تحقيق: مها عادل
أطفالنا هم بهجة حياتنا وزينتها.. ابتسامة الطفل أو ضحكته، قد تنقل والديه من حال إلى حال، وقد تهون عليهما مصاعب الحياة وهمومها، عندما يجتمعا مع أطفالهما الصغار في حالة من المرح واللعب، ولكن لكل عملة وجهان. في بعض الأحيان قد تصبح صحبة الأطفال الصغار في بعض الأماكن مصدر إزعاج وإحراج للأهل، وقد تتسبب في حالة من الغضب ورفض الخروج مع الأبناء الصغار إلى أي مكان.
نشاطات رئيسية يقوم بها الأهل مثل: التسوق، أو زيارة الأصدقاء، أو الذهاب للسينما، أو المطاعم، وقد يفكرون مرتين في أدائها بسبب المتاعب التي يسببها لهم الأبناء الصغار، في مثل هذه الأماكن، وقد تصبح زيارة بعض الأماكن محظورات على الأهل، حتى يكبر الأبناء.
في هذا التحقيق، نحاول التعرف أكثر إلى معاناة الأهل وتجاربهم مع الأبناء، والطريقة التي يجب عليهم التصرف بها مع أطفالهم في الأماكن العامة.

عن تجربتها مع ابنتها الصغيرة ليلى ذات الثلاث سنوات، تقول داليا الشريف (ربة بيت): «منذ ولادة طفلتي الصغيرة ليلى، أصبح ذهابي لزيارة منزل أحد أفراد أسرتي أو صديقاتي كارثة لا تغتفر.. حيث إنها لا تعطيني فرصة للتحدث مع أحد، منذ أن كانت طفلة رضيعة، فكانت لا تكف عن البكاء المتواصل، حتى تتحول زيارتي للناس، إلى أمر محرج ومزعج، بالنسبة لي، وعندما كبرت قليلاً وبدأت تمشي وتتحدث، أصبح الأمر أصعب، فهي الآن لا تجلس في مكان واحد، وإنما تستمر في التحرك والانتقال من غرفة إلى أخرى، وكثيراً ما تستبيح بمنتهى البراءة خصوصية البيوت، فتلعب في خزائن الملابس، وتفتش في الأدراج، وغالباً ما تنتهي الزيارة بخروجنا منزعجين بسبب ملاحقتها طوال مدة الزيارة من غرفة إلى غرفة، لمنعها من قلب كيان المنزل، وأحياناً الاستيلاء على بعض أشيائهم ولعب أطفالهم، وغالباً ما يكون الحل الوحيد، هو أن نطلب من أصدقائنا تشغيل قناة من القنوات التي تعرض الرسوم المتحركة، بشكل مستمر، حتى تجذب انتباهها لبعض الوقت، لنستطيع التحدث قليلاً، ولذلك فأنا أصبحت أفضل مقابلة الأصدقاء في الحدائق العامة فقط، حتى لا نتسبب لهم في وجود أضرار، وتجد ابنتي مكاناً واسعاً للعب من دون تخريب.
أما معالي محمد «مدرسة بدبي»، فتقول: توقفنا عن الخروج كأسرة واحدة منذ وقت طويل، خاصة في رحلات التسوق الأسبوعية، واتفقنا أنا وزوجي على تبادل المواقع، فأحدنا يذهب لشراء الاحتياجات المنزلية، والآخر يمكث في البيت مع طفلينا « 4-6 سنوات»، وقد توصلنا لهذا القرار بعد أن مررنا بتجارب سيئة للغاية في رحلات التسوق التي اصطحبناهما فيها، فالوقت الذي كنا نخصصه للتسوق، كنا نقضي معظمه في محاولة للسيطرة على رغبات ابنينا وحركاتهما، التي تباغتنا دائماً، حيث يرغبان دائماً في اللعب بالمعروضات، وإلقاء بعضها على الأرض، أو الإصرار على شراء لعبة معينة، أو كميات كبيرة من الحلوى الضارة بصحتهما، بالإضافة إلى رغبتهما في تفقد كل شيء، وبالطبع كانت محاولات النقاش أو الإقناع بعدم جدوى شراء هذه الأشياء تستنفد جهدنا ووقتنا، وكثيراً ما نعود للبيت سريعاً، ونكتشف أننا نسينا شراء الكثير من الأشياء الضرورية للبيت، وأنفقنا الكثير من المبالغ المالية في ألعاب وحلوى، لم نكن ننوي شراءها، ولكننا اضطررنا لذلك، للتخلص من عناد وبكاء طفلينا وإلحاحهما على شراء هذه الأشياء، كما أننا تعرضنا لموقف سيئ لا ننساه في أحد المولات، عندما كنا نتسوق في أحد متاجر الملابس الشهيرة، وفجأة اختفى ابني عن أعيننا ولم نجده، ومرت علينا لحظات من القلق والرعب والترقب، وكلانا يبحث عنه في كل مكان، ونحن لا نتمالك أعصابنا، واستدعينا رجال الأمن لمعاونتنا، إلى أن اكتشفنا أنه قرر أن يستكشف محل الألعاب الكبير، المقابل للمحل الذي كنا نحن فيه، ووجدناه يجلس بين الألعاب ويبكي، لأنه لم يجدنا حوله، ومن حينها تنتابنا حالة من التوتر، لمجرد تصور فكرة اصطحابهما معنا للتسوق.
أما أيمن عبد القادر «موظف بدبي»، فيتحدث عن قائمة الممنوعات التي طرأت على حياتهم في ظل وجود الأطفال الصغار، ويقول:"أصبحت رحلات التسوق المشتركة شيئاً نادر الحدوث، وكثيراً ما نعتمد على خدمات التوصيل للمنازل في كثير من طلباتنا، ولا نلجأ للتسوق إلا في أضيق الحدود، وغالباً ما نذهب أنا أو زوجتي بالتناوب، خاصة أننا رزقنا بتوأم عمرهما ثلاث سنوات، وهما لا يتوقفان عن الحركة والصياح والعراك معاً، على أبسط الأشياء، كما أن زيارة المطاعم، بهدف الغذاء أو العشاء في جو لطيف، أصبح أمراً محدوداً جداً، ولا نستطيع تنفيذه إلا في أماكن معينة، توفر منطقة لألعاب الأطفال، لأن ارتيادنا للمطاعم الأنيقة، غير قابل للتنفيذ مع أطفالنا، وعادة ما تتحول هذه التجربة إلى حصة تعليمية في كيفية الجلوس والتحدث بصوت منخفض، حتى لا نزعج من حولنا، وعدم اللعب بأدوات المائدة، أو استخدام السكاكين على الطاولة، خاصة أن طفلي يحلو لهما عمل حركات فجائية، وغلطات غير متوقعة، مثل: اللعب بالملح والفلفل وخلطهما بالماء أو العصير، أو سكب كل شيء على الطاولة، وأحياناً على ملابسهما، وفي أحيان أخرى يملان الجلوس ساكنين على المائدة، فيبدآن الجري واللعب داخل المطعم، والتسبب في إرباك العاملين، وإزعاج الزبائن، وبالتالي تتحول نزهتنا إلى قائمة من التعليمات والتوجيهات والملاحقة وإقناعهما بتناول الطعام في هدوء، ولكن بدون جدوى.
أما جلال إبراهيم «مخرج بدبي»، فيقول: هناك أماكن كثيرة محظور علينا ارتيادها بصحبة أطفالنا الصغار، مثل زيارة السينما، فاصطحاب الأطفال للسينما أمر شبه مستحيل، إلا في أفلام الرسوم المتحركة فقط، ولذلك أصبحت زيارتنا للسينما مرهونة بذوق أطفالنا، وحتى إذا قررنا الخروج للتنزه في عطلة نهاية الأسبوع، لابد أن نختار مكاناً به منطقة للألعاب، ونمضي معظم الوقت في مراقبة أطفالنا أثناء اللعب وتلبية رغباتهم المتكررة للذهاب إلى دورات المياه، وشراء الحلوى، أوالرغبة المفاجئة في النوم، في أي وقت، وأي مكان، وأحياناً التذمر من الشعور بالتعب، والإلحاح في طلب أن نحملهم على أكتافنا، ونعود للبيت عادة منهكين ومجهدين، ولكننا بالطبع نشعر بالرضا لسعادة أطفالنا واستمتاعهم، خاصة إذا تضمنت النزهة صحبة بعض أصدقائنا، ممن لديهم أطفال في عمر أبنائنا، فهذا يحقق سعادتهم أكثر، ويعطينا نحن أيضاً فرصة لالتقاط الأنفاس، والاستمتاع مع أصدقائنا، ولو لبعض الوقت.

