تشكل الألعاب الشعبية أحد أهم عناصر التراث الشعبي، وجزءا مهما من ذاكرة أي مجتمع، كما أن اللعب يسهم في بناء الشخصية الاجتماعية.

وتؤدي الألعاب الشعبية دوراً مهماً في تأصيل الموروث المرتبط بالحركة والإيقاع والأناشيد والأغاني الشعبية، كما تساعد على انتقال العادات والتقاليد والمعارف بصورة طبيعية من جيل إلى آخر، مكونة بذلك ثقافة شعبية غنية بالمعاني والعبر والمدلولات الإنسانية والاجتماعية، التي تؤكد أهمية الانتماء إلى الجماعة والارتباط الجذري بالأرض والوطن، ولكن أين ذهبت هذه الالعاب الشعبية القديمة؟ هل غيبت عن أولادنا؟ أم ان (قنوات الرسوم المتحركة) و(البلاي ستيشن) فعلت ما فعلته بأطفالنا؟

نزلنا الى الشارع الاماراتي وذهبنا الى بيت الموروث الشعبي بالشارقة للتعرف إلى الألعاب الشعبية، وما مدى صمودها أمام رياح التغيير؟

قد تكمن هذه الألعاب في ذاكرة بعض الآباء الذين عاصروها، ثم انتقلت إلى أبنائهم وهو ما فعله عبيد الجسمي (42 عاما)، إذ كان في طفولته يلعب مع عائلته لعبة قديمة اسمها الهوسة في البر ورحلات التخييم في المزارع، خصوصا مع تحسن الجو، مؤكدا أن هذه الالعاب لاتزال موجودة على الرغم من اختلاف مسمياتها، لأن طرق لعبها واحدة، ويشير إلى أنها تناسب المساحات الواسعة، وأن الأصدقاء وأفراد العائلة الواحدة يلعبونها في سعادة بالغة، وهو ما علمه لابنه علي عبيد (15 عاما) الذي يستمتع كثيرا بلعب هذه اللعبة مع العدد الكبير من الاصدقاء ولكنه في حالة عدم توافر الأعداد والمكان، يصبح الكمبيوتر والبلاي استيشن الانسب للمنزل.

والهوسة لعبة جماعية تحتاج الى قوة جسدية وذكاء وتعتبر من الألعاب الخشنة، ويمكن أن يلعبها الشباب من 16 عاما فما فوق، وتحتاج الى أجسام قوية لأنها ذات طابع حماسي، وتأخذ شكل الشد والحمل أثناء مجريات اللعبة، ويتكون عادة فريق كل مجموعة من 6 لاعبين، ويفصل كل مجموعة عن الأخرى خط فاصل مرسوم على الأرض، وتحتاج اللعبة إلى ارض منبسطة خالية من العوائق، ويختار اللاعبون حكما فيما بينهم، وتبدأ اللعبة بإيعاز من الحكم فيدخل أحد أفراد الفريقين لملعب الخصم (الهول) وهنا يحاول الفريق مسك اللاعب وهو يحاول جر أحد اللاعبين الى ملعب فريقه ويساعده بذلك لاعبو فريقه، وعندما يخرج اللاعب من خط الهول الخلفي أو يطرح أرضا، فإنه يعتبر خاسرا ويخرج من اللعبة وتستمر حتى لا يبقى أي لاعب، وبالتالي تفوز الفرقة التي يبقى أحد لاعبيها أو عدد من اللاعبين داخل الهول، ويحق للفريقين تبادل اللاعبين الاسرى لدى كل فريق.

ومن بين الالعاب التي تتذكرها أم غريب (ربة منزل) الصقلة، والتي علمتها لبناتها في إحدى رحلات التخييم في الشتاء، وترى فيها ابنتها عائشة المرزوقي (13 عاما) هدوءا وجمالا لم تره في ألعاب البلاي استيشن، لأنها لا تحتاج لعدد كبير ولا ضجة أثناء اللعب، وتؤدي إلى تقارب وتآلف بين من يلعبها.

وهي لعبة مشتركة، حتى الأولاد كانوا يلعبونها وان كانت للبنات أصلا وهي عبارة عن خمس حصيات مختارة بعناية ولا يزيد حجم الواحدة على حجم (الرطبة الصغيرة)، وغالباً ما تكون ملساء وعدد اللاعبين فيها من اثنين إلى أربعة وطريقتها أن يقوم لاعب برمي حصاة واحدة في الجو ثم يلتقط الأربع بسرعة قبل ان تسقط الخامسة ثم يلتقط اللاعب كل حصاة على حدة بعد ان يلقي بواحدة في الجو ليلتقطها قبل ان تسقط، ثم يحاول قلب يده بسرعة بشرط ان يتلقى بظهر يده الحصيات ليختار بعد ذلك اللاعب المنافس (العروسة) اي الحصاة التي يريدها وتكون في الغالب في مكان صعب على ظهر كف اللاعب الذي يجب ان يقوم بحركات متوازنة بكفه تسقط معها الحصيات باستثناء (العروسة) التي يجب مسكها بين اصبعين، وهكذا كلما اخفق اللاعب في خطوة انتقل اللعب للفريق المنافس وحين يعود اليه اللعب مرة اخرى يبدأ من حيث اخطأ وهكذا.

