الحوار والتواصل والمشاركة في اتخاذ القرارات بين أي شريكين في الحياة أمور مهمة وضرورية لكنها بين الزوجين تصبح أمراً في غاية الأهمية والحيوية . فالزواج البعيد عن الحوار والمشاركة بين الزوجين في القرارات الخاصة بالأسرة هو الأكثر ضعفاً والأكثر إثارة للمشاكل وسوء الفهم، وهو الأقرب دائماً إلى الفشل .
كشفت دراسة اجتماعية حديثة أجراها مركز الدراسات والبحوث السكانية التابع لجهاز التعبئة العامة والإحصاء في مصر أن 74% من الأزواج ينفردون بالقرارات داخل الأسرة بينما تنفرد 17% من الزوجات بالرأي دون الرجوع إلى الزوج ويشترك الاثنان بنسبة 8% فقط، موضحة أن ذلك يعتبر من الأسباب الجوهرية في إعصار الخلافات الزوجية الذي يجتاح الأسرة ويعتبر دافعاً قوياً أيضاً لارتفاع معدلات الطلاق .
وفي دول الخليج تشير أحدث الإحصاءات إلى أن 38% من أسباب الطلاق بسبب غياب الحوار بين الزوجين واستبداد أحدهما بالقرارات داخل الأسرة وتهميش الطرف الآخر نهائيا .
يؤكد الدكتور محمد عبدالغني شامة، أستاذ الفلسفة الإسلامية في جامعة الأزهر، ضرورة وجود حوار وتفاهم بين الزوجين في كل ما يخص الأسرة، ويرى أن استبداد الزوج برأيه وفرضه على الأسرة سلوك مرفوض شرعاً وعقلاً وعرفاً ويقول: قوامة الرجل لا تعني إطلاقاً أن يستبد برأيه، وأن يهمل رأي زوجته وأبنائه في ما يتعلق بشؤون الأسرة والزوج الذي يبحث عن أسرة مستقرة يجب عليه أن يستشير زوجته ويحترم رأي أبنائه ويتحاور معهم، ويصل إلى القرار السليم بمشاركتهم، ولابد أن نعلم أولادنا كيف يتحاورون ويتناقشون، وكيف يحترم كل واحد منهم رأي الآخر، فنحن في حياتنا العامة وخارج بيوتنا نفتقد الحوار، ويحاول كل صاحب رأي أن يفرض رأيه على الآخرين لأننا لم نتدرب على الحوار منذ الصغر ويجب أن يكون الزوجان قدوة للأبناء في الحوار واحترام آراء المخالفين .
المشاركة الإيجابية
ويضيف: المرأة والرجل شريكان في الأسرة وفي تربية الأطفال ولا يعقل أن تستقيم حياة الأسرة من دون مشاركة إيجابية من الطرفين وإلا اختلت موازين الأسرة وانعكس ذلك سلبياً على الأطفال . وقد حمل النبي صلى الله عليه وسلم كلاً من الرجل والمرأة هذه المسؤولية المشتركة عندما قال: كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، الرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها . وإعطاء المرأة المسؤولية هنا ينفي تماماً تهمة تبعيتها الدائمة للرجل .
ويشير الدكتور شامة إلى أن القوامة التي شرعها الإسلام لا تعني الاستبداد والتحكم في الزوجة، فالقوامة هي رياسة الرجل في البيت وهي رياسة شورية لا استبدادية ومقيدة بأوامر الشريعة ونواهيها . وبالعرف المرعي بين الناس وحفظ الكرامة في حالة الحب والكره والرضا والسخط، قال تعالى: وَعَاشرُوهُن بِالْمَعرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُن فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً . والقوامة في الإسلام تعني زيادة الأعباء والتكاليف على الرجل .
وكما ألقى الدكتور شامة باللوم الشديد على الزوج الذي يستبد برأيه ولا يحترم رأي زوجته فإنه أيضاً يلقي اللوم على الزوج المستهتر الذي يهمل مسؤوليته ويتخلى عن واجباته ويترك الحبل على الغارب لمن هم تحت ولايته ويقول: الإسلام جعل الرجل مسؤولاً عن زوجته وأبنائه، ولا يجوز للرجل أن يتخلى عن هذه المسؤولية ومهما بلغت المرأة من العلم والفكر والخبرة يظل الرجل هو الأقدر على اتخاذ القرار المناسب، لذلك لابد أن يعود الرجل للقيام بواجباته الأسرية من دون تعسف ومن دون إهدار لحقوق الآخرين حتى يستقيم حال الأسرة المسلمة وتتخلص من المشكلات التي تعانيها .
