بيروت رنة جوني:

سرق تطور العصر السريع حرف لبنان العتيقة، همّشها، ووضع أصحابها على الرف، إلا من آمن بها، الخياطة واحدة من أقدم المهن التي اعتاش منها آلاف اللبنانيين، منذ أربعينات القرن الماضي حتى سبعيناته، كانت «مكنة أبو دولاب» والمرأة لا يتفارقان، لم تكن الخياطة حكراً على المرأة، الرجل كان سيدها، فالخياطة بحسابات آخر خياط في الجنوب، علي صباح: «عملية حسابية معقدة»، لا يتقنها إلا الذكي.
صباح الستيني، تعلم المهنة بعد أن فقد الأمل في إيجاد وظيفة في الخمسينات، رغم حصوله على شهادة البكالوريا، كان في ال14 من عمره، حين خطى أولى خطواته في عالم الخياطة التي كانت مزدهرة جداً آنذاك، في محله الصغير في حي السراي، مازالت ماكينة الخياطة القديمة حاضرة، ومازال صباح خلفها يصمم بعض الملابس، «تراجع الطلب على الخياطة، فالمواطن يفضل الجاهز لأنه أرخص، ولكن الخياطة أجمل وأمتن، ولكن من يفكر بهذه الطريقة».
يقول صباح الذي يمضي ساعات طوال من النهار خلف ماكينته، لم يتعب من «درز» الملابس، ولا حتى من حساب مقاسات الأقمشة، وإن صار التصليح أكثر ازدهاراً، يقول ذلك متحدياً الحداثة، وهو المواظب على الخياطة منذ أربعين عاماً، ولم ينقطع عنها يوماً.

الستيني صباح، الذي تفوح من محله الصغير الكائن في حي السراي رائحة عز الخياطة، يتحسر على ما آلت إليه المهنة التي سرقتها معامل الخياطة والمحال الجاهزة، فبعدما حصل على شهادة البكالوريا، قصد الوظيفة، لكن الواسطة حرمته من حلمه، اختار أن يتعلم الخياطة التي يصفها ب «المهنة الصعبة والشاقة في آن، وتتطلب عمليات حسابية دقيقة يعجز عن إتقانها بسهولة».

خلف ماكينة عتيقة يفوق عمرها السبعين عاماً، وربما أكثر، يجلس ساعات طوال، باتت الأقمشة والخيطان ومعها المكواة الحديدية العتيقة النادرة و«جحش الكوى» الخشبي رفاق أيامه، «كنا لا نهدأ.. الزبائن كثر، والخياط كان إمبراطور عصره، يقصده الجميع لخياطة ملابسه، لم تكن الملابس الجاهزة متوفرة كما اليوم، كان الخياط مصمماً ومنفذاً، يتقن لعبة الأزياء، ويبتكر الكثير رغم أُميته».

لم ترهق الأيام صباح ولا تعب المهنة: «أرهقني الخوف من خسارتها، الكل يفضل الجاهز لأنه أرخص، لكن الخياطة اليدوية، والتطور سرق منا كل شيء، الثقافة، التراث، الحضارة، حتى عاداتنا وتقاليدنا، كلها تحولت إلى شاشة صماء، يلعب عبرها جيل اليوم بمستقبله، ويترك حرفه والماضي جانباً».
بين الأقمشة وعدة الخياطة والمكواة القديمة التي أكلها الصدأ، يجلس العم علي، بدوره يتحدث عن عز الحرفة: «الخياطة تتراجع، مش كل الخياطين شاطرين، وخياط التصليحات مش خياط، كنا نحبك البنطلون على اليد، أملك سرعة كبيرة، إذ خلال دقائق أنجز ما تنجزه الماكينة الحديثة، أتحدى الحداثة، ولكن من يفقه هذه التحديات إلا كبار السن المواظبين على الخياطة، جيل اليوم يفضل الموضة العجيبة على ما عداها، لكنه سيندم على خذله الحرفة الأصيلة».
ووفق العم علي، فإن «الخياطة تعيش عزلتها الأخيرة، وتتجه نحو الاندثار».. يقولها بحسرة، ويضيف: في الماضي كنا لا نهدأ، نعمل لساعات طوال بدون توقف، ويحتاج الزبون إلى دور، اليوم ننتظر الزبون ولا يأتي..».
والخياطة عند العم علي تبدأ من رسم صورة القميص، ثم الإتيان بالقماش المناسب وتفصيله وفق مقاسات دقيقة جداً، لتبدأ بعدها الخياطة التي تحتاج إلى ساعة، يقول: «الخياطة كما الحياة، قدم «عالدولاب»، ويد على المقود، والدرزة الخاطئة تكلف إعادة العمل».
الصبر مفتاح المهنة التي يراها البعض سهلة ولكنها بحسابات العم علي «مهنة صعبة تتطلب صبراً ودقة»، لذا هي إلى زوال حتى المكنة، ولو كنا نملك سياسة عامة حكومية لحماية حرفيات لبنان، لظلت ماكينات الخياطة تضج بالحياة، ولكن تموت برحيل سيدها، وهذا ما يقلقني»، يقول العم علي، ويشاركه صباح الرأي، وهما يستعيدان أيام «خياطة ذهبية» لن تعود.