضى مجموعة من المضادات الحيوية القوية لستة أشهر . ولا يكمل الكثير من المرضى علاجهم بطريقة صحيحة وهذا أحد العوامل التي تسهم في زيادة الأشكال المقاومة للعقاقير .
وقال توم إيفانز كبير الفريق العلمي في مؤسسة أيراس وهي مؤسسة تعمل على تطوير لقاحات جديدة للوقاية من السل ولا تسعى للربح إن الخيارات المتاحة لعلاج السل المقاوم للعقاقير محدودة وباهظة التكلفة وتنطوي على قدر كبير من المخاطرة .
وأضاف في بيان أرسله لرويترز عبر البريد الإلكتروني إن تكاليف علاج السل المقاوم للعقاقير يمكن أن تزيد 200 مرة عن علاج السل العادي كما أن العلاج يمكن أن يسبب آثاراً جانبية حادة كالإصابة بالصمم واضطرابات ذهنية ويمكن أن يستغرق استكماله عامين .
يذكر أن منظمة الصحة العالمية سجلت عشرات الآلاف من الحالات الجديدة من مرض السل المتحول الذي لم يعرف له علاج إلى اليوم، والشديد المقاومة لكل أشكال الأدوية التقليدية وذلك من عام 2008 وحتى الآن . ويقول الخبراء إنه رغم ما يظنه البعض من أن السل بات مرضاً من الماضي، فإن ظهور فيروس متحول منه شديد المقاومة لكل أشكال العلاج والمضادات الحيوية يجعل منه مرضاً غير قابل للشفاء .
ويقول الخبراء إن المفجع في قضية السل المتحول المقاوم للعلاج إنه لم يكن يفترض وجوده على الإطلاق، خصوصاً أن السل التقليدي قابل للشفاء . ولكن إذا لم تعط أدوية السل إلى المرضى كما يجب، فهناك خطر من أن يتطور الفيروس إلى سلالة أكثر فتكاً كالسل الشديد المقاومة للعلاج والمعروف باسم إكس دي آر - تي بي .
وأشار هؤلاء نقلاً عن منظمة الصحة العالمية إلى أن كلفة علاج السل التقليدي لا تتعدى 20 دولاراً أمريكياً في الدول النامية، ومع ذلك لم تتوافر الأموال الكافية لمكافحة هذا المرض الذي ينهش المجتمعات الفقيرة .
وقالت الناشطة في مجال مكافحة السل ضمن جمعية أكشن لويز هولي أن لا تطورات جديدة في مجال مكافحة انتشار السل منذ ما يزيد على 40 عاماً، لافتة إلى وجود أفكار خاطئة حول المرض .
وأوضحت هولي أن السلالة الشديدة المقاومة للعلاج فائقة العدوى وتنتقل في الهواء، ويمكن لأي كان أن يلتقطها مع انتشار التنقلات والأسفار بين الدول حتى في دول متقدمة كالولايات المتحدة وبريطانيا .
ولفتت إلى إمكان انتشار المرض في الأماكن المكتظة كالمدن الفقيرة والسجون والمدن الكبيرة كلندن ونيويورك حيث يعمل الناس في أماكن متلاصقة ويتنقلون في وسائل النقل العامة .
وذكرت الباحثة أن لا علاج منظوراً لهذه السلالة من السل، مشيرة إلى أن الأكثر عرضة له هم المرضى الذين يعانون من ضعف في المناعة، كالمصابين بمرض نقص المناعة المكتسبة الايدز .
وشددت هولي على ضرورة أن يشكل وجود هذا المرض دعوة إلى اليقظة في المجتمع بدلاً من اعتباره شيئاً من الماضي .
وكان المصور الصحافي جيمس ناشتوي أرخ لانتشار المرض من خلال صور التقطها على مدى 30 عاماً، ونال عنها جائزة عام 2007 . وتروي صوره سيرة مصابين بالسل على فراش الموت في سبع دول هي تايلندا وكمبوديا وسوازيلاند وسيبيريا وجنوب افريقيا .
وفي مارس/آذار الماضي اعلنت منظمة الصحة العالمية أن مرض السلّ لايزال الوباء الخفي في العديد من الدول وهو يقتل أكثر من 70 ألف طفل سنوياً بالرغم من أن الوقاية والعلاج منه ممكن وقليل التكلفة .