دعائم السعادة
الدكتورة سعاد صالح، أستاذة الشريعة الإسلامية والعميد السابق لكلية الدراسات العربية والإسلامية في جامعة الأزهر، تؤكد أننا أصبحنا نعاني اختلالاً في ميزان الأسرة المسلمة وتقول: الأصل في العلاقة بين الزوجين أن تقوم على المعاشرة بالمعروف لقول الله تعالى: وَعَاشِرُوهُن بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُن فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً .
وأيضاً هناك تبادل بين الحقوق والواجبات فكل حق يقابله واجب، يقول تعالى: وَلَهُن مِثْلُ الذِي عَلَيْهِن بِالْمَعْرُوفِ وقد وضع الله سبحانه وتعالى الأسس التي يجب أن يقوم عليها البيت المسلم من التشاور والتناصح وعدم الضرر، وعدم التكليف فوق الطاقة، وبين سبحانه وتعالى ذلك بقوله: وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُن حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِم الرضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُن وَكِسْوَتُهُن بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلفُ نَفْسٌ إِلا وُسْعَهَا لاَ تُضَار وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ ثم قال سبحانه وتعالى: فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ منْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا .
فإذا كان الأمر كذلك بالنسبة لفطام الرضيع والكلام للدكتورة سعاد صالح وهو من الأمور الهينة في الأسرة، فما بالنا بالأمور العظيمة كالتشاور مثلاً في زواج الأبناء في تسيير أمور الأسرة، ثم تأتي بعد ذلك القوامة، وهي درجة الرئاسة في الأسرة التي تكون للزوج كحماية وتكليف ومسؤولية وليست كتشريف له أو تكريم، ومن واجب الزوج أن يعلم أن إساءة استخدام القوامة وتسلطه على زوجته أمر مرفوض شرعاً، فالقوامة التي منحها الله عز وجل للرجال على نسائهم لا تعطي للرجل حق التسلط على زوجته وإساءة التعامل معها وإلغاء رأيها وتحويلها إلى مجرد خادمة له ولأولاده، فقد حث الإسلام على احترام رأيها وجعل ذلك من حسن معاشرتها ومن واجب الزوج أن يستشير زوجته تأسياً بالنبي صلى الله عليه وسلم فقد كان يستشير زوجاته .
وتضيف: حسبنا دلالة على أهمية استشارة المرأة وأخذ رأيها، ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية عندما لم يستجب الصحابة إلى الأمر بالتحلل من الإحرام . وتوقفوا عن النحر والحلق، فلما اأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أم المؤمنين السيدة أم سلمة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله لا تلمهم فإنهم قد دخلهم أمر عظيم مما أدخلت على نفسك من المشقة في أمر الصلح ورجوعهم من غير فتح، ثم قالت: يا نبي الله اخرج ثم لا تكلم منهم أحداً كلمة حتى تنحر بدنتك وتدعو حالقك فيحلق لك . فخرج النبي وفعل ذلك فقاموا وجعل بعضهم يحلق لبعض .
ومن هنا فإن الرجل الذي يستشير زوجته ويسمع إلى رأيها يدل ذلك على رجولته بل إن ذلك لا يعني ضعف ثقته في نفسه وخوفه من سيطرة موهومة من الزوجة لأن المصلحة بين الزوجين واحدة .
غياب الحوار الأسري
وعن حكم الإسلام في الآباء والأمهات الذين يجبرون أولادهم وبناتهم على مواقف معينة في الأمور المصيرية كالزواج والتعليم والوظيفة وغيره يقول الشيخ فرحات المنجي عضو لجنة الفتوى بالأزهر: غياب الحوار الأسري سواء بين الأزواج والزوجات أو بين الآباء والأبناء وراء كل المشكلات الأسرية والاجتماعية التي نعاني منها الآن في واقعنا الاجتماعي . وفي ظل غياب هذا الحوار تتكون حواجز نفسية بين الآباء والأبناء ولا يكون هناك تفاهم وثقة متبادلة وعندما يختلف الأب مع ابنته أو ابنه حول مسألة الزواج تنمو المشكلة وتتعقد في ظل وجود حواجز نفسية بين البنت ووالدها لأنه لو كانت هناك ثقة متبادلة وكان هناك حوار بين الطرفين لتم تقريب وجهات النظر وحسمت المسألة باقتناع الأب بوجهة نظر ابنته أو اقتناع البنت بوجهة نظر أبيها . فلا بد أن يكون الشاب أو الفتاة راضياً ومقتنعاً تماماً بمن سيقضي معه بقية عمره، وكذلك بالعمل الذي سيعمل فيه ونوع الدراسة التي سيدرسها ولابد أن يدرك الآباء أن الذين يتدخلون في اختيارات أولادهم لن يحققوا لهم الاستقرار والسعادة .
