الاعتراف بالحقوق وأداء الواجبات أحد أهم الأسس التي تضمن حياة زوجية سعيدة وعلاقات أسرية متزنة. هذا ما يؤكده علماء الدين والاجتماع في طريق البحث عن الأسرة المثالية في عصر يعاني الكثير من الاضطرابات النفسية والاجتماعية وغيرها.
يحذر العلماء من الخروج على قواعد النظرة السليمة والقواعد التي أرساها الشرع الحنيف لضمان حسن العشرة، مشددين على الأخطاء التي يقع فيها الكثيرون والذين يضعون أداء الحق في مقابل الواجب بصورة تعسفية، وطالبوا بضرورة الاعتراف المتبادل بين الطرفين بما يحدث من تقصير أحياناً وسيادة روح التسامح بعيداً عن الوقوع في شراك تصيد الأخطاء حتى لا تتحول الحياة الدافئة إلى جحيم لا يطاق.
يؤكد الدكتور علي السبكي أستاذ الثقافية والفلسفة الإسلامية في جامعة الأزهر أن الإسلام جعل لكل من الزوجين حقوقاً وواجبات، يجب أن يعلمها خير علم، حتى يؤدي ما عليه خير أداء ويطلب ما له من حق بصورة لائقة يقول د. السبكي: إذا علم الزوج والزوجة ما له وما عليه ملكا مفتاح الطمأنينة والسكينة لحياتهما، وتلك الحقوق تنظم الحياة الزوجية وتؤكد حسن العشرة بين الزوجين ويحسن بكل واحد منهما أن يعطي قبل أن يأخذ ويفي بحقوق شريكه باختياره طواعية من دون إجبار، وعلى الآخر أن يقابل هذا الإحسان بإحسان أفضل منه، فيسرع بالوفاء بحقوق شريكه كاملة من غير نقصان.
يضيف: وللزوجة على زوجها حقوق يلزمه الاعتراف بها والوفاء بها ولا يجوز له التقصير في أدائها، قال تعالى: ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وأهم هذه الحقوق هي النفقة، فعلى كل زوج أن ينفق على زوجته من ماله حتى وإن كانت ميسورة الحال ويوفر لها الطعام والشراب والمسكن والملبس المناسب بلا تقصير أو إسراف، قال تعالى: لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها وقال: واسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن.
ويشير الدكتور السبكي إلى أن من حقوق الزوجة على زوجها أيضاً أن يحسن إليها، ومن حسن العشرة أن يدخل الزوج السرور على زوجته، وأن يسعدها ويلاطفها لتداوم المودة ويستمر الوفاق، قال تعالى: وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً، ويجعل الله فيه خيراً كثيراً. وقد كان النبي صلى الله عيه وسلم نموذجاً عملياً لحسن العشرة مع النساء فكان يداعب أزواجه ويلاطفهن وسابق عائشة رضى الله عنها فسبقته ثم سابقها بعد ذلك فسبقها، فقال: هذه بتلك. وقال صلى الله عليه وسلم: أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً وألطفهن بأهله.
وينبه إلى أهمية تحصين الزوجة بالجماع ويقول: الجماع حق مشترك بين الزوجين فمن حق كل أحد منهما أن يستمتع بالآخر فبه يعف الرجل والزوجة، ويبعدان عن الفاحشة ويؤجرا في الآخرة، وللزوجة على الرجل أن يوفيها حقها هذا، وعلى المرأة مثل ذلك.
ويضيف: ومن حقوق الزوجة أيضاً أن يعدل بينها وبين زوجاته الأخريات في حالة التعدد. قال تعالى: فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم، والعدل بين الزوجات يقتضي الإنفاق عليهن بالتساوي في المأكل والمشرب والملبس والمبيت عندهن، أما العدل بينهن في الجانب العاطفي، فذلك أمر لا يملكه الإنسان فقد يميل قلبه إلى إحدى زوجاته أكثر من الأخرى.
