تحقيق: غدير المزيني
تغمر ردهة المأكولات في ملتقى "زايد بن محمد" العائلي رائحة المأكولات التراثية، التي تفوح بعبق وأصالة الماضي العريق، ويتمتع ذائقوها بطعم فريد من نوعه، يعود بهم وبذاكرتهم إلى أيام الإمارات الخوالي، بكل ذكرياتها ومأكولاتها الشعبية ومما تتمتع به من فوائد غذائية جمة، ولا تزل بعض العائلات الإماراتية تعتمد هذه المأكولات، من لقيمات وفطير وفلزي وخبز رقاق، على سفرة طعامها اليومي، وتشتاق إلى تناوله بين فترة وأخرى، بالرغم من دخول أطعمة جديدة معاصرة إلى بيوتها، وطغيانها على الهرم الغذائي اليومي للعديد من الأفراد . ويبلغ عدد الخبازات في قسم المأكولات الشعبية لهذه الدورة للملتقى ما يُقارب اثنتى عشرة خبازة، لإعداد الجباب، واللقيمات، والفلزي، والخمير والرقاق، هذا إلى جانب ما يقدمه قسم القهوة الشعبية، من أنواع أخرى من المأكولات التراثية، ومنها الجشيد، والهريس، والمضروبة، والمرقوقة، خصوصاً في أيام نهاية الأسبوع التي يتزايد فيها أعداد الزوار .
زارت "الخليج" ركن المأكولات الشعبية في الملتقى، وتعرفت إلى آراء الزوار بتلك الأصناف سواء أكانوا مواطنين أو أجانب أو وافدين، وقيمت مدى اعتزاز جيل اليوم وتمسكهم بهذه الأصناف على موائدهم اليومية، كما رصدت بعض الوصفات لتلك المأكولات التي يشتهيها الوافد قبل المواطن على هذه الأرض .
اللقيمات تتكون من الطحين والخمير، والبكينغ باودر، والروب، والحليب الرينبو، الذي يضاف حسب الرغبة، إلى جانب بعض المطيبات كالهيل وماء الورد والزعفران، الذي يميز لقيمات الخبازة كوثر قاسم عن غيرها في ذلك الركن .
وتقول قاسم: إن اللقيمات تأخذ مدة عشر دقائق حتى يحمرّ لونها وتستوي على النار، حيث يراعى تحركيها وتقليبها المستمر، حتى الحصول على اللون الذهبي، الذي يدل على نضجها وأنها أصبحت جاهزة للتقديم والتناول .
توضح أن اللقيمات أهم ما يميزها تقاس وتعاير حبتها باليد، وإنزالها من راحة اليد إلى الزيت الساخن مباشرة، إذ تعتبر صنفاً من أصناف الحلويات على المائدة الإماراتية والخليجية بشكل عام، ومرغوبة من قِبل الأهالي على اختلاف ثقافاتهم وجنسياتهم، خاصة في شهر رمضان، لافتة إلى أن اللقيمات تشهد إقبالاً من جميع الجنسيات والدول، فالأجانب يسألون عليها ويجربون مذاقها، الذي يجعلهم يحبونها منذ أول مرة لتجريبها، ويكررون طلبها كلما رأوها، من دون عن غيرها من المأكولات التي يشتهر بها مطبخ التراث الإماراتي .
وتشير قاسم إلى أن اللقيمات هي مثل لقمة القاضي والعوامة في بعض البلاد العربية الأخرى كمصر وبلاد الشام، إلّا أن اللقيمات تختلف بعجينتها الطرية نوعا ما، بالإضافة إلى تغميسها بدبس التمر، عوضاً عن الشيرة أو القطر، كما تؤكل في البلدان الأخرى .
وتؤكد فاطمة الناصر (أم عبيد)، خبازة، أن اللقيمات كان يقتصر تقديمها وتناولها في الماضي على المناسبات من أعراس وأعياد وما شابه، أما الآن فتؤكل بشكل شبه يومي بالنسبة إلى بعض العائلات، وعائلات أخرى ينحصر أكلهم لها في شهر رمضان، كصنف أساسي من أصناف الحلويات وإمداد الجسم بالكربوهيدرات التي يحتاجها طوال فترة صيامه .
وتلفت إلى أن اللقيمات من السكريات المشهورة بقيمتها العالية من الطاقة، التي تزود الجسم بها، إلى جانب دبس التمر الذي تغمر فيه، ويعتبر مجموعة شاملة للعديد من الفيتامينات والمعادن اللازمة للجسم لمزاولة نشاطه المُعتاد، حيث تزين اللقيمات ببعض من السمسم، أوالهيل، أو جوز الهند، أو في بعض الأحيان بالفستق، خاصة فيما يتعلق بلقيمات الجبن، التي كثر طلب عرضها وتقديمها في الملتقى من الجمهور، وتتكون من طحين وزيت، وبيض، وزبادي، وخميرة، والقليل من الملح والسكر، ثم تحشى بمكعبات جبن كيري، وتُقلى بالزيت، لتوضع بعد ذلك وتغطس بالشيرة، بعكس اللقيمات العادية التي تغمس بالدبس أو العسل .
وتنوه بأن صعوبة إعداد هذا النوع من اللقيمات المحشاة بالجبن، والمدة الزمنية التي تستغرقها، لترك العجينة ترتاح وتخمر، ثم حشوها بالجبن، لاتخولهم لعملها بالسوق وفي العلن أمام الناس في منطقة شبه مفتوحة، ولهذا فإنهن يستصعبون تقديمها، ويقتصر تقديمهم على اللقيمات العادية .
وتبدي حوراء رضوان، زائرة، إعجابها باللقيمات والدبس الذي يغمرها، حيث تعتبر هذه المرة الأولى التي تتذوقها فيها، وتتعرف من خلالها إلى أحد أصناف الحلويات الإماراتية الشعبية، وتؤكد أنها لن تكون هذه المرة الأخيرة .
وتفضل خديجة محمد، زائرة، العسل والكثير من السمسم على اللقيمات، التي تضفي طعماً غنياً ولطيفاً عليها، منوهةً بأن الدبس يكون مُراً في بعض الأحيان عندما يتم الإكثار منه، ولذلك فهي تفضل الاستمتاع بطعم اللقيمات وحلاوتها بالعسل عوضاً عنه .

