شكلت الأفلاج في مدينة العين قديماً مصدراً رئيسياً للمياه العذبة النقية، ولعبت دوراً مهماً في توفير المياه على مدار العام لسكان واحة العين قديما فقامت الحياة عليها واستقر المقام حيث وجدت الأفلاج. وبالإضافة لكونها رمزاً تراثياً يربط الحاضر بالماضي ألقت الأفلاج الكثير من الضوء على نمط الحياه قديما وتطور المجتمع في ذلك الوقت.
أدى اكتشاف الأفلاج واستخدامها بصورة واسعة للري قبل أكثر من ألف سنة إلى تمركز السكان في هذه المناطق، ونشاط حركة التبادل التجاري، كما ارتبطت نشأة الأفلاج واستخدامها في الري بنشأة المباني التاريخية الضخمة التي تعج بها مدينة العين والمنطقة التي حولها، فقد شيد الحكام المتعاقبون مجموعة كبيرة من الحصون والقلاع والأبراج لحماية موارد المياه وأراضيهم الزراعية في تلك الواحات
يرتبط معنى كلمة فلج بالتقسيم والمشاركة، إذ لا يعنى مجرى مائياً إلا بصورة ثانوية فهو نظام توزيعي للمياه بين أولئك الذين لهم مصلحة فيه، والواقع أن كلمة فلج تعنى المعنيين معا: التقسيم والنهر الصغير، وكل شيء شققته نصفين فقد فلجته
وبرع الأقدمون من أهل الإمارات وتفننوا رغم إمكاناتهم البسيطة، في إيجاد سبيل للحصول على الماء لري مزروعاتهم فابتكروا الأفلاج التي برهنت على وجود حس هندسي لديهم منذ قديم الزمان. وفي عام 1984 اكتشف أحد مواقع الآثار المهمة بجوار حديقة هيلى في العين وعثر فيه على قناة ري رئيسية لفلج قديم يعود تاريخه إلى النصف الأول من الألف الأول قبل الميلاد مما يؤكد قدم أنظمة الأفلاج في الإمارات وهى لاتزال بحالة جيدة كما كانت عليه عند بنائها، والفضل في ذلك يعود إلى الصيانة المستمرة.
ويوجد بمدينة العين 300 فلج تقريباً، ولكن معظمها جف والأفلاج المتبقية غير معروفة الأعمار تماما،وأهم الأفلاج الموجودة في مدينة العين حاليا هي أفلاج: العين، والهيلى، والقطارة، والداوودى، والجاهلى، والجيمي، والمعترض، والمويجعى ، ومزيد .ويسمى فلج العين بفلج الصاروج، وينبع من منطقة مراغ شرقي العين، وهو من الأفلاج الكبيرة ويسير تحت الأرض ضمن قنوات كبيرة عليها عدد من الفتحات لتسهيل عملية تنظيف ومراقبة المياه، ثم تتفرع ضمن عوامد أسمنتية بعرض قدمين وارتفاع قدم لتقوم بسقاية النخيل والمزارع بمنطقة العين.
أما فلج الهيلى فهو أحد الأفلاج الكبيرة أيضا، وينبع من منطقة العوهة بشمال مدينة العين، ويعتبر من أعمق الأفلاج، فعمقه يقارب الثلاثين متراً، وتلحق به خمس فتحات غنية بالماء بالإضافة للفتحات العديدة المنتشرة على طول مسار هذا الفلج، والتي تتراوح المسافة بين الواحدة والأخرى فيها قرابة 60 قدما، تسير فيها المياه تحت الأرض مسافات كبيرة بطريقة الميل إلى أن تصل حتى سطح الأرض حيث توزع في عوامد أسمنتية حديثة الصنع لتروى النخيل والمزارع، ويبلغ طول هذا الفلج 12 كيلومتراً.