الإلهاء و الثواب و العقاب أفضل الطرق للسيطرة

عن رأي علم النفس في كيفية تعامل الأهل مع أطفالهم خارج البيت وكيفية توجيههم والسيطرة عليهم، تقول فاطمة الزهراء عبد الرحمن، الاختصاصية النفسية بالشارقة: توجيه الأبناء والسيطرة عليهم، يبدأ دائماً من البيت، ولا يجب أن يسعى الأهل لتوجيه سلوك أطفالهم غير الملتزم فقط خارج البيت، لأن في هذه الحالة لن يكون لذلك أي تأثير فعال على سلوكهم الدائم، وإنما يجب عليهم أن يلتزموا بنفس القواعد المنضبطة خارج وداخل البيت، على حد سواء. ولابد أن يؤهّل الأهل أطفالهم للنزهة قبل الخروج من المنزل، فيجب إطلاعهم على طبيعة المكان الذي سيزورونه، سواء كان المكان هو مركز التسوق، مثلاً، أو السينما، أو المطعم، ويجب الاتفاق مع الطفل وتوجيه سلوكه لما يجب أن يفعله، وما لا يجب أن يفعله، وأن يتم استخدام أسلوب الثواب والعقاب مع الابتعاد عن العقاب البدني نهائياً، فإذا التزم الطفل، يكافأ بهدية يختارها، وإذا لم يلتزم يحرم من الحلوى مثلاً.