الأم الصغيرة سكرتيرة الوالدة وكاتمة الأسرار والممرضة والمعلمة والمربية والقدوة والحماية والدفاع والخادمة الماهرة . وتمثل الأخت الصغرى حالة من العواطف والحب والعطاء تعيش في كل أسرة تمنح الدفء والأمان لكل أفرادها من الصغير إلى الكبير ولا تنتظر أجراً أو مقابلاً من أحد، ورغم صغر سنها إلا أن ترتيبها بين أفراد أسرتها وضع على عاتقها الكثير من المسؤولية والجهد وفرض عليها سناً أكبر منها بكثير وعقلاً أوسع من عمرها بسنوات مما جعلها رمز الحنان .
في السادس من ديسمبر/كانون الأول سنوياً يحتفل اليابانيون بيوم الأخت الكبرى، وهو عندهم عيد له طقوسه، مراسمه وهداياه مثل عيد الأم تماماً، تقديراً منهم واعترافاً بدور هذه الأخت في حياة أسرتها . ورغم أننا في العالم العربي لا نعرف عن هذا اليوم أي شيء ويمر علينا مرور الكرام، إلا أننا نعرف جيداً دور الكبيرة بيننا وأحياناً نقدره كما يتضح من التجارب التي نستعرضها .
رغم أنها لا تملك سوى اخت واحدة والفرق بينهما ليس بكثير إلا أنها هي من يتحمل المسؤولية والرعاية هكذا توضح، بسنت محمد أبو العلا 24 عاماً، تقول: من داخلي أشعر بأنني أم أختي ولابد أن أرعاها واحضر لها كل شيء تريده حتى من دون أن تطلبه، فأنا أوقظها صباحاً في ميعاد ذهابها للعمل وأعد لها الإفطار وكذلك السندوتشات التي تأخذها معها وعند عودتها من العمل أعد لها الغداء والملابس وكل شيء من دون أن تطلب . وتضيف: إذا خرجت للشارع أو التسوق ورأيت أي شيء تحبه من ملابس أو طعام اشتريه فوراً وأقدمه لها هدية لأنني بطبعي أحب الأمومة وأحب أختي وأخاف عليها مثلما تخاف أي أم على بنتها، أحياناً أرفض بعض تصرفاتها، ليس تحكماً مني فيها، ولكن من باب الأمان والحرص عليها، هي لابد أن تسمع كلامي وتأخذ برأيي احتراماً لفارق السن بيننا إلا أنها أحياناً ترفض وتعترض فهي تريد أن يكون لها شخصيتها وتأخذ قراراتها بمفردها مثل أي بنت في سنها وطبعاً رد فعلها يحزنني كثيراً لأنني أتوقع أن الطاعة فأنا أمها التي لم تلدها . أن دور الأم الصغيرة أو البديلة له عيوب ومميزات، وتقول: رغم أنني اشبع غريزة الأمومة عندي وأشعر بالمتعة مع أختي إلا أنني أشعر بالضيق عندما يحدث أي اختلاف بيني وبينها ويكون رد أبي وأمي أنت الكبيرة فطالما أنني أنا الكبيرة فطاعتي واجبة واحترامي مقدس، لكن في النهاية اذهب واحضنها وأصالحها فهي بنتي .
من داخل إحدى الحدائق كانت تجلس أمام طفلين تحرسهما وتلعب معهما كأنها الأم أو المربية . هي نور نصوح التي لم يتعد عمرها ال 18 ربيعاً إلا أنها الكبرى وجاءت إلى الحديقة مع أخويها للتنزه وقالت: أنا فعلاً أشعر أنني أمهما حتى في وجود أمي وهذا يجعلني اتمنى أن أكون أنا الصغيرة فكثيراً ما أشعر بأنني أكبر من سني بكثير يقع على عاتقي مسؤولية الاستذكار لأخوي وكذلك إعداد كل شيء يريدانه تقريباً حتى إذا أرادوا أي شيء لا يطلبانه من أمي، بل مني .
إيمان علي، موظفة في بنك قالت: أنا الأخت الكبرى والصغرى في نفس الوقت، فترتيبي هو الوسطي بين أخواتي ورغم أن الفرق بيني وبينهن ليس الكبير إلا أن الكبرى دائماً تخاف عليّ وتوجهني وتعطيني النصائح ودائماً رأيها يكون على صواب . ورغم أنني كثيراً ما أشعر بالضيق من تعليقاتها وتدخلها في قراراتي إلا أنني أمارس نفس الدور مع أختي الصغرى وهذا يدل على أن الأخت الكبرى هي أم صغرى تخاف وترعى وتهتم وخاصة في مجتمعاتنا العربية التي تعتبر فيها الأخت الكبرى ملاذاً وملجأ نستطيع أن نحكي معها مالا نستطيع أن نتحدث فيه مع غيرها لأنها الإنسان الوحيد بعد الأم الذي سيخاف علينا ويوجهنا للطريق السليم ولن يفشي أي أسرار تخصنا أبداً .