الجباب وجبة فطور أساسية

تقول عفراء محمد، خبازة: إن الجباب من وجبات الفطور الأساسية لدى الأسر الإماراتية، وكان قديماً يؤكل مع الدبس، أو السكر، أو العسل، حتى جرى تحديثه حالياً، لنجده يُقدم مع شوكولا نوتيلا أو الجبن الكريمي، وذلك بغية اجتذاب رغبات الجيل الناشئ وتحبيبهم بالمأكولات التراثية قدر الإمكان، بما يتناسب مع متطلبات العصر والمدخلات الغذائية الغربية، التي اكتسحت الموائد العربية والمطابخ التقليدية .
وتشير إلى أن مكونات الجباب، تشتمل على الطحين والخميرة والزعفران والسكر، ولا يدخل في تكوينها البيض، مراعاة لمن يعاني الحساسية منه .
وتبدي أم عبد العزيز، زائرة، إعجابها بالجباب مع الجبن، وتقول إنها تحاول جاهدة خبزه في البيت وتطبيق طريقته، لكنها لا تنجح في ذلك، ولا يكون بنفس الطعم الذي تعدّه الخبازات، مشيرة إلى عدم اعتماد الجباب على سفرة فطورهم هذه الأيام، والتي تضج بالأطباق الغربية الأمريكية والفرنسية منها، لذلك يعد هذا القسم من المأكولات الشعبية في الملتقى ناقوساً يذكرهم بالتراث وبالأكلات الشعبية، التي بعدت عنها ربات البيوت الحالية، واعتمدت عوضاً عنها وصفات لأكلات مستوحاة من المطابخ الحديثة .
في حين، ما زالت تعتمد مريم علي، زائرة، الفلزي على طاولة طعامها اليومية، وبشكل خاص في وجبات العشاء والفطور، ولكن غالباً ما يتزايد تناولهم له في وقت الفطور، حيث يشبه الرقاق، ولكنه يختلف بطريقة الخبز ويكون أسمك، مما يساعدهم على استخدامه في التغميس .
وتنوه فاطمة محمد، خبازة، إلى أن الفلزي أهم ما يميزه هو مكوناته من طحين يمتاز بسمكه، مُقارنة بخبز رقاق، التي تعتمد وصفته وبشكل أساسي على الماء والملح والطحين، لهذا فإنه ينشف وييبس بسرعة مع مرور الوقت، ويكون أخف من الفلزي، مشبهة الفلزي الذي شبهته بخبز الصاج، الذي نتناوله بجانب أصناف أخرى، أما خبز رقاق فبالإمكان أن يؤكل وحده .
يقاطع الأطفال وفاء الصيّاح وهي تخبز خبز الرقاق وتشرحه، لينادون باسمه بأعلى صوتهم "خبز رقاق،" فتقول وهي تفرد العجين، "الرقاق يعرفه الصغار والكبار ومن كل الأعمار،" مشددة، على اعتماد خبز رقاق، والخمير، واللقيمات، في حياة أطفالها اليومية، لترسيخ هذه الأصناف الشعبية لديهم، وتعريفهم بها، حتى يميزونها من بعيد كما فعلوا اليوم ويستسيغون تناولها وطلبها، مثنية على هذا الركن بكل ما يقدمه، ليلفت الزوار ويذكرهم بماضي الأجداد العريق بأكله، وقصصه، وحياته البسيطة .

