كشف العديد من الدراسات الاجتماعية والنفسية أن الأعمال المنزلية من أكثر الأمور الخلافية التي تظهر بين الزوجين بعد انقضاء شهر العسل وبداية الحياة الزوجية بمعناها الحقيقي ومسؤولياتها المشتركة . بعض الزوجات يترفعن عن القيام بأعمال المنزل وترفض الواحدة منهن خدمة الزوج والأولاد بأي حجة وتطالب بتوفير خادمة لها، وفي المقابل هناك الكثير من الرجال يمنعهم الحياء أحياناً، والعناد والكسل أحياناً أخرى، من المشاركة في القيام بالأعمال المنزلية، ومن هنا يشتد الخلاف ويبدأ كل طرف في إلقاء اللوم على الآخر ويطالبه بتحمل المسؤولية .

عن مسؤوليات الشؤون المنزلية وعن مدى مشروعية طلب الزوجة توفير خادمة، ومتى يجب على الزوج مشاركتها في أعمال المنزل، وحكم الشرع في الزوجة التي ترفض خدمة زوجها وأولادها كان هذا التحقيق .

في البداية يؤكد الأستاذ في كلية أصول الدين بجامعة الأزهر، الدكتور عبدالله سمك، أن الحياة الزوجية شراكة بين اثنين يتعاونان فيها على الاستمرار والسير بها إلى الأمام، وذلك يخضع إلى التفاهم والاتفاق، فلكل من الزوجين على الآخر حقوق وواجبات، فمن حق الزوجة على زوجها الإنفاق والمعاملة الطيبة ومعاونتها في أعمال المنزل إذا احتاجت إلى ذلك، ومن حق الزوج أن تهيئ له الزوجة المسكن وأن تعمل على إسعاده بالقول والفعل .

ولو كانت وزيرة

ويشير د .سمك إلى أن المهام الأسرية هي بالأساس من واجبات الزوجة، ولو كانت تتولى مسؤولية الوزارة، وليس معنى ذلك أن تقف في كل الأحوال في المطبخ، وأن تتولى بنفسها إعداد الطعام والشراب وتتولى تنظيف المنزل، فهذه الأعمال قد تجد المرأة العاملة من يقوم بها تحت إشرافها، لكن هناك أموراً كثيرة لا تعفى منها، وهي رعاية زوجها وأولادها وتنظيم وقت الأبناء وحل مشكلاتهم اليومية وتوفير المناخ المناسب لتستقر حياتهم الاجتماعية والتعليمية .

ويوضح د . سمك أنه يجب أن نتخذ من حياة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أسوة لنا، فقد كان يشارك زوجاته في العمل بأن يرقع نعله ويغسل ثيابه، فإذا أدت المرأة واجبها في منزلها كان على الزوج أن يؤدي واجبه نحوها ونحو أسرته لخلق حياة زوجية هادئة .

لكن هل يجوز للمرأة أن تطلب من زوجها المال نظير قيامها بخدمة البيت والأولاد؟

يقول د .عب الله سمك: إن الحياة الزوجية تقوم على المشاركة والتعاون داخل الأسرة وخارجها، بحيث يمكن تقسيم العمل وتكامله، فإذا كان الرجل يكد ويشقى خارج البيت كي يوفر لأهله احتياجاتهم، فإن المرأة تشقى وتمارس مهام كبيرة داخل البيت لا تقل شرفاً وثواباً عن عمل الزوج، ومشاركة المرأة زوجها في إدارة شؤون البيت وتحمل التبعات من أجل استقرار الأسرة، من مألوف العادة الطيبة وإقرار الشرع الحنيف وواقع الحال في كل عصر، وقد قال سبحانه في سورة الطلاق: لينفق ذو سعة من سعته ومن قُدِرَ عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسراً، ومن هنا فإن طلبت المرأة قدراً من المال من زوجها نظير خدمته في البيت لا سند له من النصوص الشرعية في القرآن والسنة والإجماع، والصحيح أن على الزوجة أن تقوم بخدمة البيت والأولاد والزوج داخل بيتها وخارجه، كما كانت تفعل أسماء مع زوجها الزبير بين العوام رضي الله عنهما مهما تنوعت الخدمة وفي حدود طاقتها وقدراتها .

