ارتبط نظام الفلج ارتباطاً وثيقاً بالإنسان والبيئة، ويعتبر العمود الفقري الذي بنيت عليه حضارة العصر الحديدي في كل من دولة الإمارات وسلطنة عمان، تلك الحضارة التي كانت أساساً للنظام الاقتصادي والاجتماعي لأبناء المنطقة عبر العصور اللاحقة، حيث ابتدعوا نظاماً لتوزيع المياه، ظل قائماً حتى سنوات قليلة ماضية، بل هو لا يزال مستخدماً في بعض المناطق من دولة الإمارات وأجزاء أخرى من شبه الجزيرة العربية، وهذه الوسيلة في استخراج المياه وتوزيعها عبر القنوات المائية، تدل على عبقرية ومهارة هندسية برع فيها الأهالي في العصور الماضية.
الفلج كلمة محلية وعربية من أصل سامي، ويقصد بها الجدول الصغير أو النبع، وهو أحد أنظمة الري القديمة التي ابتدعها الإنسان منذ عصور بعيدة، وهو معروف على نطاق واسع في شبه الجزيرة العربية وفي إيران وبلوشستان وأفغانستان وواحات تركستان والعراق وبلاد الشام وأماكن أخرى من العالم، ولم يختلف شكلها قديماً عما هو عليه الآن، لكن اختلفت أعماقها وحجم ثقابها، وكان يستخدم في إنشائها المعول والإزميل وغيرهما من الأدوات البسيطة.
قامت معظم حضارات العالم القديم ونهضت على ضفاف الأنهار، مثل نهر النيل ونهري دجلة والفرات ونهر السند، أما في شبه الجزيرة العربية المترامية الأطراف، حيث تنعدم الأنهار، فقد عمد سكان هذه المنطقة إلى استغلال الموارد المائية حسب الرقعة الجغرافية التي يقيمون عليها، وتعددت أساليب استغلال المياه ولم تقتصر على السطحية منها، الناتجة عن هطول الأمطار وما يترتب عليها من عيون وجداول موسمية، بل امتدت إلى المياه المخزونة في جوف الأرض، وهذا ما يميز الحضارات التي نشأت في المناطق الجافة عموماً، وفي مقدمتها منطقة شبه الجزيرة العربية، حيث نشأ فيها أقدم الأفلاج.
إصلاحات زايد الخير
في دولة الإمارات قام المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، خلال مرحلة إدارته لمدينة العين في أربعينات القرن العشرين، بإصلاح نظام سقاية الأفلاج، وأشاع استعمال الماء وجعله من حق كل الناس بدون مقابل، ولم يقف زايد الخير عند هذا الحد، فقام بحفر المزيد من الأفلاج وبناها، ووفقاً لنتائج عمليات المسح والتنقيب التي شارك فيها وتحدث عنها د. وليد ياسين التكريتي، رئيس قسم الآثار في إدارة البيئة التاريخية في هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة في العين في كتابه «الأفلاج في دولة الإمارات»، فإنه توجد مئات الأفلاج منذ ثلاثة آلاف عام أو يزيد، وتعتبر منطقة العين من أكثر المناطق وفرة بالأفلاج، التي ترجع إلى العصر الحديدي، وما زال قسم منها معروفاً لدى الناس، وغاب البعض منها بفعل الزمن.
ويؤكد الدكتور التكريتي على حقيقة أن منطقة جنوب شرقي الجزيرة العربية كانت الموطن الرئيسي لهذا النوع من الري، وأن واحات مدينتي العين والبريمي الحديثة نسبياً، هي وليدة هذا النظام الذي يرجع إلى ثلاثة آلاف عام، والدليل على عروبة الفلج، ما تم التوصل إليه من خلال اكتشاف وتنقيب موقع هيلي 15 في مدينة العين، بالإضافة إلى ما تم اكتشافه من أفلاج ترجع إلى العصر الحديدي في منطقة بنت سعود ومناطق أخرى في الإمارات، مع اكتشاف بعض المقتنيات الأثرية التي تعود إلى حقبة الألف الثاني قبل الميلاد، والتي تؤكد أن سكان منطقة بدع بنت سعود اعتمدوا على نظام الفلج في حياتهم اليومية وري مزروعاتهم.
أشهر الأفلاج
الأفلاج التي بناها سكان المنطقة قديماً، منها ما هو معروف وحي إلى يومنا هذا، ومنها ما اختفى بفعل عوامل الزمن والجغرافيا، ولعل من أبرز الأفلاج الأثرية في الإمارات موقع «هيلي 15» في مدينة العين، ويعتبر أول فلج من عصور ما قبل الإسلام اكتشف في جنوب شرقي الجزيرة العربية، وفي مدينة العين على وجه الخصوص يوجد عدد كبير من الأفلاج، ومن أشهرها فلج الهيلي، فلج المويجعي، فلج المعترض، فلج القطارة، فلج الجيمي، فلج العيني، فلج الداوودي، فلج المسعودي، فلج الجاهلي، فلج هزاع، فلج مزيد، فلج صاع، فلج وادي الحمام، فلج الحبيب، فلج مدينة ألعاب هيلي.
أما الأفلاج المعروفة في الإمارات الشمالية فهي: فلج الثقيبة، فلج فلي، وفلج مليحة، وفلج كدرة، وفلج خضيرة، وفلج الذيد، وفلج المنامة، وفلج السيلة، وفلج الصنابي، وفلج المعلا، وفلج إذن، وفلج مريقبات، وفلج الشارقة.
أقسام الفلج
وللفلج خمسة أقسام، هي: أم الفلج، وتعتبر المصدر الذي يغذي الفلج بالمياه، والقناة الرئيسية أو النفق الذي يحفر في جوف الأرض من الأسفل، ويعتبر الجزء الرئيسي والأصعب في بناء الفلج، والقناة أو الخندق الذي يحفر على سطح الأرض، والذي يعتبر امتداداً للقسم الثاني. والشريعة وهي المكان العام الذي يشاع فيه استخدام الماء لأغراض الشرب، وهي عبارة عن حوض مكشوف كان يبنى من الحجر والطين، ثم القنوات السطحية، وهي المنطقة الكائنة بين الشريعة ومكان الزرع، وتكون في العادة غير مسقوفة، وتتفرع منها عدة فروع تسمى العوامد، تتفرع هي الأخرى إلى سواق صغيرة، وقد تكون للفلج نفسه سواعد، أي فروع إضافية تغذيه بالمياه.