تحقيق: بكر المحاسنة

فرق كبير بين اهتمام الأخ الأكبر بإخوته وبين التسلط عليهم، فالاهتمام هو حب وعطف وتفاهم ومساعدة في حل المشكلات التي قد يواجهونها، بينما التسلط هو فرض رأي، وتحكم وتسخير الآخرين للخدمة.
كثير من الأسر تعاني الأمرين من تسلط وظلم الأخ الأكبر، الذي يتناسى العلاقة الأخوية ويبطش بأخواته في الغالب، حيث يحرمهم من ممارسة أبسط حقوقهم سواء الحرية في العلم، أو العمل أو العلاقات الاجتماعية، وأحياناً كثيرة يستغل ضعفهم ويحاول أخذ نصيبهم من الميراث، وذلك باستخدام أسلوب الضغط والتعنيف اللفظي أو الجسمي إذا لزم الأمر، مع أن الشرع لم يعط للأخ حق الولاية إلا في زواج الأخت، وللأسف أيضاً يمارس الأخ الأكبر أسلوبه في التحكم والظلم في اختيار الأخت لشريك حياتها.
والسؤال: هل ولاية الأخ الأكبر على إخوته تحكم أم خوف عليهم؟
تقول هبة ناصر: «بعد وفاة والدي رحمه الله أصبح أخي الكبير هو المسؤول الأول في البيت، وأصبح هو المهتم بنا من كافة النواحي، لكن لا أعتقد أن اهتمامه خوفاً علينا من صعوبات الحياة، بقدر ما هو رغبة في أن يحل مكان والدي، وبفرض رأيه عليّ أنا وإخوتي الصغار بكل شيء، وذلك لأن مجتمعنا ذكوري، سمح له أن يتدخل في كل كبيرة وصغيرة، كما أن والدي رحمه الله كان يؤكد على مسامعه ليلاً ونهاراً أنه هو المسؤول عن العائلة من بعده، وله الكلمة العليا في البيت، وعلينا نحن تنفيذها واحترامها مهما كان».
أما عائشة.ع. م، موظفة في إحدى المؤسسات الخاصة فتقول: «على الرغم من وجود والدي في المنزل، إلا أن أخي الأكبر هو المسؤول عنا، بسب تدهور الوضع الصحي لوالدي، وهو مما أدى إلى تحكم أخي فينا في كل صغيرة وكبيرة، من باب حب فرض السيطرة ليس إلاَّ، مؤكدة أن من أهم أسباب سيطرة الأخ الأكبر علينا، هما الأب والأم اللذين يقومان بإعطائه أكبر من حجمه».
مجتمع ذكوري
تتفق معها في الرأي هديل سمور التي تقول: «بعد وفاة والدي أصبح شقيقي الأكبر هو المهتم بنا، لكن اهتمامه ليس خوفاً علينا، أومن قبيل المحبة؛ وإنما لأنانيته ورغبته في السيطرة، مما أصابه بالنرجسية وحب الذات، وأصبحنا كالدمى بين يديه، يحرّكها أينما شاء، ووصل تماديه إلى أنه فرض علينا نحن شقيقاته اختيار الأزواج المناسبين لنا دون الاهتمام برأينا أو مشاعرنا، مؤكدة أن فرْض سلطته علينا، يرجع إلى أنه يعيش في مجتمع ذكوري، يشجع الرجل على السيطرة على المرأة».
ويشير خليفة عبد الله البالغ من العمر 18 عاماً، إلى أنه: «بعد وفاة والدي أصبح أخي الأكبر هو الراعي لي ولأخواتي، وأصبح هو بمثابة والدي، ودائماً يسأل عنا ويطمئن علينا، ويلبّي ما نحن بحاجته، وهو شخصية مرنة قادرة على خلق علاقة جميلة مبنية على التفاهم بينا وبينه، ويؤكد أنه أخ واع ومثقف، ويدرك ما هي المسؤولية، وبفضل الله العلاقة بينا مبنية على الود والحب والتفاهم، وزرع الثقة بين الطرفين».