أهمية الطاعة
الدكتور محمد الشحات الجندي، الأمين العام للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية أستاذ الشريعة الإسلامية في كلية الحقوق جامعة حلوان يوضح الحقوق التي كفلتها شريعة الإسلام للزوج والتي يجب على كل زوجة الوفاء بها تجاه زوجها قائلاً: أوجب الإسلام على المرأة طاعة زوجها ما لم يأمرها بمعصية الله تعالى، وقد أعد الله تعالى لها الجنة إذا أحسنت طاعته فقال صلى الله عليه وسلم: إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها وحفظت فرجها وأطاعت زوجها قيل لها: ادخلي الجنة من أي أبواب الجنة شئت. وقال أيضاً: أيما امرأة ماتت وزوجها راضٍ عنها دخلت الجنة.
ويضيف: يجب على المرأة أيضاً أن تعف زوجها وتحصنه وتطيعه إذا طلبها للجماع درءاً للفتنة. قال صلى الله عليه وسلم: إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فلم تأته، فبات غضباناً عليها، لعنتها الملائكة حتى تصبح لكن لا طاعة للزوج في الجماع إذا كانت الزوجة حائضاً أو في حالة نفاس أو كانت صائمة في رمضان أو مُحرمة في حج أو عمرة أو أن يكون طلب جماعها في دبرها.
ويشير الدكتور الجندي إلى أن المرأة يجب عليها أن تتزين لزوجها، وأن تبدو له في كل يوم كأنها عروس في ليلة زفافها. لذلك أمر النبي صلى الله عيه وسلم صحابته بألا يدخل أحدهم على زوجته فجأة عند عودته من السفر حتى تتزين وتتهيأ له فعلى المرأة أن تتعرف الزينة التي يحبها زوجها فتتحلى بها وتجود فيها وعليها أن تعرف ما لا يحبه فتتركه إرضاء وإسعاداً له وتتحسس كل ما يسره في هذا الجانب.
ويروي أن الكثير من النساء يقعن في ذنب كبير عندما يتكبرن على استئذان الزوج في أمور أوجبت الشريعة الإسلامية على الزوجة أن تستأذن فيها زوجها يقول: يجب على المرأة أن تستأذن زوجها في أمور كثيرة منها صيام التطوع حيث يحرم عليها أن تصوم بغير إذنه، قال صلى الله عليه وسلم: لا يحل لامرأة أن تصوم وزوجها شاهد أي حاضر بإذنه ولا تأذن في بيته إلا بإذنه.
ومن الأمور التي يجب أن تراعيها الزوجة كما يقول الدكتور الجندي المحافظة على مال الزوج وعرضه، وأن تصونه عن الشبهات، فذلك يرضي الزوج وكذلك أن تحفظ مال زوجها فلا تبدده، ولا تنفقه في غير مصارفه الشرعية فحسن التدبير نصف المعيشة وللزوجة أن تنفق من مال زوجها بإذنه فعن عائشة رضي الله عنها قالت: إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غير مفسدة كان لها أجرها بما أنفقت ولزوجها أجره بما كسب.
وينبه الدكتور الجندي إلى ضرورة أن تعترف الزوجة بفضل زوجها وتسعى دائماً لشكره والثناء عليه لأن الرجل يسعى ويكدح لينفق على زوجته وأولاده ويوفر لهم حياة كريمة وسعيدة بعيداً عن ذل الحاجة والسؤال، لذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: لو أمرت أحداً أن يسجد لأحد، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، من عظم حقه عليها وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم النساء أن يجحدوا فضل أزواجهن فقال: اطلعت في النار، فإذا أكثر أهلها النساء، يكفرن العشير، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر، ثم رأت منك شيئاً، قالت ما رأيت منك خيراً قط.
ومن هنا يرى أنه يجب على الزوجة المسلمة أن تقوم بما عليها من واجبات تجاه زوجها وأولادها وبيتها وهي راضية تبتغي بذلك رضا ربها تعالى فقد كانت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تقوم بالخدمة في بيت علي بن أبي طالب ولم تستنكف عن القيام باحتياجاته ولما طلبت من رسول الله صلى الله عليه وسلم خادما يعينها في شؤون البيت، ولم يكن متوافراً، أمرها الرسول صلى الله عليه وسلم بأن تذكر الله إذا أوت إلى فراشها فتسبح وتحمد وتكبر فهذا عون لها على ما تعانيه من مشقة.
