تختلف عادات الزواج في سوريا من منطقة إلى أخرى وذلك تبعاً لطبيعة المنطقة الجغرافية التي عادة ما تترك أثرها على العرف السائد وأيضا تماشياً مع العادات المتوارثة فيها، ولكن رغم هذا الاختلاف تعد مناسبات الزواج في المجتمع السوري واحداً من مواسم الألفة ولم الشمل وإكرام الضيف وإظهار التكافل الاجتماعي بأبهى صوره.
لمناسبات الزواج في محافظة درعا (حوران) إلى الجنوب من العاصمة دمشق طقوس خاصة تكاد تميزها عن غيرها من مناطق سوريا وهذه الطقوس وان اختلفت بين منطقة وأخرى ضمن المحافظة فإنها تتقاطع في كثير من خطوطها العريضة وتنسحب على باقي القرى والبلدات.
يبدأ موسم الزواج في المحافظة مع بداية الربيع ويستمر حتى أواخر شهر نوفمبر/ تشرين الثاني باستثناء شهر رمضان المبارك وقل من يقدم على الزواج خارج إطار هذا الموسم، ولكل مرحلة من مراحل الزواج في المحافظة ترتيبات وإجراءات لا بد منها وإلا كان الأمر خروجاً عن العرف السائد، وتنسحب هذه الترتيبات على كل المراحل بدءاً بالخطوبة وانتهاء بإتمام الزواج.
مرحلة الخطوبة تبدأ بعد أن يحدد الشاب الفتاة التي يرغب في الزواج بها فتذهب أم العريس مع بعض من النسوة وغالباً ما يكن عماته وخالاته إلى بيت العروس لطلب يدها والاتفاق على بعض الترتيبات التي يترك أمر البت فيها للرجال وبعد أن يستفيض أهل الخاطب في شرح مواصفات العريس ومزاياه وطبيعة عمله يطلب أهل العروس المهلة اللازمة أقصاها اسبوع لرد الجواب بعد اخذ رأي العروس والتشاور مع والدها.
يأتي الرد بالموافقة وعندها يذهب أهل العريس ومعهم وجهاء البلدة (الجاهة) إلى بيت أهل العروس ويتم الاتفاق على المهر وعلى الترتيبات اللازمة وعلى موعد عقد القران وغالباً ما يكون المهر محدداً مسبقاً حسب العرف السائد في كل قرية، وعلى نية التوفيق تتم قراءة الفاتحة.
عقد القران أو عقد الشيخ كما يسمى يكون على نطاق أوسع من قراءة الفاتحة حيث يدعى الأهل والأصدقاء ووجهاء البلد إلى المناسبة التي تتم في بيت العروس حيث يعقد شيخ البلدة القران ويتم توزيع الحلويات على المدعوين وسط زغاريد النسوة، ويضاف إلى مراسم عقد القران تلبيس الذهب الذي كان العريس اشتراه مسبقاً برفقة عروسه وأحد ذويها، ويلاحظ في مناسبة عقد القران أن هناك من العائلات من ترجئ العقد إلى حين ليلة الزفاف ضماناً لاستكمال ما للعروس من حقوق أو رغبة من أهل العروس في عدم دخول وخروج العريس إليهم خلال فترة الخطوبة وذلك كفاً لألسنة الناس.
تنشغل العروس في الفترة ما بين عقد القران وموعد الزفاف بتجهيز مستلزماتها الضرورية من تحضير الثياب وأدوات المطبخ وشراء الصوف لتجهيز الفرش فكلها أمور لا بد منها لكي يكون كل شيء على ما يرام، أما العريس فغالباً ما يكون منشغلاً في هذه الفترة بتجهيز أثاث البيت وتفصيل غرفة النوم وشراء الثياب وتحضير الترتيبات اللازمة، وإذا ما كان كل شيء جاهزاً تدخل طقوس الزواج في مراحلها النهائية وصولاً إلى ليلة الزفاف.
ومن عادة أهل حوران أن يسبق الليلة الموعودة ليلة تدعى ليلة الحنة وفيها تتداعى صديقات العروس إلى المجيء للسهر عندها والتحني معها أو من اجل دفع ما عليهن من ذمة تجاهها (النقوط) وهي من الأمور التي غالباً ما تساعد العروس على سد الكثير من احتياجاتها. أما العريس فهو الآخر يدعى من قبل احد أصدقائه للحنة وللغسول عنده في اليوم التالي وغالباً ما يكون الداعي (الصديق) قد حجز مسبقاً وأخذ ملابس العريس وطقمه الجديد قبل يومين من الزفاف.
ودرجت عادة الفتيات في ليلة الحنة أن يغنين للعروس بعضاً من الفولكلور الشعبي لحوران.