وينبع فلج القطارة من منطقة صعرا بجنوب البريمى ويصل للعين عبر قنوات تحت الأرض، وفى منطقة القطارة يظهر على سطح الأرض، حيث يسير ضمن عوامد وتصل مياهه إلى مزارع النخيل بالمنطقة، ويبلغ طول هذا الفلج 8 كيلومترات كما ينبع فلج الداوودى من منطقة شبيحات شرقي العين، وهو يغذى منطقة الداوودى، ويبلغ طوله 7 كيلو مترات وقل منسوب المياه به حاليا، وبتوجيهات من المغفور له باذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان حفر 87 بئرا لتغذية هذا الفلج، تبلغ المسافه بين البئر والأخرى 6 أمتار وعمق كل منها 24 متراً، وقطرها متر واحد وتتصل هذه الآبار ببعضها بعضاً، فيما ينبع فلج الجيمى من منطقة القاعة شرقي العين ويسير في قنوات تحت الأرض يظهر بعدها على السطح في منطقة الجيمى، وتجرى المياه بعدها ضمن عوامد تمر بالمزارع لتغذيتها ويبلغ طول هذا الفلج 6 كيلومترات .
وهناك أيضاً فلج المعترض الذي ينبع من بيت المحابيس القديم شرقي العين ويغذى منطقة المعترض التي سميت باسمه ويبلغ طوله 6 كيلو مترات، وفلج المويجعى بوسط المدينة وطوله 6 كيلومترات وهو عديم النفع حاليا بسبب جفاف مياهه وينبع فلج مزيد من منطقة غربي صفافة، وشرقي جبل حفيت ويعمل على سقاية منطقة مزيد، بطول 12 كيلومتراً تقريبا وعمق 24 متراً ويسير ضمن قنوات توجد بها فتحات وفى منطقة ظهوره على سطح الأرض يسير ضمن عوامد تقوم بتوزيع مياهه على مزارع النخيل. أما فلج الجاهلي فيبدأ من شرق هيلتون العين مارا بالمربعة القديمة ويستمر حتى قلعة الجاهلي التي أطلق عليها نفس الاسم تيمنا به، وينقسم فلج الذيد إلى 20 قسما رئيسيا وكل منها يعرف بالبادة، أي أن مجموع مياه فلج الذيد عشرون بادة، وهو ينتمي النوع الداوودى من الأفلاج الذي يغذيه عدد من السواعد (الأفرع) أهمها ساعد المليحة الذي يأتي من جهة الجنوب وساعد البردي ويلتقيان عند منطقة السدرات، كما يغذيه ساعدا المثموم والحرملي.
يقول الوالد سرحان النيادي والذي تجاوز عمره مائة عام: الفلج عبارة عن مجرى ماء طبيعي، أو مجمع مائي تحت الأرض على عمق يقارب 24 مترا يسمى أم الفلج وتداول الأهالي أسطورة عن شق وبناء هذه الأفلاج، وخصوصاً تلك المسماة الداودية تقول إن النبي سليمان بن داود عليه السلام أثناء تحليقه على بساط الريح مر على هذه المناطق ونزل عند أهلها فاشتكوا له قلة الماء عندهم فأمر الجن والعفاريت بالبحث عن المياه في جوف الأرض فقامت بحفر الأفلاج وأخرجت الماء. ويضيف: هذه الأفلاج ثابتة ولا ينقطع الماء منها ولكن قد يخف مستواه ولكنها لا تجف نهائيا لأن أمهاتها عيون ثابتة، وهذا النوع من الأفلاج منتشر وبكثرة في الإمارات وعمان واليمن، ولو وصل أحد إلى أسفلها في باطن الأرض سيتعجب من القدرة العجيبة التي شقت بها في الجبال، فكيف استطاعوا قطع الصخور بكل هذه الدقة وكيف تحملوا البقاء تحت الأرض وسط ندرة الهواء والحرارة الشديدة والضغط العالي؟
ويستطرد: في حفر الأفلاج تكون البداية عند الأمهات، وهي منابع وعيون الماء، حيث يتم الحفر، ولمعرفة مكان الأمهات يستعان بخبرة عوامر الجلعة (القلعة) وهم فخيذة من قبيلة العوامر الكبيرة والواسعة، وتسكن هذه الفخيذة منطقة القلعة في سلطنة عمان ويشتهرون منذ مئات السنين بحفر الأفلاج، ويتوارثون الخبرة والدراية بمعرفة أمهات الأفلاج ومواطن المياه أسفل الأرض عن طريق الفراسة والحدس، بالإضافة إلى خبرتهم الواسعة في قص الحجر وشق الصخور والجبال والقدرة العالية على تحمل أصعب الظروف أسفل الأرض.
