لن يختلف أحد على أن مطاردي العواصف أو الأعاصير أو الدوامات الهوائية يضعون حياتهم على حافة الهلاك وهم يتصدون لتلك الرياح الهوجاء، أو كما يقولون غضب الطبيعة للوصول إلى دراسات حول الحقائق العلمية التي تحيط بتلك العواصف من حيث قوتها وكثافتها ومدى قدرتها على التدمير، وهي وحش مهلك لا يمكن للبشر التصدي له بل كل ما على الإنسان أن يفعله هو أن يختبئ في أقبية تحت الأرض حتى تمر، لكن مطاردي العواصف لا يفعلون ذلك .
قد يفوت البعض أن مواطنا إماراتيا مثل عمر النعيمي الذي يضم موقعه على الشبكة العنكبوتية 15 ألف عضو لايختفي عندما تحمل الأجواء نذر عاصفة أو إعصار، وإذا كانت الشوارع في مدن الإمارات قد خلت من الناس تحسبا لوقوع إعصار ممطر في الآونة الأخيرة، فثمة شخص لا يهاب تلك العواصف بل إنه يجري وراءها ويطاردها . يمضي عمر، وهو مواطن من العين في الثلاثين من عمره شطراً من وقته في مطاردة العواصف ودراسة الأحوال الجوية . ومع تسارع أعداد مجموعة مطاردي العواصف في الدولة ودول مجلس التعاون الخليجي، يبحث عمر عن أفضل الأماكن المناسبة لرصد العواصف وتصوير حركاتها واتجاهها وهي في أوج اضطرابها وهيجانها . ويمكن زيارة موقعه على الإنترنت storm .com للتعرف إلى نشاطها، ويشار إلى أن هناك أكثر من 15 ألف شخص يقومون باستخدام موقعه . The National- Abu Dhabi .
لكن في المقابل نرى أن الولايات المتحدة هي من البلاد القليلة في العالم التي تواجه أعتى الأعاصير المدمرة المحملة بالأمطار، وهناك يتجول علماء وخبراء بسياراتهم القوية والمتينة في أوقات هبوب العواصف متحدين كل المخاطر في سبيل التعرف إلى طبيعة تلك العواصف ودراستها، وقد زودت سياراتهم بأحدث تقنية تتبع العاصفة وقياس قوتها وقدراتها التخريبية .
في ولاية نبراسكا يمكث عدد من الخبراء يراقبون أجهزتهم حيث يزداد الضجيج المثير الذي تطلقه وبعد قيامهم بفحص الأجهزة ينطلق فريق مطاردي العواصف وفي الختام يصلون إلى مرحلة رؤية ما يطمحون إليه . يقول ويل جراي وهو صحافي بريطاني يعمل على حسابه الخاص: انضممت إلى الفريق لمطاردة أضخم إعصار في التاريخ . وتجدر الإشارة إلى أن الفريق كان قد بدأ مشروعا استغرق عامين بتكلفة 12 مليون دولار أطلق عليه التحقق من مصدر الدوران في الأعاصير . وبدأ المشروع في 10 مايو/ أيار الماضي بهدف تسجيل، ولأول مرة في التاريخ، دورة الحياة بكاملها لأحد الأعاصير . وتجمع أكثر من 100 باحث وهم يمتلكون معدات مختلفة لم يسبق لعلماء استخدامها على أمل أن يبوح الإعصار بأسراره . وحتى تلك اللحظات لم يكن العلم قد سبر أغوار تلك الأعاصير بالكامل .
وطوال ثلاثة أسابيع وأربعة أيام، قطعت هذه المجموعة من العلماء مسافة 10 الآف كيلومتر عبرت خلالها ست ولايات أمريكية في الوسط الغربي، حيث يبحث العلماء عن مؤشرات لوجود تلك الخلايا العملاقة والعواصف الرعدية التي تنتجها تلك الأعاصير . ورغم رحلة البحث المرهقة لم يوفق الفريق الضخم في مواجهة أو رؤية أي إعصار . وفي كل مرة كانت القافلة المكونة من 40 سيارة تصل إلى منطقة موعودة كان الوضع إما أنهم لا يشاهدون شيئا أو يكون الإعصار قد خمد .
لقد كان الوضع في هذا العام يتناقض تماما مع الوضع في العام 2008 عندما ضرب الولايات المتحدة أكثر من 1691 إعصارا راح ضحيتها أكثر من 120 أمريكياً . وكان الفريق مزودا بمعلومات تؤكد أن عدد الأعاصير تراجع في العام الماضي بنسبة 75 في المائة، ولذلك شعر الفريق بعد جولته الطويلة بنوع من اليأس . إلا أن التلهي بمطالعة الأجهزة في بعض الأوقات والاسترخاء في أوقات أخرى أدى إلى مساعدة الخبراء على أن يكونوا يقظين ومستعدين لمواجهة تلك اللحظة الكبيرة . وها هو الحظ يحالفهم الآن الإعصار في طريقه إليهم .