يوم الزفاف وغالباً ما يكون يوم الجمعة هو حافل من أوله إلى آخره وخاصة بالنسبة للعريس الذي ينشغل أهله بإقامة بيت الشعر وذبح الذبائح والطبخ وتحضير المناسف لاستقبال الوافدين وما إن يخرج المدعوون من صلاة الجمعة حتى تبدأ مراسم الاحتفال والتي تختلف من عائلة لأخرى تبعاً للحالة المادية ولكن في الغالب يتم التعاقد مع احد عازفي (المجوز) الآلة الموسيقية الأشهر في المحافظة لتبدأ أيام العرس السبعة بيوم صاخب حافل بالدبكات والرقصات والغناء، وبالمقابل هناك من يجلب للمناسبة فرقة إنشاد ديني على اعتبار أن ذلك من الأمور التي تجلب البركة والتيسير.
يتوافد المدعوون تباعاً إلى بيت الشعر وما إن يكتمل نصاب الحاضرين حتى تجلب المناسف، وهذه الأخيرة كانت قبلاً عبارة عن أوان مملوءة بالبرغل المطبوخ يوضع عليها اللحم مع الكبة المطبوخة أيضاً ومع مرقة اللحم وهي من الأكلات الشعبية ذائعة الصيت في المحافظة ويطلق عليها المليحي. ولكن مع صعوبة إعداد المليحي لجأ الكثيرون إلى الاستعاضة بالأرز بدل البرغل لصناعة المناسف، وحتى هذه الأخيرة أصبح لها أناس متخصصون في إعدادها يتقاضون على صناعتها أجراً. ولا يفوت أهل العريس أيضاً أن يرسلوا من الطعام ما تيسر للمرضى وكبار السن ممن لا يستطيعون المجيء وهي من العرف الذي ما زال سائداً حتى اليوم.
ينتهي الجميع من تناول طعام القرا وهي كلمة ما يزال كبار السن يستخدمونها كناية عن طعام العرس، وتبدأ بعد ذلك الزفة فبعد أن يلبس العريس طقمه الجديد في بيت صديقه يسير أمام أصدقائه الذين يغنون له بعضاً من الأهازيج التي تتغنى بصفاته ومزاياه وباتجاه العروس التي عادة ما تكون مدعوة إلى بيت عمها أو خالها ويتجه الموكب بعدها إلى بيت العريس وسط الزغاريد وما إن يصل الجميع أمام عش الزوجية حتى يكون العريس قد أخذ موضعه فوق الباب وبيده كيس من السكاكر أو زجاجة من العطر يبدأ برشها على عروسه وعلى المشاركين، بينما تقف أم العريس في الزاوية الجانبية وبيدها عجينة من الحناء تنتظر وضعها في يد العروس لتضعها في واجهة الباب التماساً للخير في قدومها وتيمناً بالبركة على وجهها وجرت العادة أيضاً أن تكتب العروس بالحناء بعض عبارات مثل بسم الله الرحمن الرحيم أو ما شاء الله وغيرهما الكثير.
ومع دخول العروس عشها الجديد تكون شمس ذلك اليوم الشاق أزفت بالرحيل وبعد أن يؤدي الموجودون صلاة المغرب يحين وقت (المرزح) أي النقطة حيث يتداعى أبناء البلد إلى تنقيط العريس وهذا أيضاً نوع من التكافل الاجتماعي والمساعدة لوالد العريس الذي ينتظر (المرزح) لسداد الديون التي ترتبت عليه ويبدأ الجمع ويقف مناد وسط المضافة ليصيح باسم صاحب النقطة وبالمبلغ قائلاً عبارة تقليدية درج على استعمالها في (المرزح) خلف الله عليك يا فلان وابن فلان ومن أحب النبي صلى عليه أما المسجل فيكتب ما سمعه في دفتر خاص يحتفظ به والد العريس وبعد الانتهاء ينصرف الجميع بعد أن أدوا ما عليهم.
للأفراح والمناسبات مراسم وطقوس خاصة وكي لا ننسى فهذه المراسم والطقوس قد يحصل أن يتم اقتصارها في بعض الحالات، وعلى سبيل المثال يؤجل والد العريس موعد زفاف ولده إذا حصلت حادثة وفاة لأحد أهالي البلدة، أما إذا حصلت الوفاة في نفس يوم الزفاف فيقتصر الأمر على تقديم الطعام للمدعوين دون إبداء أي تعبير من تعابير الفرح كالأغاني والأهازيج تعاطفاً مع ذوي الميت وهذه من العادات التي ما يزال الجميع يرفع لها قبعة الاحترام.