أما ليلى أنس فتقول: «على الرغم من وجود والدي، إلا أن مرضه لا يسمح له بإدارة شؤون الأسرة، وبالتالي بات أخي الأكبر هو الراعي للأسرة، وهو يحمل على عاتقه هم إخوته الصغار، ولا يدخل في الشؤون الخاصة بنا، إلا أنه يهتم بنا وتهمه دائماً مصلحتنا دون تسلط أو استفزاز».
أما غادة جواد محمد فتقول: «لقد منحني الله عز وجل أخاً أكبر مني، طيب حنون، وهو بمثابة أب للجميع بعد وفاة والدي، حيث يتعامل معنا كأننا أولاده، ويتحمل منا أي تصرفات حتى لو كانت قاسية بحقه، وبعد وفاة الوالد مباشرة نجح أخي في الحفاظ على أسرتنا من التفكك، وساعدنا على تجاوز هذه المحنة بكل طيب وحب وصبر، ولولاه لتمزقت الأسرة وبات كل واحد لا يفكر إلا في نفسه؛ لذلك أنا وإخوتي نحترم شقيقنا الأكبر ونحبه ونثق فيه، ونشاوره في كل أمور حياتنا».
تطبيق خاطئ
ويقول الدكتور عبد الناصر الزعابي، الباحث في القانون العام: «من المعروف أن الولاية حق للأب، ثم تنتقل إلى العاصب بنفسه على ترتيب الإرث، فبعد الأب تنتقل الولاية إلى الأبناء، ومن الأبناء تكون للابن الأكبر، بشرط توافر الأهلية التي نص عليها القانون، وهي البلوغ والعقل والرشد والأمانة في تدبير مقتضيات الولاية، فإذا لم تتوافر هذه الشروط، انتقلت لغيرة في ترتيب مستحقيها. والإشكالية التي تحدث، هي في عدم فهم البعض بأن الولاية تكليف يجب القيام بواجباته على أكمل وجه، وليست تشريفاً (ويقصد بالتشريف هنا التفاخر وفرض السلطة)، وهو ما يؤدي إلى تطبيق خاطئ لشروط الولاية. وبالتالي حدوث كثير من المشاكل، ومن الطبيعي هنا أنه لو قام الأخ الأكبر بالولاية بالطريقة المثلى؛ التي نص عليها القانون دون تعسف أو خوف مبالغ على أخواته، فإنه سينال تقديرهن واحترامهن، وتتحقق بذلك مقاصد الشريعة في إدارة أمورهن وتدبير شؤونهن».

النظرة الشرقية
تؤكد عائشة عيسى الزعابي اختصاصية اجتماعية ونفسية، أن اهتمام الأخ الكبير بأخواته وإخوانه من الممكن أن يكون تسلطاً من قبيل الخوف عليهم، لكن ذلك يرجع إلى طبيعة الأخ وطريقة تربيته وأفكاره ومعتقداته، فإن كان الأخ مسؤولاً عن عائلته ويحمل هم إخوته، وقد رباه والداه على الاهتمام بهم بهذه الكيفية فيكون حرصه من مبدأ الخوف عليهم، بينما البعض الآخر يمارس دور المتسلط لا لشيء غير تلك النظرة الشرقية تجاه الفتاة، وأنها تحت أوامره والحميّة الجاهلية القديمة.
ويرجع تسلط الأخ الأكبر على الصغار بعد فقدان والديهم إلى العديد من الأسباب، فربما كما أسلفت أن تكون مكتسبة من تنشئته الاجتماعية من والديه أو من معاشرته لأقرانه أو قد تكون حالة مرضية نفسية السادي الذي يحب السلطة وتعذيب الآخرين وجعلهم تحت تسلطه وجبروته، وما ينتج عن تسلط الأخ الكبير العديد من النتائج، منها عدم قدرة الأخوات والإخوان الصغار من حبه، والنفور من تصرفاته والتذمر منه، وقد يصل الحال إلى أن تصل إلى القضاء للفصل بين مشكلاتهم. وتؤكد الزعابي أن للتنشئة الاجتماعية دوراً في سيطرة الأخ على إخوته الصغار، وهذا هو الأغلب الأعم لكون الوالدين هما من غرسا هذه الأفكار والعادات في أثناء التربية، فالأبناء يرون تصرف والدهم مع أخواته ومع بناته، وهم يتعلّمون منه.