تتفق أم خالد مع ذلك اتفاقاً كاملاً وتؤكد أن الكبرى كاتمة أسرار من الدرجة الأولى للعائلة كلها، تقول: لي أخت أكبر مني، ورغم أنها تزوجت وأنا كذلك إلا أنها بمثابة أمي اهاديها مثلما أهادي أمي في عيد الأم، لا استطيع أن انكر دورها في حياتي أبداً منذ كنا طفلين في بيت أبي، فقد كانت دائماً السند لي والمرشد وكانت من يقف بجانبي عندما أفعل أي شيء يغضب أمي وأبي وكانت تعطيني كل شيء بحب وحنان ولا تنتظر أي مقابل فكيف لا نعتبرها رمزاً للحب؟ وكيف لا نقبل رأسها ويديها؟ بل من حقها علينا أن نخصص لها يوماً نحتفل بها ونكرمها .
علياء عبدالله 24 عاماً لها رأي مختلف، وقالت: أنا الكبيرة وأحل محل أمي في كل شيء حتى معها هي ذاتها وأشعر بأنها بنتي وليس العكس فكل أسرارها معي، كذلك الحال لإخوتي، ففي البيت أنا مسؤولة عن كل متعلقاتهم واحتياجاتهم من ملابس وغذاء واستذكار دروس، ورغم أن فارق السن ليس بكبير لكن ترتيبي العائلي كبلني بالهموم منذ كنت طفلة، لدرجة أنني كرهت هذا الترتيب الذي شعرت معه منذ كنت في العاشرة من عمري أنني أم عليها واجبات وليس لها أي حقوق فعلى كل أم الا تبالغ في إلقاء المسؤولية على البنت الكبرى حتى لا تشيخ من داخلها أو تكون نتيجة هذا العبء عكسية .
رغم أن حليمة عبدالحافظ 23 عاماً وهي أيضاً أم صغيرة أو أخت كبيرة تتفق مع هذا الرأي وأكدت أن دور الأخت الكبيرة قد يشعر البنت بأنها لا تعيش سنها، أيضاً أنها مظلومة لتحملها كل هذا الكم من المسؤوليات، إلا أن له جوانب ايجابية منها حب الأهل واعترافهم بفضل وجميل هذه البنت على باقي أفراد الأسرة، والفائدة الثانية عرفتها بعد زواجي، فهذا الدور أهلني لأن أصبح أما وزوجة ناجحة منذ اليوم الأول في بيت زوجي فقد تدربت على الطبخ، وتربية الأطفال، وإعداد ونظافة المنزل وكذلك طرق معاملة الرجل لأن والدي دائماً كان يستشيرني في أمور المنزل، فأنا أكثر واحدة في أخواتي على دراية بكل شيء في بيتنا منذ كنت طفلة عكس الأخت الصغرى المدللة التي كثيراً ما تواجه مشكلات زوجية بسبب قلة خبراتها .
اتفقت أم سما مع هذا الرأي وأكدت أن كونها أماً لأخواتها وحارساً مسؤولاً عن رعاية ا لصغار ومتطلباتهم أفادها عند تربية أولادها واكسبها خبرة كبيرة لا تقل عن المسؤولية التي حملتها على أعناقها عندما كانت في بيت أبيها، فزوجها كان يندهش عندما يراها تتعامل مع طفلها وهو مريض وكيف كانت تتعامل بحكمة وصبر . وتقول أم سما ضاحكة: استفدت أيضاً بالهدايا التي يحضرها لي أخواتي الصغيرات .
أما ماجدة شاهين مدرسة فقالت: الأخت الكبرى تسهر وتحنو وتعلم وتربي مثل الأم تماماً وتمنح حباً ورعاية واهتماماً حتى النقود والهدايا، فهي في عين الصغار بنك متحرك وبابا نويل حياتهم الذي يحضر كل شيء من دون مقابل، لكن الصدمة الكبرى عندما تجد في المقابل جحوداً لهذا الدور من الإخوة، بل من المجتمع كله، فنحن الآن نسمع كثيراً عن الأخت الصغرى التي خطفت خطيب الكبرى أو التي تغار منها وتعتبرها تتدخل في شؤون حياتها لأنها متسلطة أو عانس كما يقولون، وتضيف: لم نعد حتى نلتزم بالعادات الخاصة بزواج الكبيرة قبل الصغيرة وهم لا يعرفون كيف يجرح هذا مشاعرنا وكرامتنا . ودول العالم التي تحتفل بالأخت وتكرمها لا تفرق في المعاملة بين الإخوة في الواجبات والحقوق، فمثلاً أعمال المنزل من طعام ونظافة توزع على جميع أفراد الأسرة بمن فيهم الأب عكس بلادنا العربية التي تتكل على الكبرى في كل شيء لدرجة أنني أحياناً أشعر بأني خادمة .