لم تمض 40 دقيقة حتى كانت العاصفة الدوامة المحملة بسحابة داكنة تظللنا وعيوننا مسمرة عليها . فجأة جاء صوت كارن قصيبة عبر الأثير، وهي منسقة في مشروع رصد الأعاصير فورتكس 2، يقول العاصفة تبعد 12 كيلومترا وهي تتجه مباشرة نحونا ولدينا هنا احتمال كبير لأن تكون إعصاراً شديدا . فالرجاء الاستعداد لنشر المعدات . الواقع أن الأعاصير تحدث في كل اركان المعمورة، لكن هذا المكان هو مسرح معروف لأشد الأعاصير حدة . وتتسم المنطقة بأنها تمتلك أفضل الشروط لولادة ما يسمى العاصفة المثلثة . ففي الربيع ينشطر عمود هواء إلى ثلاث طبقات، وتنطلق من خليج المكسيك رياح دافئة وتصبح على تماس مع الأرض ويتبع ذلك هبوب رياح ساخنة وجافة من صحراء المكسيك، وتتربع فوق تلك الطبقات الهوائية طبقة باردة تنجذب من جبال روكي يدفعها تيار هوائي قوي . وعندما تعمل الرياح القوية ودرجات الحرارة العالية على التسبب في حدوث خلل في الطبقة تثور عاصفة رعدية عنيفة .
وخلال شهري مايو/ أيار ويونيو/ حزيران حيث تصل الأعاصير إلى اشد نشاط لها في هذا الممر العاصف يبدأ السكان في المنطقة الواقعة ما بين جبال روكي والأبالاشي بتوخي الحذر والتنبه إلى مخاطر الإعصار .
ولا يعرف على وجه التحديد لماذا تؤدي واحدة من خمسة أعاصير إلى التحول إلى دوامة، ويتساءل العلماء أيضا لماذا يصبح إعصارا أشد خطورة من غيره .
نحو الساعة الرابعة بعد الظهر بدأ الإعصار في منطقة تقع وراء بلدة جرانج في ولاية ويومنغ . وتهبط الدوامة فجأة من السحابة الداكنة وكانها أصبع صنع من العظام فقط، ولكنها لا تلبث أن تتلاشى إلا أن السحب تواصل دورانها على شكل دوامة وبعد لحظات قليلة يتمدد الأصبع إلى الأسفل ثانية حتى يلامس الأرض . وها هو الإعصار يقترب .
وتواصل كارن قصيبة حديثها فتقول: يتخذ أسطول سيارات الباحثين والعلماء مواقعه وينتشر على امتداد 60 كيلومتراً مربعاً وتصبح الأجهزة في كامل جهوزيتها . وتوجه كاميرات الفيديو والرادارات العشرة المتنقلة نحو الإعصار ويتم إطلاق بالونات الطقس إلى السحب . ويتم نشر 24 مجساً تعد لقياس الوضع فوق مستوى سطح الأرض، وفجأة يأتي دورنا . ونظرا لأن عرض الإعصار يتراوح ما بين 200 متر و1500 متر فإن من الضروري جدا نشر المعدات لتسجيل لقطات مباشرة، خاصة وأن مدة نشاط الإعصار لا تتجاوز أكثر من عشر دقائق .
وبينما كنا لا نبعد أكثر من كيلو متر واحد عن مركز الإعصار بدأ القمع الرمادي في تمزيق كل ما يمر في طريقه على الطريق من خلفنا . وخلال دقيقة واحدة خلقت الرياح التي بلغت سرعتها 200 كيلومتر في الساعة ضجيجا مفزعا، وواصلنا مراقبة الإعصار حتى تبدد وتحول إلى سحب بيضاء .
بعد ستة أيام وصلنا إلى ميسوري وسرنا في درب لإعصار بدا وكأنه أكثر الأعاصير عنفاً في ذلك الموسم . وأوضحت كل المؤشرات أنه وحش كاسر سيتمخض عنه سلسلة من الأعاصير الأخرى . ولسبب ما لم ينتج عنه أي شيء . وشعرنا بافتقار إلى التنبؤ بالمعلومات ولكننا نجحنا في الحصول على كل المعلومات التي يمكننا الحصول عليها، لأننا شعرنا أن هذا الحدث ستكون له قيمة عالية . وقد أثبت رادار توبلر على نحو خاص نجاحه فقد كان يلتقط صورة للإعصار في كل دقيقة وتم تجميع صور أفلام الفيديو لأكثر من 30 إطاراً مفصلاً . في حين كانت اللقطات في السابق لا تتجاوز أصابع اليد . وتبين صور الفيديو نزول تيار قوة من الهواء على جانب كتلة الإعصار، وهو نشاط يطلق عليه الجناح الخلفي للتيار الهابط، ويدفع ذلك الكثير من الباحثين إلى الاعتقاد بأنه حاسم في تشكيل الإعصار . وتساعد آليات عدة في تشكيله منها البرد المتساقط والأمطار والثلوج التي تساعد على هبوط الهواء إلى الأسفل . وأثناء تساقطها تؤدي حبيبات الأمطار الاستوائية المتبخرة والبرد المصهور والثلج، وهي عمليات تسحب الحرارة من الجو، إلى خفض درجة حرارة الهواء ودون ذلك لا تتم عملية تشكل الإعصار . وقد تكون درجة حرارة التيار الهابط العامل الحاسم في تشكل الإعصار .
أما الجانب الآخر من المشروع فهو ينحصر في فهم دور الجليد والبرد والمطر في كل دورة من حياة الإعصار . وتكشف الخرائط التي رسمت على الفيديو أن الرياح خارج القمع الهوائي أقوى من تلك المتوفر على حواف القمع، ويتوقع أن يساعد ذلك الباحثين في حساب كمية الهواء التي تمر عبر الإعصار وتساعد على إيضاح الأسباب التي تجعل بعض الأعاصير أكثر تدميرا من سواها .