حول النظام الاجتماعي الذي يتكون حول الفلج، يقول الوالد سرحان: يمثل الفلج عصب الحياة في المنطقة التي يشق بها لذلك كان من الضروري الحفاظ عليه، من خلال إقامة أكثر المباني أهمية كالقلاع والحصون الدافعية بجوار قناة الفلج، بهدف المراقبة وحماية المجتمع القبلي الصغير القائم على ذلك الفلج وكانت النقطة التي تبرز فيها قناة الفلج على السطح تشكل المصدر الرئيسي لمياه الشرب ويقع بعد بئر مياه الشرب مباشرة مبنى المسجد، حيث يلحق به مكان من أجل الوضوء فيه، ويلي ذلك في مكان منعزل منطقة مخصصة لاغتسال الحريم.وبعد ذلك وباتجاه مجرى المياه، تحفر بركة لغسل الأموات قبل دفنهم. كما توجد أماكن لشرب الحيوانات. وفى المرحلة الأخيرة يتم جر المياه عبر قنوات عديدة إلى حيث مزارع النخيل. وفى المزارع كانت توجد سلسلة معقدة من القنوات السطحية والسدود المشكلة من جذوع أشجار النخيل من أجل جر المياه من حوض لآخر حتى تغمر كل مزرعة بالماء، على ارتفاع يصل إلى الكواحل، بموجب نظام زمني للري.
يتابع: وكان يعهد بإدارة نظام الأفلاج وتشغيله إلى مجموعة من الأخصائيين بالقرية الذين كانوا يستخدمون طاقة عاملة مؤلفة من عشرات الرجال الذين يعملون بالمناوبة ليلا ونهارا من أجل تنظيم السدود للمياه، وكانت الموارد المالية للأفلاج ذات أهمية عظيمة كما كانت الحاجة تتطلب وجود ميزانية كبيرة لتغطية نفقات التشغيل والصيانة والتمديدات اللازمه للشبكة . وكان يجرى تعيين الخزنة والمزايدين الذين كانوا يقومون إما ببيع المياه أو تسويق التمور المرصودة لصندوق الفلج. أما المخولون بسلطة التحكيم في فض المنازعات الناشئة عن تعقيدات دورات مياه الفلج فكان يتم اختيارهم من بين أرفع الرجال مكانة في المجتمع.
حفر الأ فلاج
وفيما يتعلق بأساليب حفر الأفلاج، يقول الوالد خلفان العامري 67 عاما: عانى سكان العين قديما للكشف عن مكان المياه الجوفية، فاختيار المكان الأنسب لشق الفلج يحتاج لشخص مختص بذلك، فكان من الواجب إيجاده، كما أن عملية شق الأفلاج هي الأخرى كانت بحاجة لمجهود بدني كبير وشجاعة ومهارة فائقة لمواجهة مختلف الصعاب. وعقدها ثم تبطينها وتكسيتها من الداخل كوسيلة تدعيم وإسناد لها لمواجهة أخطار الأرض الرخوة المحيطة بها، بالإضافة إلى ان العمل شاق كان وأيضا محفوفا بالمخاطر.
