يشير الباحثون إلى أن جذور هذا الشعب لا تزال غير معروفة أو غامضة فالعديد من الدارسين يعتبرونه من الشعوب الأصلية وبعضهم يقولون إنه من شعوب آسيا الوسطى، ويذهب آخرون إلى القول بأنه من أصول فينيقية، ولذا كان أفراد هذا الشعب قديماً وفقاً للروايات يشبهونهم بالفينيقيين من حيث انهم كانوا تجاراً وبحارة وأنهم أسسوا مدناً على الشاطئ .
والحقيقة أنه لا يوجد لدى العلماء سوى القليل النادر من الأدلة على تاريخ الأتروريين لأن أحداً في ذلك الوقت لم يهتم بالكتابة عنهم، إلا أن الامبراطور كلاو ديوس المعروف جيداً في التاريخ بغزوه لبريطانيا عام 43 بعد الميلاد دون تاريخ الأتروريين في 20 مجلداً لكن هذا المؤلف الضخم فقد ولم يتم العثور عليه ولذلك لا بد من العودة إلى الدلائل الأثرية كي نحصل على صورة واضحة بعض الشيء عن الأتروريين لفهم أي نوع من الناس كانوا وكيف عاشوا في تلك الفترة من التاريخ .
أماكن الاستيطان
ويلاحظ أن الأماكن الأولى لاستيطانهم كانت على مقربة من شاطئ البحر وكانت هذه الأماكن موزعة بدءاً من مدن فيتولونيا وتاركوينيا ثم تلت ذلك مدن فولشي وكايرا وفولترا ثم المدن الداخلية مثل بيروجيا وأرزو .
كما لاحظ الباحثون أن المناطق التي استوطنوها مغطاة كلها تقريباً بالغابات والأدغال والمستنقعات الآهلة بالخنازير البرية لكنهم قاموا باقتلاع الأشجار من بعض المناطق في الغابات لينشئوا عليها أول الأكواخ والمنازل الحجرية والقرى وشيئاً فشيئاً استطاعوا إخضاع المناطق المحيطة وعبروا جبال الأبنين وحطوا رحالهم في أومبريا ولايتوم في الشمال ثم انحدروا نحو الجنوب في كامبانيا . وهكذا تطورت القرى البدائية لتصبح مدناً محاطة بأسوار قوية وليبدأ معها تاريخ الأتروريين .
استمر نفوذ الأتروريين خلال الفترة ما بين عام 1000 قبل الميلاد إلى بداية الامبراطورية الرومانية 44 ق . م أي من بداية تعيين يوليوس قيصر دكتاتوراً دائماً لروما، حيث اندمج الأتروريون تماماً بالشعب الروماني .
وقد شارك هؤلاء بقوة في الحضارة الرومانية بل وخضعت روما نفسها خلال القرون الأولى إلى حكم الملوك الأتروريين . وبعد استقلالها قامت روما بتوسيع نفوذها ليشمل جميع التجمعات السكانية التي انتزعتها من السيطرة الأترورية في القرن الخامس قبل الميلاد ثم عززت قبضتها في ما بعد وأخضعت الشعوب الأترورية كافة في القرون اللاحقة بل لم يبق من الأتروريين سوى بعض الشواهد المدونة والتي تعود في الجزء الأكبر منها إلى الكتابات الجنائزية كما أن اللغة نفسها تبدو بالكاد مقروءة .
تقديس الموتى
كان الأتروريون كغيرهم من الشعوب القديمة يقدسون الموتى ولذا فإن قبورهم غنية ومنتشرة بكثرة وتكتسي اهمية كبيرة في الآثار المتروكة نظراً للفن الزخرفي عليها، فالقبور المحفورة في المناطق القريبة من المدن المختلفة التي عاشوا فيها تشبه من حيث تصميمها بيوتاً أعدت للسكن وليس للدفن حيث تحتوي على مساحات واسعة حول البهو الرئيسي .
وكان الأتروريون يضعون الموتى في توابيت منحوتة بشكل فني راقٍ كما كان غطاء التابوت يعبر عن صاحب القبر . وفي غالب الأحيان كان يتم دفن الزوج مع زوجته في قبر يحتوي على الادوات والمجوهرات والجرار والأوعية وادوات الزينة المستخدمة يومياً .
وكانت الجدران تحمل دائماً رسومات تمثل مناظر الصيد والبحر والحفلات .
واشتهر الأتروريون بأنهم كانوا على درجة عالية من المهارة في صنع الحلي والفضة واستخدام النحاس والبرونز، وكذلك استخدام الحجارة والحديد والأحجار النفيسة والقاسية للزينة .