حياة فكري، أم لديها بنتان الصغرى والكبرى، قالت: طوال حياتنا ونحن نقدر الكبرى حتى لو كان دورها وتأثيرها في الأسرة ضعيفين، فكلنا نعرف أن لكل مقام مقالاً فما بالك لو كانت هذه الأخت الكبرى تقوم بدور الأم وواجباتها؟ هنا لابد أن نزيد التقدير والاحترام وكذلك الاعتراف بالجميل . وتؤكد فكري أن البنت الكبرى لم تكن هي بطبيعتها وهذه العاطفة لديها عالية فلن تنجح ولن يعتمد عليها أحد وتقول: الكبيرة ليست بالضرورة كبيرة السن، فأنا لست أكبر إخواتي، لكنهم يعتمدون علي أكثر من أختنا الكبيرة التي نحترمها ونقدرها بحكم سنها، وفيما يخص التعامل مع الكبرى والصغرى تقول: إذا حدث وقلنا للكبرى أنت الكبيرة فنحن لا نجور على حقها أو نظلمها لكن هي فعلاً أكبر في العقل والتفكير، فالمثل يقول أكبر منك بيوم يعرف عنك بسنة ونحن أيضاً نعرف قيمتها ونفرض على الصغرى أن تحترمها ولا نفرق أبداً في التعامل .
وإذا كانت تلك هي الآراء التي سمعناها ونقلناها من على أرض الواقع، كيف يرى علماء الدين الأخت الكبرى التي ربما تنسى نفسها لتتحول إلى ترس في تروس الحياة تعطي وتهب للآخرين من دون أن تفكر في نفسها؟ وما هو أيضاً رأي علماء النفس في تلك الأخت التي تحولت إلى ظاهرة في نسبة لا بأس بها من الأسر العربية؟
تقول د . عبلة الكحلاوي، الأستاذة في جامعة الأزهر: صلة الأخت الكبرى بإخواتها تعد امتثالاً لأمر الله سبحانه وتعالى، الذي جعل صلة الرحم من الحقوق ا لعشرة التي أمر بها أن توصل في القرآن الكريم .
وأكدت أن علاقة الزوج والزوجة يجب ألا تتأثر بهذه القضية، خاصة أن البنت التي اعتادت على رعاية الآخرين لا ينتهي دورها بعد الزواج، وأن الزوج الصالح لن يمنع زوجته عن صلة رحمها، والاهتمام بشؤون أفراد عائلتها والزوجة الصالحة عليها ألا تضع هذه القضية عذراً لاغفال حقول الزوج والأسرة . وأضافت أن تعبد الزوج والزوجة وأداءهما الفرائض والسنن وكل أعمالهما الصالحة لا تقبل إن كانا من قاطعي الرحم . واستشهدت الكحلاوي بقول أبي هريرة رضي الله عنه: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إن أعمال بني آدم تعرض على الله تبارك وتعالى عشية كل خميس ليلة الجمعة فلا يقبل عمل قاطع رحم رواه أحمد .
وعن التأثير المادي للأسرة والزوجة في حال ما كانت تساعد إخوتها مادياً قالت الكحلاوي: إن الرسول الكريم أكد أن صلة الرحم هي أحد أسباب بسط الرزق وطول العمر، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه رواه البخاري ومسلم . وأكدت الكحلاوي أن الزوجة الصالحة تستطيع أن تتوافق مع زوجها حول علاقتها بإخوتها من دون أن يتسبب ذلك في احساسه بتقصير منها تجاهه بل وتستطيع أيضاً إن قدر الله لها زوجاً صالحاً أن تجعله سبباً في إسعاد ومساعدة إخوتها وتجعلهم سبباً في إسعاد ومساعدة ومؤازرة زوجها وأطفالها .
د . السيد خليل، أستاذ علم النفس، يقول: الأخت الكبرى يجب ألا تنسى نفسها وتقصر حياتها على خدمة الباقين، فهي إنسان له حقوق وواجبات، وعلى الجميع أن يتعامل مع هذا الدور بحب وود وتقدير لمجهود ومسؤولية كبيرة تقع على عاتق هذه الأخت التي لا ينتهي دورها بمجرد أن تخرج من بيت والدها بل تهتم أيضاً بشؤون عائلتها حتى بعد زواجها لأنها أصبحت في حياة الجميع أماً بديلة وخاصة إذا كانت الأم متوفاة . ويضيف: أما في حال امتعاض الزوج أو الأبناء من اهتمام الزوجة بإخوتها خاصة إن كان ذلك سبباً في تقصير منها تجاه أسرتها فقد يفتح الباب أمام تشوه النسيج الاجتماعي للعائلة . ومن ناحية أخرى، فالعلاقة الزوجية بكل أشكالها تتأثر تأثراً مباشراً بالحالة النفسية التي يتسبب بها شكل العلاقة الاجتماعية والعائلية التي تربط الزوجة بإخوتها لدرجة قد تصل إلى تصنيف الزوج لهذه العلاقات وهذا الاهتمام بمنأى عن صلة القرابة التي تربط الزوجة بأخواتها .