خطأ فادح
الدكتورة هناء أبوشهبة، أستاذة علم النفس في كلية الدراسات الإنسانية في جامعة الأزهر، تؤكد أن الإسلام وضع أسساً قوية ومتينة لإدارة شؤون الأسرة وصيانتها من كل ما يعتريها من هزات ومشكلات تقول: للأسف انسقنا وراء عادات وتقاليد بالية تفسد حياتنا وحياة أبنائنا بأنفسنا، أصبحنا نتخذ قرارات عشوائية لا دافع من ورائها إلا العناد والمكابرة والتسلط والرغبة في تحدي الطرف الآخر .
وتضيف: إن كل زوج يهمش زوجته في القرارات الأسرية وخاصة المصيرية منها يرتكب خطأ فادحاً لأنه يحكم على مشاعر وعواطف زوجته بالإعدام ويضيع الفرصة في أن يبني معها علاقة صداقة، بل إن أولاده دائماً ما يأتون في صف الزوجة من دون أن تطلب منهم ذلك لأنهم يشعرون بأنها الطرف المقهور ويحاولون تعويضها ومبادلتها حباً بحب في حين يتجنبون التعامل مع الأب كثيراً وتصبح العلاقة بينهم روتينية لا أكثر .
وتقول الدكتورة هناء: لو بحثنا في أسباب المشكلات التي يعانيها المجتمع من إدمان وطلاق وخلافات زوجية وخيانة وعنف وشك وغيرها لوجدنا أن السبب الأول هو غياب الحوار داخل الأسرة فالصمت والتسلط جعلاً من الزوج أو الزوجة طرفاً سلبياً في العلاقة الزوجية، وبالتالي فلن يتعامل مع الطرف الآخر من منطلق الحق، وإنما سيتعامل معه على أنه قدره المحتوم الذي لا يستطيع تغييره .
فن الاستماع
أما الدكتورة سامية الساعاتي، أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، فترى أن الحوارات التي تجري داخل بيوتنا فيها العديد من الأخطاء التي تذهب بفائدة الحوار وتبطل أثره في النفوس بل وربما تجلب الشقاق والنزاع والخلاف وتورث الحقد والبغض والكراهية وتقول: من أبرز هذه الأخطاء الحوار في ظروف غير مناسبة وعدم ترك مجال لشريك الحياة للحوار وعدم ضبط النفس عند الحوار وعدم اعتراف أحد الزوجين بالخطأ .
وتضيف: إن بعض الزوجات يكن السبب في استبداد الزوج برأيه ومحاولته فرض سيطرته على الأسرة من دون مشاركة أحد من أفراد الأسرة معه، وذلك حينما تكون الزوجة عنيدة وتحاول التعامل مع الزوج بطريقة ندية فتصر على التدخل في تفاصيل حياته وترفع صوتها ولا تشعره بأنه رجل البيت وقد يصل الأمر إلى أن تمطره بالإهانات الجارحة أمام الأبناء، عندها لن يجد الزوج مفراً من التعامل معها بقسوة ويهمشها داخل الأسرة والحل في هذه الحالة هو تدريب الطرفين على إجادة فن الاستماع وفهم الآخر وقبول الاختلاف .
وترى الدكتورة سامية أنه مهما بلغت درجة التفاهم بين الزوجين من الصعب بل من المستحيل أن يخلو البيت من الخلافات التي قد تصل إلى حد الشجار والاختلاف في وجهات النظر، وهذا أمر طبيعي في الحياة الزوجية ويجب على الطرفين الالتزام بقواعد وأصول الحوار إلى جانب اختيار التوقيت المناسب لبدء النقاش بعيداً عن أعين الأبناء، وأن يظل إطار النقاش الكلامي بينهما هادئاً من دون شجار ومن دون أن يتطور إلى التفوه بألفاظ تسيء إلى الطرف الآخر .