كثيراً ما نصدر أحكاماً مسبقة على الآخرين بمجرد رؤيتهم أو حتى قبل ذلك، وقد نتمسك بأحكامنا ونحوّلها إلى حقائق، لينعكس ذلك على طريقة تعاملنا معهم ويؤثر سلباً في تصرفاتنا وبالتالي في علاقاتنا بهم . وبذلك نظلمهم ونضعهم في قفص الاتهام لأسباب لا تخصهم، ونظلم أنفسنا ونحرمها من فرص مميزة تمنحنا معارف أكثر أو علاقات إنسانية أجمل . من هذه الأحكام التي تحوّلت مبادئ لدى البعض أن الرجل عنيف والمرأة لا تحسن قيادة السيارة والمدير قاس والأجنبي منفتح والحماة عدو الكنة، إلى جانب بعض الصفات التي ترافق بعض الجنسيات . ناقشنا في هذا التحقيق بعض الأحكام وتأثيرها في مصدريها والآخرين .
يجب أن نكون دقيقين في أحكامنا، هذا ما تراه زينب عمران، (ربة منزل) وأكدت أن إصدار الأحكام الظالمة بحق الآخرين مسؤولية اجتماعية يشترك فيها الجميع . وقالت: حين يصدر الشخص حكماً على الآخر من دون التأكد منه، يتخذه المحيطون به على أنه حقيقة، وخصوصاً إن كان ذلك الشخص مقربا منهم أو ذا كلمة مسموعة . وعبّرت زينب عن ضيقها من بعض الأحكام التي تصدر على أبناء بلدها وقالت: يتردد بين الناس أننا لا نثور بسرعة وأن أعصابنا باردة وانطلقت نكات كثيرة حول هذا المفهوم، وأساء بعضها لنا وأثار غضبنا، فنحن كغيرنا لنا مشاعر وأحاسيس وانفعالات معينة ترافق كل موقف، ولكن حكمتنا بعدم الغضب سريعاً انقلبت علينا سلباً، ما جعل الناس يصدرون أحكامهم التي اتسعت كثيراً لتصل إلى أشياء لا نقبلها . واستنكرت زينب تعليقا تردد حول أبناء بلدها وهو: إن أردت أن تموت قبل أن تصل إلى المستشفى فاركب تاكسي يقوده . . . . . .، وتراه تعليقاً ظالماً لأن أبناء بلدها معروفون بالشهامة والرجولة والتصرف الجيد في المواقف الصعبة .
وأكدت مها علي، (وسيطة مالية)، أنها لا تحكم على الآخرين من أول نظرة أو من خلال كلام وآراء الآخرين، بل تعتمد على نظرتها هي وإحساسها لتصدر أحكامها عليهم بشكل صحيح . وتقول: كنت أسمع كلاماً كثيراً عن البعض، لأكتشف بعد معرفتي بهم أن كل ما قيل مجرد كذب ومبالغات . لذلك لا يجب التعميم، ففي كل بلد هناك الزين والشين، ولا أحصر نفسي بصداقات من بلد معين، ولا أحرم نفسي متعة التعرف إلى الثقافات الأخرى من خلال صديقات جيدات، ولا أحكم على الآخرين وفقاً لانتمائهم لبلد معين أو تصرفهم بطريقة ما . وعن بعض الأحكام تقول: ينتشر في مجتمعنا العربي أن الحماة عدو الكنة، ولكني اكتشفت بعد الزواج أن هذا الحكم خاطئ، فحماتي رائعة وطيبة جداً، ولا تفرق بيني وبين بناتها . ورغم رفضها الأحكام المطلقة تؤكد قناعتها بأن الرجل خائن دائماً، وأنه لا يوجد رجل مخلص، لأن الروتين يغيّر المشاعر ويدفع بالرجل إلى الخيانة، على عكس المرأة التي تبقى مخلصة رغم معاناتها من نفس الروتين، حسب ما ترى .
لا يجب الحكم على الآخرين قبل معرفتهم أو من خلال النظرة الأولى، هذا رأي علي عبد الله، (سنة ثالثة تقنية معلومات بكليات التقنية العليا بالشارقة)، ويرى أن ما ينطبق على المرأة ينطبق على الرجل . وقال: أستنكر مقولة المرأة لا تحسن قيادة السيارة لأنها تحكم على المرأة بما ليس فيها، فهناك نساء كثيرات يقدن أفضل من الرجال، كما أن هناك بعضهن لا يحسن القيادة والأمر نفسه بالنسبة للرجال، ومن الظلم التعميم على النساء دون الرجال . ويضيف: تعلمت من خلال عدة مواقف أنه يجب ألا أعتمد على آراء الآخرين وأحكامهم، بل يجب أن أثق بنفسي وأعتمد عليها في إصدار الأحكام بعد التجربة والتأكد منها . وذكر علي أنه استمع لآراء بعض أصدقائه وحكمهم على الآخرين ليكتشف أنها لا أساس لها من الصحة، ويقول: في السنوات الأولى من الجامعة، كان زملائي يرددون أن أحد الأساتذة قاس ولا يراعي الطلبة وظروفهم، ولكن بعد مروري بأكثر من موقف مع الأستاذ اكتشفت أنه رائع وطيب القلب، ويقدر جميع الظروف .