حاسبوا أنفسكم
الدكتور علي أبو ليلة استاذ علم الاجتماع في جامعة عين شمس يرى أن العلاقة بين الرجل وزوجته تجعل كل منهما امتدادا للآخر في روابطه وعلاقاته الاجتماعية، وحياته ويقول: العلاقة العاطفية بين الزوجين يجب أن تكون متينة حتى لا تحدث تصدعات وشروخ بينهما، ولكن تبدأ العلاقة قوية دافئة، وتستمر بينهما المشاعر الطبية لابد أن يعرف كل منهما واجباته ويحاول منذ اللحظة الأولى للحياة المشتركة بينهما أن يؤديها على أكمل وجه قبل أن يطلب الطرف الآخر بالحقوق الواجبة عليه.
ويضيف: أغلب الخلافات الزوجية تكون بسبب إهمال أحد الزوجين للواجبات المفروضة عليه إما نتيجة جهل أو عناد فليس من المفروض على الزوجة أن ترى من زوجها حسن العشرة حتى تطيعه وتحسن عشرته، وكذلك الزوج لا يعقل أن ينتظر من زوجته أن تطيعه وتقوم على خدمته حتى ينفق عليها أو أن يضع أحدهما الحق مقابل الواجب فإذا أخل الزوج بحق من حقوق زوجته تبادله ذلك بالتوقف عن أداء واجباتها نحوه والعكس.
ويشير الدكتور علي ليلة إلى أن الكثير من الزوجات ينظرن إلى مسألة استئذان الزوج قبل الخروج من المنزل أو قبل الصيام أو قبل إدخال أي شخص إلى منزل الزوجية في غيابه على أنه ضعف شخصية، وإهدار لكرامتها وشخصيتها المستقلة رغم أن حكم الإسلام في هذه الأمور واضح وليس في ذلك أي إهدار لكرامتها، ولكنها عندما تفعل ذلك تزداد احتراماً في نظر زوجها وكل المحيطين بها.. الحال نفسها إلى النسبة لمسألة التزين للزوج فالزوجة التي تتزين لزوجها وتهتم بنظافتها وحسن ثيابها غالباً ما ترى في ذلك تكرماً منها عليه، وأن عليه أن يحمد الله ليل نهار أنها تفعل ذلك من أجله رغم أن ذلك حق له عليها، وإن لم تفعل ذلك فهذا تقصير ستحاسب عليه.
لا للعناد
الدكتورة سعيدة أبو سوسو أستاذ علم النفس بكلية الدراسات الإنسانية في جامعة الأزهر ترى هي الأخرى أن الاعتراف المتبادل بين الزوجين بحقوق الطرف الآخر يضمن حياة دافئة مليئة بالمشاعر الطيبة والأحاسيس الجميلة بين الزوجين حتى وإن فترت علاقتهما العاطفية مع مضي الوقت ستظل بينهما علاقة احترام ومودة ورحمة لا تنتهي إذا ما ظل كل منهما يعرف واجباته ويؤديها من دون انتظار مقابل.
تقول: للزوج على زوجته حقوق لا يجوز أن تنشغل عنها أو تفرط فيها حتى لو كان ذلك من أجل أبنائه فعليها أن توزع جهدها بين زوجها وأولادها كما لا يجوز لها أن تقصر في التزين لزوجها بحجة الأبناء، وأما أن يعيش الزوجان معا وكل منهما يحاول أن يتصدى لأخطاء الطرف الآخر ويصبحا ندين يوقع أحدهما أو كليهما الأذى ببعضهما فهذا سيجعل الحياة بينهما مستحيلة، ومسألة الحقوق الزوجية مرنة فالزوجة التي تساعد زوجها في نفقات المعيشة لا يجب عليها أن تذكره كل لحظة بمشاركتها له وتشعره بأنه لا يؤدي حقها في النفقة. وكذلك الزوج الذي يرى من زوجته طاعة وخضوعا ينبغي أن يفرق بين ذلك وبين الاستسلام والخنوع فطاعتها له لا تعني أن يستبد بها ويصبح ديكتاتورا يعترض لمجرد الاعتراض ويقضي حياته معها في شكل أوامر واجبة التنفيذ.