العلاقة بين الزوجين ليست لحظة متعة عابرة تنقضي فتنتهي المتعة الحلال، فالسكن والمودة والرحمة والحب الذي يخيم على هذه العلاقة ينبغي أن تذوب معه الكثير من مشكلاتنا وخلافاتنا، لأنه كلما كانت العلاقة بين الزوجين أكثر دفئا، كانت السعادة أكبر والزواج أكثر نجاحاً وقدرة على تخطي التحديات اليومية.

هكذا يجب أن تكون العلاقة بين الزوج وزوجته، لكن الواقع أن خلافات بعض الأزواج والزوجات تبدأ من الوسادة، فقد كشفت دراسة حديثة أصدرها مركز النديم للعلاج والتأهيل النفسي في مصر أن 29% من الزوجات المصريات يتعرضن للعنف من أزواجهن .

وقد زادت الدعاوى القضائية التي ترفعها الزوجات بسبب العنف الزوجي في ممارسة العلاقات الحميمية من دون مراعاة الحالة المزاجية والتوقيت الذي تراه المرأة ملائماً .

يؤكد الدكتور علي السبكي، أستاذ الثقافة الإسلامية في جامعة الأزهر، أنه يجوز لكل من الزوجين أن يستمتع مع الآخر، لقول الله تعالى: هن لباس لكم وأنتم لباس لهن، وقوله: نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم، وقول النبي صلي الله عليه وسلم: فهلا تزوجت من بكر تلاعبها وتلاعبك .

ويضيف الدكتور السبكي: من هذه النصوص المطهرة أوجب الله سبحانه وتعالى، ورسوله على الزوج أن يشبع حاجة زوجته الجنسية، بأن يبدأ بمداعبتها ومضاحكتها والحديث الرقيق إليها، وهو من محاسن الكلام في هذه الحالة، فإذا تشاغلت النفوس وتمازجت الأرواح تفاعلت معها الأبدان، فالبدن آلة للروح، وبهذا ركب الله سبحانه وتعالى شهوة اللقاء بين الذكر والأنثى طلباً للامتزاج، ولهذا يسمى نكاحاً وإفضاء، لأن كل واحد منهما يفضي إلى صاحبه .

والمودة بين الزوجين والكلام للدكتور السبكي والمحبة التي بعد اللقاء أعظم من التي كانت قبله، والسبب الطبيعي أن شهوة القلب ممتزجة بلذة العين، فإذا رأت العين اشتهى القلب، فإذا باشر الجسم الجسم اجتمعت رغبة القلب ولذة العين ولذة اللقاء، لذا علق النبي، صلى الله عليه وسلم، الأجر وجعله صدقة لفاعله فقال: وفي بضع أحدكم صدقة .

ورقة ضغط

يحذر الدكتور السبكي الزوجات من استخدام العلاقة الزوجية كورقة ضغط على الزوج لتحقيق أغراضهن ومطالبهن، من دون أن يدرين عاقبة ذلك، فيقول: الأصل في العلاقة بين الزوجين هو الحب والمودة والتراحم والتسامح والثقة، وغير ذلك من الفضائل فإنه مع ذلك كله قد ينشأ خلاف وهذا الخلاف ينبغي محاصرته من قبل الزوجين قبل أن يستفحل وتخطئ الزوجة خطأ كبيراً، عندما تقاطع زوجها في الفراش كنوع من العقاب أو لابتزازه، لأن متعة الزوج بزوجته حق مشروع وليس سلاحاً تستخدمه الزوجة لمضايقته أو حرمانه، وهي عندما تفعل ذلك تعرض نفسها لغضب المولى عز وجل، فقد قال صلى الله عليه وسلم: أيما امرأة باتت وزوجها غير راضٍ عنها لعنتها الملائكة حتى تصبح، وعلى هذا فالزوجة ينبغي ألا تمنع نفسها عن زوجها في أي وقت دعاها، ما لم يكن عندها عذر شرعي .

هذا وإن كان غير مقصود حقيقة إلا أنه يدل على ضرورة الاستجابة له، وتقريراً لهذا الحق وتأكيدا له منع الإسلام الزوجة أن تصوم صيام تطوع إلا بإذن زوجها .

آداب وضوابط

الدكتور أحمد طه ريان، أستاذ الفقه المقارن في جامعة الأزهر، يؤكد أن من حق الزوج أن يستمتع بزوجته كيفما يشاء، لقوله تعالى: نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم، لكن ينبغي أن يراعي الزوج حاجة المرأة، فمتطلباتها من زوجها ليست مادية، تقتصر على النفقة والكسوة ونحوها فحسب، بل لها حاجة نفسية أن يتلطف بها ويطيب نفسها ويدخل السرور عليها، فهذا من تمام المعاشرة بالمعروف .

