يتمثل الأساس الفكري والعقدي لتسامح المسلمين مع مخالفيهم، في عدة عناصر أساسية، تكون الفلسفة المتسامحة مع الآخرين:

الأول: أن المسلم يعتقد من قراءته لكتاب الله، أن اختلاف الناس في الدين، واقع بمشيئة الله تعالى، التي لا تنفصل عن حكمته، وما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، كما قال تعالى: ولو شاء ربك لجعل الناس أمةً واحدةً ولا يزالون مختلفين، إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم (هود: 118 119)، وغير ذلك من الآيات .

والمسلم يسلم لمشيئة الله تعالى، لأنه لن يستطيع معارضتها، فهي نافذة لا محالة، ثم إنه لن ينظم الكون أفضل مما نظمه خالقه عز وجل .

والثاني: أن حساب الناس على كفرهم إذا كفروا، وعلى ضلالهم إذا ضلوا ليس في هذه الدنيا، وإنما هو في يوم الفصل، أو يوم الحساب، الذي توفى فيه كل نفس ما كسبت، والذي يحاسب الناس في هذا اليوم، أو تلك الدار: إنما هو خالقهم الذي يعلم سرهم ونجواهم، وما تخفي صدورهم ويعلم المعذور منهم من غير المعذور، ويعلم من كفر منهم عجزاً وجهلاً، ومن كفر عناداً واستكباراً من بعد ما تبين له الحق .

وهذا ما يقرره القرآن: إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد (الحج: 17) .

وقال تعالى لرسوله: وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون، الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون . (الحج: 68 - 69)

وقال تعالى: وقالت اليهود ليست النصارى على شيء، وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب، كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم، فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون (البقرة: 113) .

كما أمر الله رسوله أن يقول لمخالفيه: الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير (الشورى: 15) .

العنصر الثالث: أن المسلم مأمور من ربه بأن يعدل مع الناس جميعا، ولا يجوز أن يحمله شنآن قوم أي شدة بغضهم له أو بغضه لهم على أن يحيد عن منهج العدل كما قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون (المائدة: 8) .

وقد ذكرت كتب التفسير: أن الله تعالى أنزل تسع آيات في سورة النساء تدافع عن يهودي اتهم ظلما بسرقة هو بريء منها، وكان الجاني الحقيقي أحد المسلمين، الذي اجتهد أهله وذووه أن يدفعوا الرسول ليخاصم عنه وعنهم، فنزل الله تعالى: إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيماً، واستغفر الله إن الله كان غفوراً رحيماً، ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خواناً أثيماً (النساء: 105 107) .

الرابع: أن الإسلام يكرم الإنسان لمحض إنسانيته وآدميته قبل كل شيء، سواء كان مسلما أم غير مسلم: ولقد كرمنا بني آدم (الإسراء: 70) .

وقد روى البخاري عن جابر: أن النبي عليه الصلاة والسلام مروا عليه بجنازة فقام لها واقفا فقالوا له: يا رسول الله إنها جنازة يهودي، فقال: أليست نفسا؟ فما أروع موقفه صلى الله عليه وسلم، وما أروع تعليله فقد أعلمهم أن النفس الإنسانية، من حيث هي نفس، تستحق الاحترام والتكريم .