لا تحكم سينا صالح، (إدارية في بنك)، على الشخص بمجرد رؤيته، ولكنها تمتلك ما أسمته بالحاسة السادسة لتقيس مدى ارتياحها للشخص من خلال لقائها الأول به . وتقول: لدي نظرة أستطيع من خلالها تحديد إن كان الشخص إنساناً جيداً أم لا، ولكني أرى أنه لا يجب الاعتماد على ذلك، لأني قد أظلم الآخرين، بل يجب أن ألتقي الشخص أكثر من مرة حتى يكون حكمي عليه صحيحاً . وتستنكر سينا الحكم على الآخرين بحسب جنسياتهم أو طريقة اللبس أو أسلوب الحياة الذي قد لا يتفق مع أسلوب حياتها، حيث لا يجب التعميم، ولكل شخص ميزات وعيوب . وعن أحد المواقف تقول: كنت أستنكر طريقة جارتي الأمريكية وأسلوبها في التعامل، وكانت حركاتها لا تروقني، وكنت أعتقد أنها متكبرة ومغرورة بعض الشيء، وحاولت أن أتجنبها، ولكني اكتشفت أني كنت مخطئة وأثبتت لي أنها أقرب إليّ من أختي من خلال وقوفها إلى جانبي في مواقف صعبة كثيرة .
ويؤكد عادل علي، (موظف مبيعات في بنك)، أن الحكم على الأشخاص لا يكون صادقاً إلا بعد معاشرتهم طويلاً، لأن طباع الشخص تتغير كلما كبر . ويقول: تتفتح أمام كل شخص أشياء كثيرة في كل مرحلة من حياته، ليصل إلى مرحلة اكتمال شخصيته، ولذا فمن الخطأ الحكم على أي شخص من خلال موقف واحد، أو من النظرة الأولى، بل يجب النظر إلى تصرفه في مواقف مختلفة . ويضيف: لا تعنيني الأحكام التي يطلقها الآخرون، ولكن إن صدر الحكم من صديق مقرب لي وأثق به وبيننا عشرة عمر، آخذ حكمه على أنه مطلق، وخصوصاً إن كان على صلة بالآخرين واستطاع اختبارهم في أكثر من موقف . وعن الأحكام السائدة في المجتمع يقول: هناك أحكام جائرة، وأخرى صحيحة، فمثلاً أنا مع أن المرأة لا تحسن قيادة السيارة بنسبة 80%، ولكن هذا لا يعني أن قلة منهن تحسن ذلك .
وترى أفراح المصعبي، ممثل خدمة عملاء في بلدية الشهامة، أن التعامل مع الشخص أكثر من مرة هو ما يجعل الحكم عليه صحيحاً، وتقول: أحكام كثيرة نصدرها من دون وعي منا، تكون في أغلبها سريعة، ولكنها لا تكون صادقة في أغلب الأحيان . وأذكر أني قابلت فتاة أعطتني انطباعاً أنها متكبرة، فكنت أتجنبها، ولكني حين جلست معها مرة اكتشفت أنها غير ذلك، وأنها إنسانة لطيفة ولكنها لا تعرف كيف تبدأ حواراً مع الآخرين . وعن الأحكام العامة التي انتشرت مثل أن المدير قاس تقول: من الخطأ التعميم، فالمديرون منهم مَن هو قاسٍ ومنهم غير ذلك .
درع الخائفين
أكدت الاستشارية النفسية، د . أمل بلهول، توضح أن إصدار الأحكام المسبقة ينتج عادة عن الخوف من شيء ما، ليكون الحكم درعاً يحاول الشخص من خلاله أن يحمي نفسه، أو يتجنب أي هجوم أو ردود أفعال سلبية يتوقع أن تجرحه أو تؤلمه . وتقول: ما يزيد المشكلة سوءاً التعميم، ليتحول موقف واحد إلى مفهوم، ويصعب بعد ذلك تصحيحه، لأن العين لا ترى إلا ما تتصيده، وأكدت أن الإنسان إن لم يتأكد من الحكم الذي أصدره فسيتحول إلى حقيقة في داخله ليسهل تعميمها بعد ذلك بين الآخرين . وعن كيفية التخلص من هذه المشكلة تقول: التدريب، وذلك من خلال القراءة في مجالات تنمية الذات وفنون التواصل مع الآخرين، ومحاولة التطبيق في الواقع . وأكدت أن مجتمعنا العربي يعاني مشكلة إصدار الأحكام المسبقة وتحكمه الشائعات، وتأسف على إهمال الناس لجوانب تنمية الذات وانشغالهم بالمادة . ورأت أن الجهات المهتمة بهذه المجالات تحتاج إلى إعادة تنظيم لتقدم خدماتها بشكل صحيح .