وأشارت المنظمة إلى أن مرض السل يتسبب سنوياً بوفاة 70 ألف طفل، موضحة أن الأطفال المهددين بالإصابة به أكثر من غيرهم، فهم الأطفال دون سن الثالثة، وأولئك الذين يعانون من سوء التغذية الحاد، أو المصابون بفيروس نقص المناعة البشرية، وغيره من الأمراض التي تؤثر في المناعة، إذ ينتقل إليهم في كثير من الأحيان عن طريق الآباء أو الأمهات، أو من يهتمون برعايتهم . ولفتت إلى أنه غالباُ ما لا يتم تشخيص مرض السل لدى الأطفال من مولدهم وحتى سن الخامسة عشرة، بسبب نقص الخدمات الصحية، أو لأن العاملين الصحيين الذين يقدمون لهم الرعاية يكونون غير مهيئين للتعرف إلى علامات أو أعراض المرض في هذه الفئة العمرية .
وقالت الدكتورة ماغوسيا غريزميسكا من إدارة دحر السل في منظمة الصحة العالمية إنه لا بد من وضع كل الأطفال المعرضين للإصابة بمرض السلّ في المنازل تحت العلاج حتى في غياب التشخيص القاطع .
وأضافت أن الأعراض للأسف قد تكون غير محددة وربما يكون هذا أحد الأسباب التي تجعله غير ملحوظ، أو لا يتم تشخيصه، بل إن الأطفال قد لا يسعلون، فيما يعد العرض الأكثر شيوعا لدى البالغين، ولكن الأمر المأساوي هو أن هذا المرض يمكن الوقاية منه بشكل كامل وهو قابل للشفاء لدى الأطفال لو تم تشخيصه بشكل صحيح، وعلاجه ليس مكلفاً للغاية فهو يتكلف نحو 3 سنتات يومياً للعلاج الوقائي بعقار يسمى إيزونيازيد، ونحو 50 سنتاً يومياً للعلاج الكامل للأطفال الذين يصابون بالمرض .
وفي هذا السياق أعلنت وزارة الصحة الصينية أن عدد المصابين بمرض السل في الصين يقدر بنحو 5 ملايين شخص .
ونقلت وكالة أنباء الصين الجديدة شينخوا عن نائب وزير الصحة الصيني، ين لي، قوله إن في الصين قرابة 99 .4 ملايين شخص حالياً يعانون من مرض السل، ولكن الصينيين لا يعرفون المرض بشكل جيد .
وقال ين، خلال مراسم إطلاق معسكر لتشجيع المتطوعين لرفع الوعي بشأن الوقاية من مرض السل وعلاجه، إن الصين حققت إنجازات مهمة في الوقاية من المرض وعلاجه، بيد أن البلاد لاتزال تعاني بشكل كبير من المرض، ما جعلها تحتل المرتبة الثانية في معدل الإصابة بالمرض، بعد الهند .
ولفت إلى أنه يتم اكتشاف نحو مليون حالة جديدة مصابة بفيروس نشط للمرض في الصين كل عام .
يشار إلى أن مسحاً أجري على مستوى البلاد فى عام 2010 أظهر أن نسبة الذين يعرفون المعلومات الأساسية عن الوقاية من المرض المعدي لا تزيد عن 60% .
وتم إطلاق مدونات رسمية للإدارات المركزية والمحلية للوقاية من المرض وعلاجه، فضلاً عن موقع الكتروني رسمي، بمناسبة اليوم العالمي للسل، ودعا إلى المزيد من المتطوعين للمشاركة في نشر المعلومات الأساسية عن الوقاية من المرض وعلاجه .
وقال موكواندان بيلاي، وهو مسؤول بارز في إدارة البرنامج التابع لمنظمة الصحة العالمية بالصين، خلال المراسم ان مرض السل لايزال مشكلة صحية عامة خطيرة بالنسبة للصين والعالم .
وأضاف إن المنظمة ستواصل دعمها لجهود الصين في الوقاية من المرض وعلاجه .
وقد أظهرت دراسة بريطانية جديدة أن لدى سكان المدن على الأرجح متغيراً جينياً يزوّدهم بمقاومة مرض السل .
ووجد الباحثون في جامعة يونيفرسيتي كولدج لندن أن سكان المدن هم على الأرجح يتمتعون بمتغير جيني يمنحهم مقاومة للإصابة بمرض السل، وقالوا إن الفقر وكثافة السكان في المدن القديمة قد تكون منحتها أرضية مثالية خصبة لانتشار المرض وبالتالي فقد تكونت لدى السكان مقاومة له .
وقد اختبر العلماء نظريتهم هذه عبر تحليل عينات للحمض النووي من مجموعات سكانية في أوروبا وآسيا وإفريقيا .
وقال الباحث المشارك في الدراسة مارك توماس إن النتائج تظهر وجود المتغيّر الجيني الواقي تقريباً لدى كل من يعيشون في المنطقة الممتدة من الشرق الأوسط حتى الهند وفي أجزاء من أوروبا حيث تواجدت المدن منذ آلاف السنين .