قال الشيخ محيي الدين رحمه الله محاججاً نفسه: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في حلقة من أصحابه إذ قال: ليصلين معكم غداً رجل من أهل الجنة، قال أبو هريرة: فطمعت أن أكون أنا ذلك الرجل، فغدوت وصليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقمت في المسجد حتى انصرف الناس وبقيت أنا وهو، فبينما نحن كذلك إذ أقبل رجل أسود متزر بخرقة مرتد برقعة، فجاء حتى وضع يده في يد النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: يانبي الله ادع لي، فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم بالشهادة، وإنا لنجد منه ريح المسك الأذفر، فقلت: يارسول الله: أهو هو؟ قال: نعم إنه لمملوك بني فلان، قلت: أفلا تشتريه وتعتقه يا نبي الله؟ قال عليه الصلاة والسلام: وأنى لي بذلك إن كان الله تعالى يريد أن يجعله من ملوك الجنة؟ يا أبا هريرة إن لأهل الجنة ملوكاً وسادة، وإن هذا الأسود أصبح من ملوك الجنة وساداتهم، يا أبا هريرة إن الله عز وجل يحب من خلقه الأتقياء الأخفياء الأبرياء، الشعثة رؤوسهم، المغبرة وجوههم، الخمصة بطونهم، من كسب الحلال، الذين إذا استأذنوا على الأمراء لم يؤذن لهم، وإن خطبوا المتنعمات لم ينكحوا، وإن غابوا لم يفتقدوا، وإن حضروا لم يدعوا، وإن طلعوا لم يفرح بطلعتهم، وإن مرضوا لم يعادوا، وإن ماتوا لم يشهدوا، قال يا رسول الله كيف لنا برجل منهم؟ قال ذلك أويس القرني - رواه أبوهريرة (روح القدس 69) .
وإن أول ما يجب أن نسأل أنفسنا ما هي البشرى التي ينتظرها الواحد منا فتثلج صدره وتجعله أسعد الناس، أكبر الظن أن أكثرنا لا يفكر بالبشرى بالجنة، قد نفكر بمال أو منصب أو وظيفة أو شهادة عالية أو مولود، ولكن قل من يفكر بالجنة ويسعى إليها، لأننا جعلنا همنا في الدنيا لا في الآخرة، نحن نعيش الدنيا كمتن والدين كعبادة وذكر وقيم كحاشية، والأصل أن نكون غير ذلك، لذلك فإننا كثيراً ما نقع في الحرام، لأن الحواشي لا تكفي لتحويل مسار الحياة، ولجعلها كلها أو جلها صالحة لنواجه الله بها، أو لندخل قبورنا بها ونجتاز محنه وأسئلته .
لنذكر القبر أولاً، ما أظن أن أحداً منا قد أخذ على الله عهداً ألا يدخله، وفي القبر فتن ومحن لا يقدر عليها إلا من ثبته المولى عز وجل، والأصل أن عمل بني آدم هو الذي يثبته في قبره ويؤنسه في وحشته ويكون له جناحاً ليعبر به إلى مثواه في الجنة . كم يأخذ هذا من تفكيرنا ونحن نخطط لزوجة وأولاد ودخل يكفي ومنصب قد يطغي وسفر وسياحة وأملاك وأعمال . . . . . إلى آخر ما يستولي على عقولنا ويحرك سلوكنا، أبوهريرة رضي الله عنه ما تمنى إلا أن يكون المبشر بالجنة، ثم جاء من أسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم من ملوك الجنة، عبد أسود، قد لا يراه الواحد منا إن مر بجانبه، ثم يقول أبوهريرة: يا رسول الله أفلا تشتريه وتعتقه؟ لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشار إلى أن هذا الذي أراد أبو هريرة عتقه ليس حراً فقط، بل هو ملك من ملوك الجنة، فماذا يسوؤه أن يكون عبداً في هذه الحياة الدنيا القصيرة؟ ثم يسرد الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم صفات ملوك الجنة، انهم باختصار من ماتت أناهم، ولم يعودوا يفكرون بذواتهم، أمراض الأنا لا تنغل في قلوبهم، ولا تطغى على عقولهم، أتقياء أخفياء، لا يبغون بتقواهم إلا رضى مولاهم، لا تهم التفاصيل . . . . ولكن من منا يرضى بالجوع إن لم يجد غير الحرام؟ من منا لا يبحث عن الوجاهة والصدارة وأن يكون له كامل حقوقه الاجتماعية إن مرت به مناسبة مفرحة أو محزنة، وإني ذاكر أنني مررت بوعكة صحية أدخلتني المشفى لأيام، وبدأت أعد أسماء من لم يزرني ومن لم يتصل بي ومن لم يسأل عني، ورويت هذا لعالم جليل فابتسم وقال: هي مشكلة فعلاً . . . ألا يعلمون أنهم لو زاروك لوجدوا الله عندك - مما جاء في حديث قدسي مشهور-، وابتسم ابتسامة ذات مغزى، لم أفهمها ولم أقف عند معانيها إلا بعد شهور، فاستغفرت ربي ودعوت لشيخي ولكل من لم يزرني لأنه أشعرني بمن أكون حقاً.