اختلاف

يحب محمود السعداوي (12 عاما) لعبة هوارى أولنكات وهي لعبة قديمة علمها له جده قبل وفاته، وهي عبارة عن صناعة قارب صغير من الخوص أو الخشب والقماش، وكان هو وجده يستعدان بعمل السفينة الصغيرة، عند خروجهم للبحر، قاصدين الاستمتاع بمائه ورماله واللعب على شاطئه، كما يشير إلى أنها صارت متعته الوحيدة خصوصا مع وجود العائلة والأهل والأصدقاء على البحر. ويؤكد أنه لا مجال لهذه الهواية داخل المنزل حيث تبقى قناة الكرتون تسليته الوحيدة، ولكنه مع وجود قاربه يتمنى عدم مغادرة الشاطئ للعودة الى المنزل، ويرى في هذه اللعبة اختلافا كبيرا عن أفلام الكرتون التي ملّ مشاهدتها، مؤكدا تفاعله مع الاسرة والبحر من خلال هذه اللعبة.

وهناك من بين الالعاب ما يصلح للشباب نظرا لقوتها في التعامل والالتحام، مثل لعبة هدوة المسلسل، والتي مازالت تمارسها عائلة السمودي بالشارقة. ويقول خالد السمودي، إنها لعبة جميلة تساعده على التخلص من الدهون الزائدة، حيث تحتاج الى جري المشاركين وراء بعضهم البعض، وهو ما يفتقده بشكل كبير في الألعاب الحديثة المميتة على حد وصفه، والتي تتطلب منه الجلوس لساعات، يتعطل فيها الجسم عن الحركة وحرق السعرات، بالاضافة الى تنمية الشعور بالعدوانية لدى صغار الشباب، والذين تعودوا على المناظر الدامية نتيجة قتل المنافس عبر الفيديو جيمز.

وهدوة المسلسل لعبة جماعية شائقة ويتخللها المرح والكر والفر ويختار اللاعبون حكما فيما بينهم ثم تجري القرعة بين اللاعبين حتى يحصل على اللاعب المسمى بالمسلسل، وجاءت هذه التسمية من السلسلة حيث يكون هناك سلسلة من المعدن مربوطة بحبل مثبت بالارض، ويضع لاعب المسلسل إحدى رجليه داخل خية المسلسلة، ومن هنا جاءت التسمية، وبعد أن يوعز الحكم ببدء اللعبة يردد اللاعبون هدو المسلسل هدوه في بطنه بيضة هدوه بيضة قطاعي هدوه، وتكرر ثلاثاً وبالمرة الثالثة يقوم الحكم بفك رجل اللاعب المسلسل وهنا يبدأ بمطاردة اللاعبين ويحق له ضربهم بقبضة يده أي (يدحهم دحا) وهنا يقف اللاعب الممسوك مكان اللاعب المسلسل وهكذا.

أهمية

عبيد بن صندل المتخصص بتراث الإمارات في دائرة الثقافة والاعلام بالشارقة، ومؤلف كتاب الالعاب الشعبية والاهازيج الشعبية في الامارات يدلل على أهمية الالعاب الشعبية بقوله: هذه الألعاب علمت جيل الماضي ممن ترونهم على قيد الحياة المهنة والحرفة واللياقة البدنية والحركية والترفيهية والاعتماد على النفس والتنفس في مجال الغطس في الأعماق البحرية، فالإنسان ابن بيئته ومن خلالها يخترع ألعابه وهكذا كان ابن الإمارات الذي أنشأ تراثا جميلا لا بد من المحافظة عليه، والألعاب جزء من هذا التراث وها نحن نعمل على قدم وساق حتى لا تنسى الأجيال هذه الألعاب، ونستغل كل مناسبة لإحيائها واستطاعت إدارة التراث بالدائرة الثقافية بالشارقة تخصيص وقت لهذه الألعاب، بل وصناعة كل ما يختص بها من أدوات سواء ما يخص الذكور أو الإناث وإن كان كثير من الألعاب مشتركا بين الجنسين بقصد التسلية والمرح ومنها ما ينمي الحس والذاكرة والتفكير.

وفي مقابل الالعاب الموجودة وتلك التي تبذل جهود لإحيائها هناك ألعاب انقرضت منها حسب خليفة بن جسمون الباحث في الالعاب الشعبية بإدارة التراث بالشارقة، لعبة خبز رقاق أو (ثنتين ابيزة)، وهي لعبة جماعية تعتمد على اللياقة البدنية العالية، وكانت تلعب بالأحياء وأمام المنازل وداخل أحواشها، وتحتاج هذه اللعبة الى أرض واسعة، كما يوضح وتعتمد على عدد من اللاعبين، وتتمثل بأن تجرى القرعة بين اللاعبين والذي يقع علية الدور يقوم برسم خط لبداية القفز، ويقف اللاعبون خلف خط البداية بشكل مستقيم الواحد تلو الآخر، ثم يقوم اللاعب الذي وقعت عليه القرعة بثني جسمه كما في الركوع أثناء الصلاة، ويخفض رأسه قليلا ثم يبدأ اللاعبون بالقفز من فوقه ويحق لكل لاعب أن يضع يده فوق ظهر اللاعب المنحني أمامه لتتم عملية القفز، والذي يقفز من فوق ظهره يعود لخط البداية حسب دوره بين اللاعبين، وهكذا الى أن يخطئ أحدهم بأن يلمس رأس اللاعب المنحني أو يدفعه أو يقع على الارض، ومن يخطئ يقف مكان اللاعب السابق وهكذا، وليس للعبة وقت محدد ويعود الوقت لرغبة اللاعبون، ويردد اللاعبين أثناء القفز (خبز رقاق ثنتين ابيزة ... خبز رقاق ثنتين ابيزة).