تلبية نداء المودة

وترى أستاذة الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر، الدكتورة عفاف النجار، أن المشاركة بين الزوجين من دواعي استمرار رباطهما المقدس ولا تنال مشاركة الرجل في أعمال البيت من رجولته إطلاقاً، بل هي وسيلة للرحمة التي تبني البيوت القوية الآمنة، فرسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم كان يساعد أهل بيته ويدعو المسلمين إلى الاقتداء به، ومن واقع ذلك الزمان، فلم تكن أمهات المؤمنين في حاجة إلى مساعدة لبساطة الأعمال المنزلية، لكن الرسول العظيم ترك سنة لرجال أمته تبين أهمية مشاركة الزوج لزوجته حتى لو كانت متفرغة لبيتها .

ومن هنا أرى واجباً على الرجل أن يدرك مدى أعباء البيت العصري على عاتق الزوجة التي تؤثر في حياتها النفسية والجسدية، وعليه أن يساعدها تلبية لنداء المودة والرحمة اللتين بنى الإسلام بهما العلاقة الزوجية .

وتؤكد د . عفاف النجار أن علاقة الزواج أقدس العلاقات وأعظمها ترابطاً، لذلك ينبغي أن تقوم شؤون الحياة فيها على التسامح لا على التربص والمحاسبة، والشرع يلزم الزوج بأن يستقدم خادمة تساعد الزوجة المريضة أو يخدمها بنفسه، وذلك في حالة فقدانها القدرة على أداء الأعمال المنزلية أو بعضها، وما أجمل وأحكم قول الله تعالى: وعاشروهن بالمعروف، وقوله: ولا تنسوا الفضل بينكم .

وتشير د .عفاف النجار إلى أن الإسلام ترك تحديد بعض العلاقات الزوجية للعواطف النبيلة بعد تحديد الأساسيات فيها، من ذلك مثلاً أن على الزوج مساعدة زوجته في المنزل إذا تزاحمت الأعباء المنزلية عليها، ويكون ذلك حتى لو في الأمور اليسيرة، ولا شك في أن الزوج السوي يكون في غاية السعادة وهو يشارك زوجته في إعداد الطعام والشراب للأبناء .

واجبات متبادلة

أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر، الدكتور محمد عويضة، يرى هو الآخر أنه ينبغي على الزوجة أن تطلب هذا المطلب بصورة طيبة حتى لا تكون سبباً في إحداث مشكلات أو خلافات بين الزوجين، فإذا شعرت بأنها في حاجة إلى من تساعدها أو تتحمل عنها بعض مسؤولية وأعباء المنزل، فيمكن أن تشرح ظروفها لزوجها، خاصة وهي تعلم إذا كانت إمكاناته المالية تسمح له بتلبية طلبها أم لا؟ وتقدم الطلب باعتبار أنها تريد التفرغ لرعايته والاهتمام به وبشؤونه الخاصة حتى لا يقابلها بالاعتراض، ما قد يحدث شرخاً في العلاقة بينهما، فقد يرى الزوج أنه لن يستطيع تلبية طلبات زوجته، وكذلك هي قد تشعر بأنه بخل عليها في توفير من تقوم بحمل الأعباء عنها .

والبيت السعيد عبارة عن مهام مشتركة وواجبات متبادلة، فالزوج له أدوار خاصة عليه القيام بها تتمثل في رعاية وكفالة الأسرة، والزوجة عليها الإنجاب والرضاعة، وهناك مساحة يلتقيان فيها فكل منهما بحاجة إلى الآخر، لذلك قد يساعد الزوج زوجته في أعمالها الخاصة والعكس صحيح، أما إذا كانت اللغة السائدة بينهما أن هذا دوري وهذا دورك فلن تجد السعادة طريقها إلى هذا البيت .

ويؤكد د .عويضة أن المشاركة في تقاسم المسؤوليات من الأمور التي تساعد في استمرار الحياة الزوجية، فلا عيب في أن يشارك الزوج في الاهتمام بشؤون البيت مثل الغسل والطبخ وتربية الأطفال مثلاً، والأمر ذاته بالنسبة إلى الزوجة التي عليها رعاية زوجها والاهتمام بصحته ومظهره، ولا مانع من أن تشاركه هموم وأعباء الأسرة من نفقات الطعام ودروس الأطفال، وغير ذلك إن استطاعت .