كشفت الدراسات الاجتماعية والإحصاءات في العديد من الدول العربية والإسلامية عن مظاهر بشعة لعقوق الأبناء، تتنوع بين إهانة الآباء بالألفاظ الجارحة والاعتداء عليهم بالضرب وإيداعهم دور المسنين وطلب الحجر عليهم، وذلك بخلاف جرائم القتل التي يذهب ضحيتها آباء وأمهات لأتفه الأسباب .
وصف علماء الإسلام أنواع العقوق التي يرتكبها الأبناء ضد الآباء بأنها أقسى وأقصى أنواع العقوق، وحذروا من تفشي الظاهرة التي تفسد العلاقات الأسرية وتمثل تحدياً لمبادئ وتعاليم الإسلام التي تحث على البر بالوالدين وتجرم كل سلوك يمثل جحوداً لهما وإنكاراً لجميلهما وعدم الاعتراف بفضلهما .
سألنا علماء الإسلام وأساتذة علم الاجتماع والنفس: ماذا حدث لمنظومة القيم الاجتماعية التي يحدد ملامحها ديننا الإسلامي؟ ولماذا كثرت جرائم وصور عقوق الأبناء بهذا الشكل البشع؟ وكيف يعود احترامهم مرة أخرى إلى آبائهم؟ وكيف يواجه الآباء عقوق أبنائهم؟
بر الوالدين
يوضح الدكتور إسماعيل الدفتار، الأستاذ في كلية أصول الدين في جامعة الأزهر، فضل بر الوالدين وطاعتهما وعناية الإسلام بهما، فيقول: اهتم الإسلام بالوالدين اهتماماً بالغاً، وجعل طاعتهما والبر بهما من أفضل القربات ونهى عن عقوقهما وشدد على ذلك، فقد جعل بر الوالدين ورضاهما باباً للدخول إلى الجنة .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عجبت لمن أدرك والديه أو أحدهما ولم يدخلاه الجنة .
ويضيف: مكانة الوالدين وما يجب نحوهما من البر قضية يجب أن يعطيها كل مسلم الأهمية التي تستحقها، وليتذكر كل واحد منا ما قاساه أبواه من أجله، فالتضحيات التي يقدمها كل أم وأب في سبيل تحقيق السعادة والراحة لأولادهم لا يمكن أن يناظرها كل بر الدنيا .
لهذه الأسباب دعا المولى عز وجل إلى الإحسان بالوالدين بعد عبادته مباشرة فقال: واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً، وقرن عز وجل، طلب الشكر له بالشكر للوالدين: أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير .
ويحذر الدكتور الدفتار من تنكر الأبناء لفضل الآباء بعقوقهم قائلاً: هذه جريمة من أشد الجرائم وكبيرة من أعظم الكبائر، فالابن العاق لا يشم ريح الجنة ولا يقبل عمله وينال جزاءه قبل موته؛ فيرى المذلة والتحقير والمهانة وكل ما يؤلم من الناس الذين يفقدون احترامهم له عندما يرونه جاحداً بأقرب الناس إليه .
لكن الدكتور الدفتار يشدد على مسؤولية الآباء عن تفادي دفع أولادهم إلى العقوق، وهو المعنى الذي ذكره الرسول، صلى الله عليه وسلم، في حديثه: رحم الله والداً أعان ولده على بره وحتى يعين الوالد الولد على بره هناك خطوات شرعية، وهي أولاً: أن يحسن الوالد اختيار الزوجة الصالحة وتحسن الزوجة اختيار الأب الذي ستنجب منه أولادها، وأن يتحرى المال الحلال في الإنفاق على الزوجة وعلى الولد، فالمال الحرام من مسببات العقوق، كما أن سوء اختيار الزوجة من مسبباته أيضاً .
ثانيا: أن يبر الوالد والديه حتى يبره أبناؤه وبناته، فكما يقال: كما تدين تدان، وفي هذا المعنى أكد رسول الله صلى الله عليه وسلم صراحة في ما يرويه الحاكم وغيره أن بر الآباء سيسبب بر الأبناء فقال: عفوا عن نساء الناس تعف نساؤكم وبروا آباءكم تبركم أبناؤكم .
ويؤكد الدكتور الدفتار أن معظم الأبناء العاقين لم يربوا تربية إسلامية، فضعف الوازع الديني في نفوسهم وزادت المشكلات الاجتماعية في الوقت نفسه، ما ينجم عنه عدم الرضا في كل الأحوال، ويوجه كلامه إلى كل ابن لا يبر والديه قائلاً: إن ما تفعله دين وستدرك ذلك حينما ترى أبناءك وبناتك يسلكون معك هذا السلوك الخسيس، فقد قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: بروا آباءكم تبركم أبناؤكم وليت الأمر يقف عند هذا الحد بل إن عقاباً شديداً ينتظرك في حياتك قبل عذاب الآخرة .