ويواصل: كثير من الأهالي كانوا يكرهون ويرفضون أن يدخلوا الأفلاج بسبب احتمال تعرضهم للأخطار، مثل عضة أفعى، أو سقوط سقف عليهم إلى جانب أخطار موهومة قائمة على الخرافات مع ضعف وسائل الإضاءة التي كانت مستخدمة تحت الأرض، فقد كانوا يستخدمون مصابيح زيتية لها علب ذات فتائل وتبدو مهارة الذين كانوا يقومون بحفر هذه المجاري الجوفية في قدرتهم على توجيه مساراتها بحيث يلتقي بعضها مع بعض لا سيما وأن ضبط مستوياتها يتم بالعين المجردة في ذلك الوقت، مع التوفيق بين المسار المثالي للمجرى وبين مسار يعتمد على خصائص الصخور التي يتم فيها حفر النفق. ومن أهم مظاهر المهارة استعمال مطرقة وأزميل في مساحة ضيقة جدا.
يسقى الشريف والضعيف
حسب الوالد سرحان النيادي كان لكل فلج عرّيف. وهو رجل ذو خبرة في مجال تقسيم وتوزيع حصص مياه الفلج بين أصحاب المزارع، ويتم توزيع الحصص حسب قياس الظل بالقدم، حيث يقف العريف في الشمس ومن ثم يضع خطاً مكان وقوفه وخطاً آخر في مكان آخر الظل ليحدد طول ظله ثم يقسم الظل بالأثر وهو القياس بطول القدم، ومن ثم يقول لفلان أنت لك مدة قدمين من الظل ومن بعدها يسير الماء لفلان وله كذا قدم من الماء وهكذا حسب كل حصة يمتلكها كل صاحب ملك. وكلما مر بعض الوقت وقف العريف ونظر لظله وقاسه وعند انتهاء مدة حصة الأول من السقي أغلق له عامده وفتح عامد الثاني ومن ثم الثالث وهكذا إلى أن يسقي جميع أصحاب الملك حسب حصصهم المتعارف عليها، وفي الليل يتم قياس وحساب مدة الحصص اعتمادا على منازل وحركة النجوم والتي يعرفها العريف حق المعرفة، وبعد معرفة الساعات بدأ الاعتماد عليها. والحصص أنواع منها أصل، وهو المتوارث، وهناك المشترى، وهي حصص يتم تمليكها بالشراء حيث يقوم البعض ببيع أو إيجار حصصهم لآخرين أكثر منهم أملاكا وزرعا.
ويشير إلى أنه كان للأفلاج شرع يسقون منها الناس، والشرع جمع شريعة وهي مثل الشاطئ للنهر حيث يمكن كل إنسان أخذ كفايته من الماء، موضحاً أنه بعد حكم الشيخ زايد رحمه الله لإمارة أبوظبي بسنتين ألغى نظام الحصص وأخبر الأهالي وأصحاب الملك وقال لهم: بنحط ناس موظفين وبنخصص لهم رواتب على حساب الدولة وبيسقون للشريف والضعيف بالعدل والتساوي ولكل صاحب ملك سقي نخله، وعين. ويقول رحمه الله موظفين وبيادير (مزارعين) مهمتهم سقاية كل الأملاك حتى تأخذ كفايتها.
طقوس
كان أهالي العين قديماً يتبعون طقوساً معينة لإحياء الفلج إذا ردم بالرمال وانقطع الماء، وعن هذا يقول المواطن ناصر أحمد الكعبي موظف: عملية إحياء الفلج كانت من المناسبات التي تعكس حجم التعاون والتكافل الاجتماعي بين الأهالي في الماضي، فعندمايموت الفلج أي يردم أو يجف يتم إعلان الأهالي الذين يتوافدون وكل واحد منهم يحمل مسجاه وهي عبارة عن فأس صغير وجفير وهو وعاء مصنوع من الخوص توضع فيه الرمال التي يجري رفعها من الفلج.
ويقوم عريف الفلج بإحضار التمر والقهوة وينحر ذبيحة لإعداد الطعام للأهالي القائمين على تنظيف الفلج والذين يستأنفون عملهم عقب تناول الغداء حتى الغروب، وإذا مافرغوا فإنهم يقضون الليل عند الفلج حتى الصباح ليستكملوا عملهم حتى رفع الرمال منه نهائياً.