يقول: اللقاء بين الزوجين تحكمه بعض الضوابط التي ينبغي على كل من الزوجين مراعاتها، وتبدأ هذه الآداب التي حثنا عليها الإسلام بتهيئة الجو للمعاشرة من محادثة ومغازلة وملاطفة وغيرها، لأن ذلك أدعى لدوام المحبة بينهما وحفظ دين الزوجة وخلقها، ولابد على كلا الزوجين أن يتزين للآخر، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إني أحب أن أتزين لامرأتي كما أحب أن تتزين لي، والزينة تشمل اللباس والطيب والكحل وإزالة الشعر وغير ذلك، إضافة إلى أنه لا يجوز انصراف الزوج حتى تنتهي الزوجة، فهي أيضاً لها الحق في إكمال المعاشرة، فإذا فرغ الزوج قبلها فلا ينزع حتى تفرغ .

ويضيف الدكتور طه ريان: وأهم هذه الآداب ألا يقتصر الجماع على تفريغ الشهوة فقط، بل لابد من المداعبة والملاطفة، ويخطئ الرجل حين يظن أن ذلك يتنافى مع وقاره ويحط من هيبته، فقد كان صلى الله عليه وسلم يداعب زوجاته ويلاطفهن قبل أن يطأ فراش الواحدة منهن، أما أن يغتصب الزوج حقه في المتعة الجسدية ويسبب الأذى النفسي أو الجسدي للزوجة فهذا أمر مرفوض شرعاً، حتى إن رضيت الزوجة بالعنف الذي يمارسه زوجها فهذا لا يعني أن ما يفعله هذا الزوج مباح شرعاً .

ويوضح الدكتور طه ريان أنه يحب على الزوج في كل الأحوال أن يستميل قلب زوجته ويحقق لها السكن الروحي والقلبي والنفسي، والزوجة هي الأخرى ينبغي عليها أن ترفع عنها الحياء، لأن عقد الزواج هو الميثاق الغليظ الذي أباح للزوجين كل ما كان محرما عليهما قبل الزواج قولا أو فعلا، فالزواج من أهم أهدافه تأكيد أواصر المحبة بين الزوجين، وهذا يتناقض مع كل ما يسبب الإيذاء العاطفي والنفسي لأي منهما .

وينبه الدكتور ريان إلى أن الإسلام أباح الاستمتاع بين الزوجين إلا في أوقات معينة وبأشكال معينة، وكل استمتاع يثبت ضرره فهو حرام، لأنه لا ضرر ولا ضرار، فمقدمات اللقاء التي اتفق الأطباء على أنها لا تضر كلا الزوجين، لا يجوز للزوجة أن تمتنع عنها أو تتأبى منها، أما وسائل الاستمتاع الأخرى التي يتفاوت الناس في تقبلها ما بين مشمئز منها وراغب فيها، فلا سبيل إليها إلا عن طريق التراضي، ولا يجوز للزوج أن يكره زوجته على ما تعافه نفسها منه .

جهل وتعتيم

تؤكد الدكتورة هبة قطب، الأستاذ بكلية طب قصر العيني، أن أساس معظم المشكلات الزوجية الآن هو الجهل بمكنون العلاقة الخاصة بين الزوجين والتعتيم الكبير عليها، لذلك لابد أن نبث الثقافة الجنسية بضوابط وننشرها بشكل علمي وديني، وتقول: إن نشر هذه الثقافة يبدأ من المدارس، وأقترح أن يكون ذلك وفق مناهج علمية تبدأ من المرحلة الإعدادية، وفي المرحلة الثانوية يدرسون الحقوق المتبادلة بين الزوجين، وفي المرحلة الجامعية يدرسون العلاقة وكيف تسير في إطار الزواج، والفرق بين الجنسين في الاستمتاع .

وتضيف: إن الإسلام أول من طرق هذا الباب بكل صراحة، حتى إن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يرد على فتاوى النساء في هذا الصدد، وأحياناً يحيلهن إلى السيدة عائشة رضي الله عنها والصراحة في تلك الأمور أقصر الطرق، والغريب أننا نعيش في ازدواجية كبيرة، حيث نسمح بالتحرر في الملابس والسلوكيات، ونشاهد المواقع الإباحية والفضائيات ونعرض الشباب لكل المغريات والمثيرات ولا نقدم لهم العلاج، فأي منطق هذا؟

وتشير الدكتورة هبة قطب إلى أن الجهل بالعلاقة يدفع الكثير من الرجال إلى الممارسات الخاطئة على الرغم من أن الإسلام رسم وحدد ماهية العلاقة وكيف تسير، فإذا تدبرنا قوله تعالي: نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم وقدموا لأنفسكم واتقوا الله وأعلموا أنكم ملاقوه سنجد كل التفاصيل التي من شأنها إسعاد الزوجين، فقد بدأت الآية الكريمة بمخاطبة الرجال ب نساؤكم وهي تفيد الخصوصية والملكية، فيجب أن تحافظ على زوجتك وترعاها .

وحرث لكم أي هي التي تنجب لك فلذات كبدك وهنا تأكيد للخصوصية والملكية أيضاً، وقدموا لأنفسكم الواو هنا للمعية، أي أن الفعلين يكونان متلازمين، والعائد سيكون عظيما، وينعكس عليكم، ثم بعدها يقول تعالى: واتقوا الله أي أنكم ستحاسبون على تقصيركم في حق زوجاتكم يوم اللقاء العظيم، فإلى هذا الحد تكون العلاقة مقدسة سيحاسب الإنسان على التقصير فيها .