خطأ قاتل
الدكتور محمد رأفت عثمان أستاذ الشريعة الإسلامية، عضو مجمع البحوث في الأزهر يحذر الأبناء من الوقوع في خطأ قاتل، وهو الاعتقاد بأن تدخل الآباء في بعض شؤون الأبناء أو في علاقاتهم مع الأصدقاء أو تصرفاتهم المالية أمر مكروه يمكن أن يقابله بالرفض أو العقوق، فيقول: هذا قول حق يراد به باطل لأن المسلم مطالب بالإحسان إلى كل أقاربه، وفى مقدمتهم الوالدان، ومسؤولية الآباء واجب شرعي في المراقبة والتوجيه والعقوبة، وطالما أعطى الإسلام الأب هذا الحق فمن حقه أيضاً استخدامه في ما يراه صالحاً لولده، والتوجيه هنا يكون بالملاحظة والإشارة والتوجيه والتدرج واللين، وقد يكون بالشدة والهجر والعقوبة .
ويضيف: حتى إن أساء الأب إلى ابنه فلا يجوز أن يرد على هذه الإساءة بالعقوق، وهذا ما أكده الرسول، صلى الله عليه وسلم، في قوله: ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها، وقد جاء صحابي إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يشكو أقاربه قائلاً: يا رسول الله إن لي قرابة أصلهم ويقطعونني وأحسن إليهم ويسيئون إلي وأحلم عليهم ويجهلون علي، فقال له الرسول: لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك، والمل هو الرماد الحار، أي أنهم هم الخاسرون في حين يكسب هو حسنات صلة الرحم والصبر على أذاهم .
عقوبات قانونية
هل يجوز شرعاً سن عقوبات قانونية رادعة لمعاقبة الأبناء العاقين، وهل ستجدي هذه الوسيلة إذا ما تم تطبيقها في القضاء على ظاهرة عقوق الأبناء؟
يقول الدكتور محمد رأفت عثمان: أنا ضد التعامل مع المشكلات الأسرية بالقانون؛ لأنه يفسد ولا يصلح الروابط بين الأفراد داخل الأسرة التي يعتبر أعمقها وأكثرها حساسية علاقة الأبوة والبنوة، ولو نظرنا إلى المجتمعات التي نطلق عليها لقب متقدمة لوجدنا أن علاقات الآباء بالأبناء أصبحت أسوأ ما يكون بعد القوانين التي سنتها تلك المجتمعات لتضع قواعد وحدود العلاقة بينهما .
ولا يمكن أن نواجه ظاهرة العقوق بهذه التجربة التي أثبتت فشلاً ذريعاً في الغرب، فالتربية الدينية هي الأساس الأول في تربية الأبناء، والأبناء يرون الدنيا من خلال آبائهم، فهم في أعينهم رمز الفضيلة والرحمة والحنان، فإن وجد الفتى ما يناقض ذلك في سلوكيات والديه ولم يجد فيهما القدوة والنموذج الحسن كان ذلك إيذاناً بأول شرخ في الجدار النفسي .
إن السبب الأول في انتشار ظاهرة العقوق هو البعد عن الدين، فالدين هو الأساس فلا يمكن للفتاة أو الشاب الذي تربى ونشأ على أسس دينية صحيحة أن يعق والديه، لذا أصبحنا ندور في حلقة مفرغة من تربية غير سليمة تؤدي إلى عقوق أو فساد أو إجرام، وهذا حصاد ما زرعناه لدى هؤلاء الأبناء الذين أعتبرهم ضحية؛ لأنهم إذا تربوا على الحب والمودة منذ الصغر ما كانوا إلا أبناء صالحين، وكما تدين تدان، والابن الذي يرى والده يتأفف من حمل هموم أبيه كيف نطالبه اليوم بأن يبر هذا الأب؟ فالتنشئة محاكاة وليست أوامر موجهة من الآباء إلى الأبناء .
الحرمان من الميراث
عن حكم الإسلام في ما يلجأ إليه بعض الآباء من حرمان أبنائهم العاقين من الميراث يقول الشيخ علي أبوالحسن، الرئيس السابق للجنة الفتوى في الأزهر: العقوق كبيرة من الكبائر وجريمة تحرمها كل الأديان، لكن لا يجوز أن يكون سبباً في الوقوع في مخالفات محرمة كحرمان الأب لابنه من حقوقه الشرعية، فالميراث فريضة محكمة حددها الله عز وجل في كتابه العزيز وفصل أحكامها تفصيلاً تاماً قائماً على الحكمة البالغة، وأي اعتداء على هذا التفضيل الإلهي يهوي بصاحبه إلى جهنم وبئس المصير، فالله سبحانه وتعالى يقول عقب آيات الميراث: تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم، ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين .
يضيف: إن الميراث ليس مقابل البر بالوالدين، فحرمان أحد الأبناء من الميراث معصية واعتداء على حدود الله ولا أحد يدري هل يستمر العاق في عقوقه أم لا؟ فسبحان مقلب القلوب وقد قال الله جل شأنه: آبآؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً .
والشرع لم يحرم من الميراث إلا قاتل مورثه، فلا ميراث لقاتل، أما العاق لأبيه فلا يجوز حرمانه من الميراث بسبب عقوقه، لذلك ينبغي على الآباء- والكلام للشيخ علي أبوالحسن- أن يتغلبوا على مشاعرهم المتفاوتة تجاه أبنائهم وألا يتأثروا ببعض التصرفات الطائشة من الأبناء وينقصوا من حقوقهم الشرعية في الميراث، لأن الله سبحانه وتعالى هو الذي حدد نصيب كل وارث من الورثة، وليس من حق أحد أن يتدخل لتعديل أو تغيير أمر قدره الخالق سبحانه وتعالى، وإذا كان بعض الأبناء يحصلون على ما هو أهم وأبقى من الميراث، وهو رضا الله عز وجل وعظيم أجره وثوابه .
من زرع حصد
الدكتور محمد عبدالرحمن حمودة، أستاذ الطب النفسي في جامعة الأزهر، يرى أننا أصبحنا ندور في حلقة مفرغة من تربية غير سليمة تخلف عقوقاً وفساداً وإجراماً، وهذا حصاد ما زرعناه لدى هؤلاء الأبناء، ويقول: أعتبر هؤلاء الأبناء ضحية لأنهم إذا تربوا على الحب والمودة منذ الصغر ما كانوا إلا أبناء صالحين، لأننا إذا قرأنا شكل العلاقة بين الآباء والأبناء هذه الأيام لوجدنا معظمها مبنيا على سوء فهم، حيث يبدو الأب والابن في كثير من الأحيان كشخصين قادمين من حضارتين مختلفتين، فهما لا يتفقان على شيء مطلقاً، وإذا تحدث أحدهما ترك عند الآخر انطباعاً بأنه ينتمي إلى كوكب آخر .
ويرى الدكتور حمودة أنه كي يحافظ الآباء على بر أولادهم يجب أن يكونوا واقعيين في فهم أنفسهم وفى فهم نفسية الأولاد، فالصورة المثالية التي يحاول بعض الآباء إظهارها أمام الأولاد، أو عدم إدراك قدرات الأولاد الذهنية على فهم الواقع، قد تدفع الأولاد دفعاً إلى تكذيب الآباء نفسياً ثم عقوقهم سلوكياً في ما بعد، أيضا ينبغي على الآباء ألا يحرجوا أبناءهم وبناتهم اجتماعيا، أي لا يحقرونهم أو يسفهون من آرائهم خاصة أمام الآخرين، كما لا تجوز المبالغة في المجاملة، إذ ينبغي أن يدرك الصغار أن هناك تصرفات خطأ قد وقعت يجب تصويبها في حدودها، وأن هناك تصرفات حسنة ينبغي الإشارة إلى قدرها .
ويحذر الدكتور حمودة الآباء والأمهات من القسوة الشديدة على الأبناء أو التدليل الزائد لهم، فيقول: الابن العاق هو صنف من اثنين إما أن يكون قد وجد أبويه مدللين له بشكل فج وبالتالي نشأ على الأنانية وعدم المسؤولية وفي أسرة تفتقد القيم الدينية والفضائل، وإما أنه تعرض للقسوة الشديدة من والديه وأدى هذا إلى عقد نفسية وكبت ينفس عنه بعد أن يكبر بالقسوة ضد والديه من دون أية مراعاة لحقوقهما .
التدليل الخطر
ويذهب الدكتور حمودة إلى أنه يجب أن يدرك الآباء أن التدليل الزائد ليس عطفاً ولا رحمة بالأبناء، والتهاون مع الأبناء في حالة ارتكاب الرذائل تقصير شديد من الأب تجاه ابنه، إن الآباء والأمهات لا يكونون بهذا السلوك مصلحين لأبنائهم بل مفسدين لنشأتهم .
ويرفض الدكتور حمودة وضع عقوبات رادعة للحد من ظاهرة عقوق الأبناء، كما يدين بشدة سلوك بعض الآباء من حرمان بعض أبنائهم من الميراث بحجة العقوق فيقول: على كل أب يعاني عقوق ابنه أن يسأل نفسه أولاً: هل رباه على الخلق الحسن؟ وهل أدى دوره كاملاً تجاهه؟ وهل أدى هو أولاً حق أبيه؟ وهل رأى هذا الابن أباه وهو يحترم جده أم رآه لا يصله؟
إن أولادنا يجيئون إلى هذه الدنيا وهم أوانٍ فارغة ونحن الذين نملؤها بالحب والود والرحمة أو الجحود والعصيان والكراهية، فلنحاسب أنفسنا أولاً على عقوق أولادنا لنا قبل أن نحاسبهم .