الرقاق وجبة صحية

تقول أم سيف إن الرقاق يتميز بخفته على المعدة، ولهذا ينصح به اختصاصيو التغذية لتناوله عوضا عن الخبز، فهو لا توجد فيه كميات مشبعة من الدهون حتى عند خبزه، ويمكن أكل رغيف كامل منه دون الإحساس بالتخمة .
وناصر طحنون النقبي، زائر، يؤكد على أن خبز الرقاق له فوائد غذائية كبيرة، خاصة ما إذا ما كان مخمراً بشراب السمك، الذي يسمى ب"خبز رقاق مهياوة"، وتسمى المهياوة كذلك بالمِشاوَة في بعض دول الخليج العربي، وهي أكلة شعبية مشهورة في جنوب غرب إيران ومستوردة منه، وتعتبر في أصلها صلصلة ثقيلة أو خائرة، يميل لونها إلى الرمادي المخضر .
وتُصنع من سمك المتوت الصغير، الذي لا يتجاوز حجمه 10 سم، ويجفف في الشمس ويطحن مع الخردل، ثم يعجن ويضاف إليه حبة حلوة و كمون وقليل من الطحين مع الملح، ويرش عليه القليل من ماء الورد و الليمون، ليصبح سائلاً ثقيلاً لذيذ الطعم، بعدها يعرض للشمس ليصبح طعمه ألذ ويؤكل بعدها مع الخبز .
تحتوي المهياوة على مادة الفسفور و الكالسيوم، بالإضافة إلى العديد من الفيتامينات، و من فوائدها أنها تخفف من آثار الربو، وتزيد القوة الذهنية، حيث يسمى السمك غذاء العقل .
يقول النقبي إن المواطن يشتاق لهذه الأكلات الشعبية، التي ما عادت أمهات اليوم يتقنها، وغالباً ما يتوجهن إلى هذا القسم من الملتقى والمطابخ الشعبية قبل الرجال ليشترينها ويتمتعن بمذاقها الغائب عن موائدهن اليومية، حتى لو غلا سعرها، بسبب حنينهم إليها وإلى الماضي الذي تحمله بين نكهاتها .
وتبدي عايشة الحبسي، زائرة، أسفها بسبب انقراض هذه المأكولات عن مطبخ الإماراتيات في الوقت الحالي، نظراً لغزو الأكلات المستحدثة من المطابخ الغربية، حيث اعتمدت نساء اليوم أكلات جديدة تواكب العصر الحديث وسرعته، فساروا صوب الوجبات السريعة الفقيرة للمواد الغذائية، والتي من شأنها أن تصيب الشخص بالسمنة والأمراض التي لا حصر لها، والتي لم يكن يعاني منها الأجداد في الماضي بالرغم من كبر سنهم، كالهمبورغر وغيره من وجبات "الفاست فوود" .

رقابة صارمة

يوضح أحمد المنصوري، نائب رئيس اللجنة المنظمة للملتقى، أن قسم المأكولات الشعبية يحظى برقابة غذائية صارمة، من قبل مفتشي بلدية دبي، الذين يزورون هذا قسم المأكولات الشعبية والخبازات يومياً ويتواجدون بصورة دورية منذ الدورة الأولى لإقامة الملتقى، وذلك للكشف عن المحلات الخاصة بالمأكولات والمشروبات بصورة عامة، والتدقيق على صحة المعلبات وتاريخ انتهاء صلاحيتها، والعمل أيضا على تحليل مكونات أطعمة المطاعم التي تقدم وجبات مكشوفة للجمهور للتأكد من مدى صحتها وجودتها من عدمه .