وقد اهتم الأتروريون بأعمال السيراميك التي على الرغم من تأثرها بالطراز اليوناني، إلا انها ظلت تحافظ على طابعها الاصلي الذي يعكس ذوقهم الخاص بل إن صنع المجوهرات وصل لديهم إلى مستويات فنية عالية ربما لا نجد لها مثيلاً في أيامنا هذه، كما كانت الاعمال التي يدخل الزجاج في صنعها تتميز بدرجة عالية من الابداع من حيث الشكل والتصاميم .
الفن الأ تروري
اهتم كثير من الاشخاص بالفن الأتروري واستلهموا أعمالهم منه ومنهم المصمم الايطالي أوميرو بوردو الذي قام على مدى سنوات عدة منذ العام 1943 بإجراء البحوث المتعلقة بالقبور الأترورية الجنوبية، كما يعود له الفضل في اكتشاف قبر الفهود الشهير والقوس الأتروري الذي يشكل جزءاً من مبنى القساوسة وعدد كبير من القبور المليئة بالرسومات .
وعلى مدى سنوات طويلة من البحث والدراسة في ما يتعلق بالجوانب الجمالية أو الفنية التي كان يستخدمها الأتروريون، استطاع الباحثون إحياء المهارات الفنية القديمة مثل العجائن القديمة التي كانت تستخدم في صنع المزهريات والبرونزيات أو عمل الحبيبات أثناء صياغة المجوهرات . ويقوم أوميرو بصناعة المجوهرات باستخدام التقنيات التقليدية التي تحاكي النظرة الجمالية لدى الأتروريين من دون أن تكون نسخة طبق الأصل عنها، فهي أترورية بقدر ما هي مصنوعة من قبل آخر الأتروريين كما يحلو لأوميرو أن يصف نفسه .
في العام 1972 سأل الملك السويدي غوستاف الذي كان يقوم بأعمال الحفريات في تاركوينيا، أوميرو عن المكان الذي يمكن القيام بأعمال الحفر فيه بدرجة من الثقة، فأشار عليه أوميرو بمكان لم يكد يحفر فيه قليلاً حتى اكتشف قبراً لم يكن معروفاً حتى ذلك الحين .
وفي الوقت الذي ظل فيه أوميرو محافظاً على طابعه التقليدي، إلا أنه عكف على إعداد مشروع طموح للتعريف بأسلوبه وهو مشروع أترسكوبوليس أي إعادة إحياء مدينة أترورية في مقالع قديمة تحت الأرض تبلغ مساحتها أكثر من 15 ألف متر مربع وتشمل كافة نواحي الحضارة الأترورية .
ويقول أومير بأن المعابد في الحضارة الأترورية لم تحتل موقعاً مهماً حيث نجد أن التحصينات والجدران قد أظهرت قدرتها على الصمود عبر القرون في حين أن المعابد بنيت من الخشب والطين .
وقد اهتم الأتروريون بشكل خاص ببناء جدران ومداخل المدينة حيث يمكن أن نلاحظ المهارة والدقة العالية في تركيب الحجارة المحلية الهشة، ويشير المهندسون المعماريون في ايطاليا إلى أن مبدأ التثبت والاسناد المتبادل لقطع الحجارة الذي يقوم على مبدأ استخدام الأقواس والقناطر والذي ميز العمارة الأترورية، كان يحتل موقعاً أساسياً في العمارة الرومانية ومن بين الجدران والبوابات المشهورة يمكن ذكر تلك الموجودة في بيروجيا وفوليترا الواقعتين في منطقتي أمبريا وتوسكانا .
ويعتبر الفن الأوروبي مكملاً لفن العمارة الخاص بالقبور فالتقنية المستخدمة تتمثل بالجداريات ويتم الرسم بواسطة الألوان المائية التي يتم امتصاصها بواسطة طبقة رقيقة من الجبس وذلك بغية احاطة الميت بمشاهد من الحياة اليومية حيث تغلب مشاهد الأزياء والعزف والرقص والرياضة والصيد، وتهدف الرسومات الى نقل الأحاسيس الجياشة للميت ولذا تبدو الألوان صارخة في حين يتم تضخيم الحركات .
ويتميز النحت بمستوى عال من الجودة التي ربما تفوق الرسم فالتماثيل كبيرة الحجم كتمثال أبوللو وتمثال الذئبة الكابيتولية المصنوع من البرونز والذي يمثل آلهة الجحيم وتمثال أيتا أي الذئب الذي يمثل الطهارة والخصب وتمثال الكمير (كائن خرافي) البرونزي في مدينة أريتزو .