ولقد أتاح الإسلام كما تقول الدكتورة هبة قطب ثلاثة اختيارات في العلاقة الزوجية يمكن إجراء مئات من التبادلات وهي الزمان والمكان والكيفية، وتلك من حدود الشرع، وبهذا لا يمكن أن يشكو الأزواج من الملل الذي يظهر بعد عدة سنوات من الزواج والذي يعبر عنه البعض بكلمة عدم التوافق وفي الحقيقة أن الملل والروتين في العلاقة الحميمية يدفعان إلى توترها .

ثقافة الصمت

الدكتور علي ماهر، أستاذ علم الاجتماع في المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، يرى أن ثقافة الصمت أصبحت الملاذ الأمن للطرفين، فلا حوار ولا تفاهم ولا تواصل، والنتيجة يعلمها الجميع، والزوجة تتهم زوجها والزوج يحملها مسؤولية الفشل، ويقول: أخطاء الزوج تبدأ قبل الزواج، ومنها جزء يخص السلوكيات والممارسات الخاطئة وآخر بسبب التنشئة الاجتماعية، فنجد أن الأب يتعامل مع ابنه بمنتهى الحذر ويخشى الاقتراب من المفاهيم الخاصة بالعلاقات الزوجية ويضرب سياجاً من السرية حول تلك الأمور .

وبالتالي يجد الأبناء أنفسهم مضطرين للحصول على هذه المعلومات من مصادر أخرى كالفضائيات، وبذلك يفتقد التوجيهات السليمة في إنشاء هذه العلاقة فإن النتيجة تكون ترسيخ المفاهيم والممارسات الخاطئة، لذلك ينسى الزوج الهدي النبوي الشريف في التعامل مع الزوجة .

وينبه الدكتور علي ماهر إلى خطورة الخلافات المستمرة وعدم التفاهم وإساءة الرجل لزوجته ثم يطلبها للجماع، كما قال النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد ثم يجامعها آخر اليوم صدق الرسول الكريم .

علاقة دافئة

يشير الدكتور عادل مدني، أستاذ الطب النفسي في جامعة الأزهر، إلى أن الحب هو دينامو السعادة في الزواج، وكلما كانت العلاقة بين الزوجين أكثر دفئاً كانت سعادتهما أكبر وزواجهما أنجح . ويقول: الممارسات الخاطئة ضد المرأة أمر طبيعي في ظل المنظومة التربوية السائدة في المجتمعات العربية، التي تعتبر المرأة والأولاد امتدادا طبيعيا للرجل، على اعتبار أن حجر الزاوية في الأسرة يقوم على استعباد المرأة، والحقيقة أن حالات العنف الجسدي لا تظهر إلى العلن إلا في ظروف شديدة التعقيد، وعندما يصل الأمر إلى ارتكاب الجرائم .

ويضيف: ممارسة العنف بين الزوجين في سبيل الحصول على اللذة تعتبر حالة مرضية، وإن اعتبرها أصحابها طبيعية، لأنها تتم برضا الطرفين، وقد يرجع العنف في بعض الحالات إلى الرغبة في إشباع مشاعر ذنب الطرفين، والعلاقة التي يسودها العنف والعدوانية لا تكون بأي حال من الأحوال علاقة زوجية ناجحة، إنما تفرز عقدا نفسية، وتولد في معظم الحالات عقداً واضطرابات نفسية وسلوكية، ويعيش الزوجان في علاقة تدميرية متواصلة .

ويرى الدكتور عادل مدني أنه يجب على كل زوجة أن تدفع زوجها إلى التفاهم بشأن علاقاتهما الخاصة في الفراش، وتبذل قصارى جهدها حتى تمتع زوجها، حتى إن أدى ذلك إلى قبولها أشياء لا تحبها، يقول: إشباع الزوجة لغريزة زوجها وتحقيقها متعته كفيل بإذابة أي خلاف بينهما، لأن ذلك يعمق مشاعر الحب والمودة بينهما، بل إن الخلاف على الوسادة قد يدفع الزوج إلى البحث عن إشباع رغباته مع أخرى، فيتزوج ثانية أو قد يبحث عما ينقصه خارج مؤسسة الزواج .

ويرى الدكتور مدنى أن اللقاء الحميمي حالة خاصة ويحق للزوجين اتباع الأساليب الخاصة بهما للوصول إلى المتعة التي ينشدانها، أما أن تكون بعض هذه الوسائل بالضرب أو التكبيل أو غير ذلك من سلوكيات تسبب الأذى فهذا كارثة، والأفضل لكلا الزوجين أن يتحاورا معاً، لأن ذلك يغير الكثير من طباع الأزواج السيئة، والمطلوب فقط قليل من الصراحة ورويداً رويداً سيتحول الزوج إلى رغبات زوجته .