كتب:بكر المحاسنة
ترمز الأسرة الممتدة (وحدات أسرية تجمعها الإقامة المشتركة والقرابة الدموية) في الإمارات إلى دلالات اجتماعية عميقة المعاني وسامية الأهداف توضح الكثير من القيم والمثل التي مازالت تسود المجتمع الإماراتي، إلا أنها الآن بدرجة أقل مما كانت عليه في الماضي.

البيت الكبير الذي يحتضن بدفئه تلك الأسرة هو صورة للتكاتف والتعاضد الأسري، فهو الأصل والمكان الفسيح الذي احتوى الجميع قديماً، ونهلوا من معينه العادات والتقاليد العربية وتوارثوا قيماً أعانتهم على مواجهة تشعب دروب الحياة ورهقها.
وللأسرة الممتدة مكانة خاصة في قلب كل إماراتي، لأنها تحتضن الأب والأم والأبناء كباراً وصغاراً وزوجات الأبناء الكبار وأطفالهم، ونرصد فيما يلي ما يعكسه هذا التلاحم من مفردات مستقرة هادئة وهانئة، مرتكزة على عمق إنساني، ووطني، واجتماعي واقتصادي هادف.
تقول عفراء اليماحي: «تتكون الأسرة في الماضي من الأجداد والعمات والأعمام وأبناء العم الذين يعيشون جميعاً في بيوت متقاربة مبنية من الطين والحجارة ونبات العسبق في فصل الشتاء، أما في الصيف فكانت تتجمع داخل بيوت العريش التي تقام في المزارع، وتتولى النساء القيام بمهام تربية الأبناء وتدبير شؤون جميع أفراد الأسرة سواء الذين يعيشون في منزل واحد أو منازل متقاربة، وكانت الأم الكبيرة هي سيدة البيت والمشرفة العامة على إدارة شؤون الأسرة، ووالد الزوج وأمه يحظيان باحترام وتقدير من زوجات الأبناء ويقمن جميعاً على خدمتهما وغسل ثيابهما وتنظيف غرفتهما وتجهيز أكلهما، وكان رأي الأم الكبيرة هو الحاسم تجاه كل شيء».
قواعد وخصوصية
عن عمل المرأة اليومي التي تعيش ضمن تلك الأسرة، تواصل اليماحي قائلة: «كانت تستيقظ قبل أذان الفجر برفقة بعض النساء ضمن نطاق الأسرة الممتدة ويخرجن لنزح الماء من الآبار وعلى دفعتين يملأن الخروس المنزلية. ثم ينشغلن في إعداد وجبة الإفطار والقهوة وتحضيرها لكل الأفراد في البيت، وبعد ذلك يغسلن «المواعين» وتبدأ رحلة تنظيف وترتيب البيت والغرف، ومرة أخرى يذهبن لإحضار المياه للطبخ ويقمن بإعداد وجبة الغداء للعائلة، والبعض من النساء كن يقمن بتعليم الأطفال وتنظيفهم».
وتضيف: «ويتقاسم كل أفراد الأسرة عبء العمل فيما بينهم، حيث يقتصر دور المرأة على أن تكون ربة المنزل وعادة ما يكون دورها في الطبخ والتنظيف والتنظيم للجميع، أما رب البيت وهو الجد أو الفرد الأكبر عمراً فيقدم القواعد ويفصل في النزاعات ويحل المشكلات ويرجعون إليه للمشورة، كما يقوم بتعليم الصغار لغتهم الأم وحفظ القرآن والسنة وغرس الأخلاق في سلوكياتهم، وزرع العادات والتقاليد الأصيلة في نفوسهم، ويتكفل الجد أو الأكبر سناً في الأسرة بكل هذا لأنه يمتلك خبرة كبيرة في الحياة ولديه قواعد المحافظة على تكاتف العائلة والالتزام بأعرافها».
وتؤكد اليماحي، أنها كانت تجد في البيت الذي يحتوي أفراد الأسرة الممتدة الراحة والسكينة، حيث كان المرجعية والمكان الذي يتمتع بقدسية وخصوصية، ولا يستطيع أحد التمرد عليه، لأنه يضم كبار السن من الآباء والأمهات والأعمام والأخوال الذين كانت خبراتهم وحكمتهم وسعة صدورهم الضمان الوحيد للترابط وتجاوز ما يعتريه من خلافات عائلية.
القدوة والسلطة
ويتحدث سعيد سالم بن ناصر، عن معالم الأسرة الممتدة قديماً، ويقول: «كانت عامرة بالأعداد الكبيرة من الأفراد، ويسودها التعاون والمحبة والتقارب والمساعدة في مختلف شؤون الحياة، كما كان الأبناء يعيشون ضمن نطاقها ويتميزون بالأخلاق العالية والتربية الصالحة، مع التمسك بعادات وتقاليد الآباء والأجداد». ويضيف: «كان الأب هو المسؤول عن تأمين السكن والملبس والمصاريف وتأمين وإدارة شؤون الأسرة في أمور لا تقدر النساء عليها، كما كان صاحب الحماية والرعاية، ويمثل القدوة والسلطة، ووجوده يحقق التكامل والتوازن الأسري، وذلك من خلال اهتمامه بأبنائه ومصاحبتهم ومعرفة أفكارهم وميولهم وهواياتهم وحل مشكلاتهم، ومعرفة أصدقائهم، ويكون لهم الصديق الموجود دائماً، حتى لو كان غائباً، وتبقى مبادئه وأفكاره راسخة في أذهان الجميع، أما الأم أو المرأة الأكبر سناً فكانت تحمل مسؤولية الإشراف على المنزل وتدبير شؤون الطبخ، وجلب الماء والحطب، وتربية الأطفال ورعايتهم».
التماسك والترابط
ويعلق خليفة راشد الكعبي، على بيئة الأسرة الممتدة، قائلاً: «تعتبر ناجحة في تربية الجيل الجديد من الأبناء وتنشئتهم تنشئة صالحة، وكانت الأعياد والمناسبات الاجتماعية المختلفة فرصة طيبة للتلاقي والتصافي، وكثيراً ما حضرت لقاءات وجلسات صلح لخلافات أسرية، لعبت فيها الأسرة الممتدة دوراً إيجابياً في حل تلك المشكلات، كما تعلمنا من خلالها العادات الاجتماعية وما يخص أمور الدين والدنيا، ولذلك أصبحنا كشعب إماراتي معروفين بالتماسك والتكاتف والحميمية في العلاقات الأسرية ونبتعد عن الخلافات حتى لا نتركها تُباعد بيننا».
ويضيف الكعبي: «تتميز المنازل القديمة بمساحتها الكبيرة التي تتعدد فيها الحجرات والتي كانت تطل على فناء واسع يسمى «الحوش»، وهي مبنية باستخدام الطين والحجارة وسعف النخيل وتبنى بطريقة هندسية، ويعيش أهلها معتمدين على مصادر رزق محدودة، ومنتجات الحيوانات من سمن ولبن وحليب وصوف، وما تنتجه المزروعات من خضراوات وفواكه، وأشجار النخيل، والتطور الذي شهدته الدولة حديثاً ساهم في تغيير ملامح الأسرة الإماراتية، إذ أصبحت في معظمها صغيرة الحجم قليلة العدد، كما تغير شكل المنازل من الطين والحجارة إلى بيوت متطورة، مبنية على الطراز الأوروبي والشرقي، إلا أنه رغم التحضر الذي جرى مازال أهالي الإمارات متحابين ومترابطين مع بعضهم بعضاً، ويعيشون على القيم العربية الأصيلة».